بدأت تدوين العلوم عامة، وكتابة التاريخ خاصة في منتصف القرن الثاني الهجري كما سبق، وكانت بشكل ابتدائي وكيفي، ثم اتجهت العلوم إلى التدقيق والتنظيم والترتيب في القرن الثالث الهجري.
وكان الطبري ﵀ يتَّسم بالمَوْسُوعية والشمولية من جهة، والتدقيق والتنظيم والمنهجية من جهة ثانية، وكان منهجه واضحًا ومنظَّمًا في مختلف العلوم والفنون التي شارك فيها، وكان يصرِّح بخطته ومنهجه في مقدمات كتبه ومصنفاته.
وبلغ التحقيق والترتيب والمنهجية في كتابة التاريخ قمَّتَه عند الطبري، فكان أكثر من غيره تنظيمًا، وأَميَل إلى تنسيق الحوادث وترتيبها (١)، ولذلك يُعتبر الطبري شيخ مدرسة التاريخ المنقول التي امتدت خلال القرون الثلاثة السابقة، وكان الطبري يقصد تحرِّي الدقة في نقل الخبر، دون أن يتحوّل التاريخ على يديه إلى مجال التحليل والنظر العقلي والاستنتاج.
وصرح الطبري بمنهجه في مقدمة تاريخه، والتزم بهذا المنهج، فقال:
"وليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أن المتمادي في كل ما أحضرتُ ذكرَه فيه، مما أنّي راسِمُه فيه، إنما هو على ما رَوَيتُ من الأخبار التي أنا ذاكرُها فيه، والآثارِ
_________________
(١) وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى تشبيه عمل الطبري في التاريخ الإسلامي بما قام به البخاري ومسلم في الحديث. انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٧.
[ ١ / ٩٩ ]
التي أنا مُسْنِدُها إلى رُواتِها فيه، دون ما أُدْرِكَ بحججِ العقول، واستُنْبِط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم، ولم يُدْرك زمانهم، إلا بإخبار المخْبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يَعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أوتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنَّما أدَّينَا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا" (١).
وبالتأمل في هذه المنهج المحدد، وبالرجوع إلى نصوص "تاريخ الأمم والملوك" استخرج علماء التاريخ منهج الطبري في التاريخ، وأبدوا عليه المآخذ والملاحظات.
وسبق البيان أن تاريخ الطبري ينقسم إلى قسمين رئيسين، تاريخ قبل الإِسلام، وتاريخ بعد الإِسلام، ولكل قسم منهجه وطبيعته، كما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.