أولًا: التأكيد على ضرورة ملاحظة ملامح التفسير الإسلامي للتأريخ من جهة والقيم الأساسية التي يتمخض عنها تحليل التأريخ الإسلامي نفسه في توجهاته الشمولية من جهة أخرى (١).
لا أكون مغاليًا إذا قلت إن أول من أبان عن معالم التفسير الإسلامي للتأريخ هو العلامة ابن خلدون -وإن لم يستعمل هو هذا المصطلح- وبلغت تلك المعالم أوجهًا في كتابات الأستاذ عماد الدين خليل سواء كان من خلال كتابه القيّم التفسير الإسلامي للتأريخ أو من خلال كتابه حول سيرة عمر بن عبد العزيز وعشرات الكتب والمقالات كتبها حول هذه المسألة ولعلّ الأستاذ عماد الدين خليل أوجز أهمية التفسير الإسلامي للتأريخ بقوله:
من خلال نظرة شمولية إلى التاريخ الإسلامي في مساراته ومصائره يبدو ذلك الاتصال الوثيق بين المسببات والأسباب، ذلك التلاحم المحتوم بين المقدمات والنتائج، إنها النواميس والسنن التي حدَّثنا عنها الله سبحانه في كتابه المبين.
ولقد أخطأ كثير من المؤرخين في فهم وحدة هذا التأريخ وطبيعة نسيجه ذي الخيوط الواحدة، أخطؤوا لأنهم نظروا إلى هذا التاريخ نظرة تتسم بالتجزيئية والمباشرة والتقطع حينًا، وبقياس التحولات بمقاييس التغير الدائم في الأُسَر الحاكمة حينًا آخر، دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار حركة المجتمع الإسلامي ووحدته وصيرورته التي كانت تجد في قيم الإسلام ومبادئه ومثله مراكز ثقلها وضبطها، ومؤشرات تمخضها الدائم عن المزيد من الوقائع والأحداث (٢).
قلنا: ولقد تحدثنا عن بعض أصول التفسير الإسلامي للتأريخ في ثنايا
_________________
(١) إسلامية المعرفة / ٦٧.
(٢) المصدر السابق (٦٣).
[ ١ / ٤٣ ]
تخريجنا لروايات تأريخ الطبري وعلى سبيل المثال لا الحصر عند حديثنا عن أسباب انتقال إدارة الخلافة من الأمويين إلى العباسيين فلينظر.
ويكمل الأستاذ عماد الدين شروطه قائلًا:
ثانيًا: إن العمل التأريخي الجاد بحاجة إلى البناة الذين يملكون الحسّ النقدي بطبيعة الحال أكثر من النقاد (١).
ويشرح الأستاذ عبارته هذه ويقول في آخر شرحه:
باختصار، فإن التوجّه أكثر أهمية وجدوى يجب أن يتجاوز الدفاع المتشنج إزاء كل ما طرحه الخصوم حول هذه النقطة أو تلك في مجرى التاريخ الإسلامي صوب أبحاث في تكوين التاريخ والحضارة الإسلامية، نظمًا وصيرورة، وأعمال بنائية في هذا الجانب أو ذاك، تقدم بذاتها القناعات الموضوعية التي تتهافت عندها مقولات الخصوم (٢).
ثالثًا: تحقيق قدر من التوازن بين دراسة الجوانب السياسية العسكرية وبين فحص الجوانب الحضارية وتحليلها، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن ينظر إلى المعطيات الحضارية باعتبارها أجزاء متفرقة تنتمي إلى كل نظرة أوسع يتضمنها جميعًا ويمنحها معنى وهدفًا (٣).
ومن الضروري هنا أن ننقل كلامًا قيّمًا للأستاذ عمر عبيد حسنة إذ يقول وهو يتحدث عن التاريخ الإسلامي [ليس هو تأريخ الدولة بأجهزتها المتعددة وإنما هو تأريخ الأمة بشكل عام وعطائها الحضاري على مختلف الأصعدة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والعلمية. إلخ].
لذلك نقول: إنه من الخطأ المنهجي والموضوعي الاقتصار على تأريخ الحكام والأمراء والخلفاء وتغييب تأريخ المجددين والمصلحين والعلماء العاملين والطوائف التي تحمل الحق وتظهر به وتدافع عنه وتتولى حسبة الأمر بالمعروف
_________________
(١) إسلامية المعرفة (٦٧).
(٢) المصدر السابق (٦٨).
(٣) المصدر السابق (٦٨).
[ ١ / ٤٤ ]
والنهي عن المنكر وتحقيق الرقابة العامة في الأمة (١).
ونعود إلى الشروط والضوابط التي ذكرها الدكتور عماد الدين خليل:
رابعًا: الأخذ بأسلوب نقدي رصين في التعامل مع الروايات التي قدمتها مصادرنا (القديمة) وعدم التسليم المطلق بكل ما يطرحه مؤرخنا القديم، وإحالة الرواية التاريخية، قبل التسليم النهائي بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرقة هل يمكن أن تتجانس في سداها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة لحمة وسدى؟ هذا فضلًا عن ضرورة اعتماد مقاييس النقدين الخارجي والباطني ومعاييرهما وصولًا إلى قناعة كافية بصحة الرواية.
ويمكن الإفادة في مجال النقد الخارجي، إلى حد ما، من علمي: "مصطلح الحديث" و"الجرح والتعديل" اللذين مورسا على نطاق واسع في عمليات تمحيص الأحاديث النبوية، ومن كتب التراجم الغنية الخصبة، فما من أُمة في الأرض عنيت بتمحيص مصادر أخبارها وتاريخها كالأمة الإسلامية، فهنالك تراجم لنصف مليون رجل أسهموا جميعًا في تقديم الأحاديث والأخبار والروايات التاريخية التي لا يمكن توثيقها والأخذ بها إلا بعد فحص أولئك الرجال الذين تناقلوها. ومن ثم فإن دراسة التاريخ الإسلامي دراسة جادة تستلزم، بالضرورة، دراسة هذا الموضوع الخطير لكي تقوم الأعمال التاريخية معتمدة على أوثق المصادر وأدق الأخبار ومنقحة من الدسائس والسموم وسيل الروايات الموضوعة التي نفثتها القوى المضادة في جسد تاريخنا المتشابك الطويل.
ومن قبله قال محب الدين الخطيب ومن الإنصاف أن نشير إلى أن اتساع صدور أئمة السنة -من أمثال أبي جعفر الطبري- لإيراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم -دليل على حريتهم وأمانتهم ورغبتهم في تمكين قرائهم من أن يطَّلعوا على كل ما في الباب واثقين من أن القارئ الحصيف لا يفوته أن يعلم أن مثل أبي مخنف موضع تهمة -هو ورواته- إلخ.
وقال الخطيب ﵀ أيضًا: وإنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل، فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في
_________________
(١) قيم المجتمع الإسلامي من منظور تأريخي / ١١.
[ ١ / ٤٥ ]
الأكثر في مثل: تذكرة الحفاظ للذهبي وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المئة الثانية توجد في خلاصة تذهيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب للحافظ ابن حجر والذين تناولهم الجرح من الضعفاء: يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان فضلًا مما ورد في طبقات ابن سعد وتاريخ دمشق لابن عساكر وتأريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير من آلاف الأخبار إلا بالرجوع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل، وإن كتب مصطلح الحديث تبين الصفات اللازمة للراوي، ومتى يجوز الأخذ برواية المخالف، ولا نعرف أمة عني مؤرخوها بتمحيص الأخبار وبيان درجاتها وشروط الانتفاع بها، كما عني بذلك علماء المسلمين، وأن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري: رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، يظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار، ولو أنهم تمكنوا من علم "مصطلح الحديث" وأنسوا بكتب الجرح والتعديل واهتموا برواة كل خبر، كاهتمامهم بذلك الخبر، لاستطاعوا أن يعيشوا في جوّ التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غثّ الأخبار وسمينها، ولعرفوا الأخبار أقدارها على أقدار أصحابها (١).
ثم نعود إلى الشروط والضوابط كما وضعها الدكتور عماد الدين خليل:
خامسًا: يقابل هذا ضرورة الاعتماد في بناء البحث التاريخي على الواقعة نفسها دون الوقوع في مظنة اعتماد هياكل مرسومة مسبقًا، ووجهات نظر مصنوعة سلفًا، ومحاولة تطويع الوقائع وإرغامها على الانسجام مع هذه الهياكل والوجهات حتى ولو أدى هذا إلى تشويه ملامح الواقعة التاريخية، أو إعادة تركيبها، لكي تنسجم والأطروحات المسبقة، مما نجده واضحًا، على سبيل المثال، في الدراسات التي تنطلق من المفهوم المادي في تفسير التاريخ، الأمر الذي أوقعها في بحر من الأخطاء والتناقضات.
_________________
(١) المدخل إلى التأريخ الإسلامي / (١٦٤ - ١٦٥).
[ ١ / ٤٦ ]
سادسًا: كما أنه يتوجب في مقابل هذا وذاك اتخاذ موقف علمي تجاه معطيات المستشرقين، الغربيين والشرقيين، على مستوى المنهج والموضوع وعدم التسليم المطلق بها أو تجاوزها كليّة، لأن هذه المعطيات تتضمن الجيد والرديء الأبيض والأسود ..
ويضيف الأستاذ عماد الدين قائلًا:
إن مناهج البحث الغربية (نصرانية وماديّة) لا يمكنها بحال أن تقدم تفسيرًا معقولًا شاملًا متماسكًا لتاريخنا الإسلامي، فهي إن نجحت في تفسير التاريخ الغربي وتقويمه فستخفق حتمًا في تفسير التاريخ الإسلامي وتقويمه، ذلك أنها مناهج لا تقوم على أساس (متوازن) ينظر إلى القيم الروحية والمادية كعوامل فعّالة مشتركة في صنع التاريخ، بل على العكس، تسعى بدافع من ماديتها أو علمانيتها إلى ترجيح الدافع المادي وتقليص مساحة الدوافع الروحية في حركة التاريخ، بل طمسها أحيانًا، وإنكارها أساسًا في أحيان ثالثة كعوامل في صيرورة التاريخ البشري.
سابعًا: يجب ألا يقع العاملون في حقل المنهج الجديد للتاريخ الإسلامي تحت وطأة المواضعات المعاصرة في كافة مناحي الحياة البشرية: السياسية والاقتصادية والأخلاقية والروحية والاجتماعية، لأن هذا من شأنه أن يصبغ رؤيتهم للتاريخ الإسلامي بألوان تستمد تركيبها من واقع عصرنا الراهن، الأمر الذي يفسد موضوعية الرؤية، وبالتالي يصد المؤرخ عن الوصول إلى كنه الوقائع التاريخية التي قد لا تمت بصلة إلى موضوعات القرن العشرين.
ثامنًا: ولابدّ من الإشارة أخيرًا -وليس آخرًا- إلى أن الدعوة لإعادة كتابة أو عرض التاريخ الإسلامي وتحليله لا تعني بالضرورة البدء من نقطة الصفر، أو الرفض المطلق للصيغ التي قدمها بها مؤرخونا القدماء، ومحاولة قلب معطياتهم رأسًا على عقب ومن يخطر على باله أمر كهذا؛ فهو ليس من العلم في شيء.
[فصل من كتاب إسلامية المعرفة / ٦٣ - ٧٣ / مخطط مقترح لإسلامية علم التأريخ]
ولقد استمر أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل في ذكر شروط وضوابط أخرى إلّا أننا لم نذكرها هنا لأنها بحاجة أن تعتمد في حالة كتابة موسوعة للتأريخ
[ ١ / ٤٧ ]
الإسلامي أوسع بكثير من تأريخ الطبري وأشمل منه كذلك- إلّا أننا اكتفينا بذكر الضوابط التي نراها لزامًا للباحث في مجال تأريخ الطبري وتخريج رواياته والله أعلم.
ونضيف هنا شروطًا أخرى ذكرها بعض من أساتذتنا الأفاضل:
تاسعًا: يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: كما أن من الخطأ التربوي والثقافي والديني أيضًا الاقتصار على إبراز الجوانب المشرقة وتضعيفها في التأريخ الإسلامي وتصوير مجتمع المسلمين على أنه مجتمع ملائكة معصومين من الخطأ -وتغييب أو إسقاط فترات الانكسار والهزيمة والسقوط التي قد تمثل النقاط السوداء والسلبية في مسيرة الأمة- إذا ما تمَّت معايرتها بالقيم وإن كانت مساحتها في التأريخ الإسلامي لا تكاد تذكر أمام الإنجازات العظيمة والعطاء الحضاري (١).
التفاصيل العملية لمنهج إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ومنها مسألة نقد المتن والإسناد:
وهنا نركّز بالذات على أبحاث أستاذنا الفاضل أكرم ضياء العمري الرائد في مجال تطبيق قواعد المصطلح والجرح والتعديل لنقل وتقييم الرواية التأريخية.
وما سنذكره هنا من شروطٍ وضوابط مأخوذة من عدة أبحاث وكتب لأستاذنا العمري ورأينا في جمعها في فصل واحد فائدة عظيمة والله أعلم.
نظرًا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي معظمها يسرد الروايات بالأسانيد، فلا بد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة الحديثية، ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة، لأن فيها ما يدل على أصلها، ويمكن من التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند.
أما في الدراسات المتصلة بالعقيدة والشريعة فلا بد من الاعتماد فيها على
_________________
(١) قيم المجتمع الإسلامي من منظور تأريخي / ١١.
[ ١ / ٤٨ ]
الروايات والأحاديث الصحيحة ونقد وبيان الضعفية منها، وستسلم في هذا الجانب أحاديث صحيحة على شرط المحدثين تكفي لبيان العقيدة وأحكام الشريعة، لأن المحدثين أولوا الأحاديث عناية كبيرة وأحاطوا رواتها بدراسة دقيقة واسعة، واهتموا بطرق تحملها وأدائها، فإذا طبقت قواعدهم على الأحاديث فهي أهل لذلك لما بلغته من الدقة والإتقان.
ثم يذكر الأستاذ العمري بيت القصيد هنا فيقول:
أولًا: أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التأريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستشكل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع.
إن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من حلقاته، وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لسير تاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة.
ويرى أستاذنا العمري علاقة قوية بين التأريخ والحديث فيقول في كتابه القيّم "بحوث في السنة المشرفة":
ولكن بسبب انشغال كثير من المحدثين في التأريخ فإن قواعد النقد هذه استعملت إلى حد ما في التاريخ أيضًا وقد ساعد على ذلك أن الروايات التأريخية كانت تتصدرها الأسانيد كما هو شأن الأحاديث كما أن مقاييس المحدثين سرت
[ ١ / ٤٩ ]
إلى علم التاريخ فقد اشترطوا في المؤرخ ما اشترطوه في رواة الحديث من العدالة والضبط (١).
وبذلك أمكن تطبيق قواعد نقد الحديث في نقد الروايات التأريخية أيضًا ولكن ذلك لم يتم بنفس الدقة بل حدث تساهل كبير. في ميدان التأريخ فالمؤرخون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري استقوا كثيرًا من مادتهم التأريخية عن رواة ضعفهم أهل الحديث وبذلك لم يتشددوا في نقد رواة الأخبار كما فعلوا بالنسبة لرواة الحديث
ثانيًا: ثم يذكر الأستاذ العمري ببيت القصيد هنا فيقول:
وعندما يقوم المؤرخون اليوم بمحاولة تدقيق مصادرنا التأريخية ونقد متونها فإن بالإمكان الاستفادة من قواعد نقد الحديث وعلم الرجال في ترجيح الروايات التأريخية المتعارضة كأن تكون إحدى الروايتين المتعارضتين بإسناد متصل، رجاله ثقات والأخرى وردت بإسناد منقطع أو عن طريق رواة مجروحين فعندئذ ينبغي ترجيح الرواية الأولى على الثانية.
ومن شروط الأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى لإعادة كتابة التأريخ كما قال:
إن من أراد أن يكتب عن عصر من العصور لا بد أن يتصور حياة ذلك العصر بأخلاقياته وصفاته وعاداته حتى يستطيع أن يصدر الأحكام عليه وتكون عنده القدرة على نقد الروايات والمتون التي بين يديه من خلال موافقاتها أو معارضاتها لحال ذلك العصر الذي قام بدراسته.
[مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري اعتبارات تهمُّ دارس التأريخ / ٩].
وكما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التأريخية ينبغي أن يتشدَّد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الأهواء ويشتط عندها الهراة كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد والفتن التي حدثت في حياة الصحابة أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية، فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد نقد الحديث بدقة أمرًا مقبولًا (٢).
_________________
(١) دراسات تأريخية / د. أكرم ضياء العمري / ٢٦ - ٢٧.
(٢) أبحاث في السنة المشرفة (٢١٠ - ٢١١).
[ ١ / ٥٠ ]
قلت: ولعل أحدث رسالة دكتوراه في هذا الباب وهي [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية] لأخينا الدكتور إبراهيم الشهرزوري هو أوسع ما كتب فيه. جمع فيه أخونا الشيخ ما ذكره أسلافه وأضاف إضافات قيّمة أثرت هذا الموضوع ومن إضافاته أنه يرى الاستعانة بأصول الفقه والفقه نفسه في نقد الرواية التأريخية بالإضافة إلى قواعد الحديث.
ولقد لخّص فكرة كتابه القيّم بقوله: [إن هذه الرسالة محاولة متواضعة لوضع وجمع وترتيب جميع المناهج وقواعد المحدثين إضافة إلى قواعد الأئمة الفقهاء والمؤرخين وكل ما لا يسع المؤرخ جهله بما يتعلق بالتأريخ الإسلامي] ص ٩٣.
ومن الأمور القيّمة التي فطن إليها الشيخ الشهرزوري في رسالته هو تطبيق القواعد الفقهية على الروايات التأريخية إذ يقول [إن ربط التأريخ الإسلامي بمختلف العلوم الشرعية أمر لا بد منه لأنه تأريخ عقيدة وشريعة يختلف عن تأريخ بقية الأمم، وأن أي مسألة تأريخية قد ترتبط بمسألة عقدية أو شرعية، وقد تجد لتلك المسألة أصلًا في العلوم الشرعية الأخرى كعلم العقائد والتوحيد والفقه أو أصول الفقه] ص ٣٥١.
ومن ثم ذكر إبراهيم الشهرزوري أمثلة عدة لاستخدام القواعد الفقهية على الروايات التأريخية كعامل مساعد في تحقيقها نذكر منها مسألة الخروج على السلطان وموقف أبي حنيفة من الخليفة العباسي، فبعض المصادر التأريخية تذكر أن أبا حنيفة قد بايع للخليفة العباسي علنًا بينما كان يمدّ يد العون للخارجين عليه.
ثم يناقش الدكتور إبراهيم هذه المسألة من وجوه ويراها غير صحيحة للأسباب التالية:
١ - تعارض هذه الروايات مع القواعد الفقهية التي أقرها الإمام أبو حنيفة وبقية الفقهاء.
٢ - تعارض هذه الروايات مع مرويات أخرى صادرة عن هؤلاء الأئمة والتي تفيد تعاونهم مع خلفاء المسلمين وعدم خروجهم عليهم.
[ ١ / ٥١ ]
٣ - مناقشة أسانيد ومتون هذه الروايات وبيّن أنها غير صحيحة والسند والمتن.
وخلاصة كلام الأستاذ إبراهيم الشهرزوري أن حركة النفس الزكية كانت سنة ١٤٥ وكان عمر الإمام أبي حنيفة يومها (٦٥) عامًا على رأي جمهور المؤرخين وهو عمر الاستقرار العلمي حيث يبلغ الإنسان أشده من النضج العقلي وينظر في كل آرائه السابقة إن احتاجت إلى التغيير أو الترجيح أو غيرهما، وبما أن كل الآراء الواردة عن هذا الإمام سابقًا ولاحقًا وكذلك إجماع فقهاء مذهبه ضد الخروج على السلطان فإن هذه الروايات باطلة -ثم استشهد الشهرزوري بنقول من كتب الأئمة الأحناف ومنهم الإمام السرخسي إذ يقول: اعلم أن الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة، وهذا القول رواه الحسن عن أبي حنيفة ثم ناقش الأستاذ إبراهيم أسانيد هذه الروايات وبيّن أنها ضعيفة لا يعول عليها وتخالف مذهب الإمام أبي حنيفة وفقهاء مذهبه.
ثم بيّن أن بعض طرق القصة جاءت عن أبي الفرج الأصبهاني في كتابه: "مقاتل الطالبيين"، وهو تالف متروك.
وبعضها الآخر من طريق أئمة ثقات ولكنهم من أهل الحديث يومها وأبو حنيفة من أهل الرأي ولا تقبل رواية الأقران في بعضهم البعض إذا كانت بينهم مثل هذه الأمور -كما قالوا: [رواية الأقران تطوى ولا تروى].
وأخيرًا فإن الأستاذ إبراهيم الشهرزوري يرى في متن هذه القصة تناقضًا واضحًا حيث تذكر الرواية أن أبا حنيفة لما جهر بالكلام أيام إبراهيم لم يليث أن جيء به إلى بغداد وعاش خمسة عشر يومًا ثم سقي سمًا فمات سنة ١٥٠ هـ ومن المعلوم أن إبراهيم قتل سنة ١٤٥ فكيف جيء بأبي حنيفة أيام إبراهيم مباشرة ولم يعش إلا (١٥) يومًا ثم مات سنة ١٥٠ هـ؟ ! [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية ٣٥٩ - ٣٦٩ - ٣٧٠].
وأخيرًا منهج هذا التحقيق [تخريج روايات الطبري وتمييزها إلى صحيح وضعيف ومسكوت عنه].
بعد توفيق الله تعالى لنا وتأييده بدأنا بتخريج روايات تأريخ الطبري [تأريخ
[ ١ / ٥٢ ]
الأمم والملوك] انطلاقًا من القواعد التي ذكرها المتقدمون والمتأخرون والمعاصرون وبالأخص منهما الأستاذان الفاضلان (العمري وعماد الدين) فكان تقسيمنا لتأريخ الطبري كالآتي:
أولًا: صحيح تأريخ الطبري [قصص الأنبياء وتأريخ ما قبل البعثة].
ضعيف تأريخ الطبري [قصص الأنبياء وتأريخ ما قبل البعثة].
ثانيًا: صحيح السيرة النبوية [تأريخ الطبري].
ضعيف السيرة النبوية [تأريخ الطبري].
ثالثًا: صحيح تأريخ الطبري [تأريخ الخلافة الراشدة].
ضعيف تأريخ الطبري [تأريخ الخلافة الراشدة].
رابعًا: صحيح تأريخ الطبري [تتمة القرن الهجري الأول].
ضعيف تأريخ الطبري [تتمة القرن الهجري الأول].
خامسًا: صحيح تأريخ الطبري [تتمة تأريخ الخلافة في عهد الأمويين].
الضعيف والمسكوت عنه تأريخ الطبري [تتمة تأريخ الخلافة في عهد الأمويين].
سادسًا: تأريخ الطبري [الصحيح والضعيف والمسكوت عنه].
تأريخ الخلافة في عهد العباسيين.
سابعًا: رجال تأريخ الطبري جرحًا وتعديلًا.
أولًا: فيما يتعلق ببدء الخليقة وقصص الأنبياء.
حاولنا أن نوضح بكل جلاء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنفينا عنهم تشويهات وتخرصات اليهود ومزاعمهم حول الأنبياء ولم نقبل من الروايات إلا ما كان مسندًا موصولًا صحيحًا وتشددنا كتشدد العلماء في قبول أحاديث الأحكام تمامًا لأنها تتعلق بمسألة خطيرة ألا وهي عصمة الأنبياء وانظر مقدمتنا لقصص الأنبياء.
ثانيًا: فيما يتعلق بالسيرة النبوية الشريفة:
[ ١ / ٥٣ ]
استعنّا للمقارنة بالطبقات الكبرى لابن سعد وكمصدر متقدم موثوق به، وكتب أخرى لأئمة الحديث كدلائل النبوة للبيهقي، والحافظ أبي نعيم مع الاستعانة بالسيرة التي أخرجها الحافظ ابن كثير لأنها من طريق آخر غير طريق ابن هشام وابن حميد الرازي-[ونفي سيرة ابن إسحاق].
بالإضافة إلى المعازي والسير في الصحيحين وبقية الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات -وبالاستعانة من تخريجات الذهبي وابن كثير وابن حجر وبما حققه الأساتذة المعاصرون من روايات السيرة كالأستاذ العمري وهمام وأبو صعيليك وإبراهيم العلي وقد أشرنا إلى أقوالهم القيمة في مواضعها بالإضافة إلى تعليقات العلامة الألباني ﵀ على السيرة النبوية للغزالي رحمه الله تعالى.
ولقد تشددنا في تخريج روايات السيرة النبوية الشريفة كالتشدد في الأحكام إلا ما كان متعلقًا بقصص إسلام بعض الصحابة فقبلنا منها ما ورد بأسانيد مرسلة متعددة المخارج صحيحة الإسناد إلى من أرسلها.
ثالثًا: تعاملنا بنفس الأسلوب عند تخريجنا لروايات تأريخ الطبري فيما يتعلق بالخلافة الراشدة وجعلنا نصب أعيننا هنا مسألة عدالة الصحابة التي قال عنها ابن حجر رحمه الله تعالى: [اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلّا شذوذ من المبتدعة] (١).
ولقد فصل الخطيب البغدادي ﵀ في هذه المسألة في كتابه الكفاية في علم الرواية ونقل إجماع علماء أهل السنة والجماعة إلى عدالتهم (٢).
ولعلّ الإمام الذهبي ﵀ خير من أوجز ولخص في هذه المسألة دون إخلال فقال:
كما تقرر الكفّ عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم - ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك
_________________
(١) الإصابة ١/ ١٠.
(٢) الكفاية في علم الرواية / ٩٥ - ٩٦.
[ ١ / ٥٤ ]
منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا، وبين علمائنا؛ فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم؛ ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع أن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا - ﷺ -، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم، مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي، وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح، ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو وهذه الصُّحبة، ثم سائر من صحب رسول الله - ﷺ - وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، ﵃ أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله - ﷺ - المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات، فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة له، فأكثره باطل وكذب وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رَدّ ما في الصحاح والمسانيد (١).
ولقد اعتمدنا مصادر المتقدمين سواء منهم من توفي قبل الطبري بسنوات أو من عاصره ومنها بالأخص:
١ - تأريخ خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ.
٢ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٣٠ هـ.
٣ - فتوح البلدان للبلاذري ٢٧٩ هـ.
٤ - أنساب الأشراف للبلاذري ٢٧٩ هـ.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٩٣.
[ ١ / ٥٥ ]
٥ - فتوح مصر لابن عبد الحكم المصري ٢٧٦ هـ.
٦ - وبالاستعانة بروايات نادرة تتعلق بتأريخ الخلافة الراشدة أخرجها البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد والمصنفات مع الكتب أخرى متخصصة كالخراج لأبي يوسف وغير ذلك مما ذكرنا في مقدمة تأريخ الخلفاء.
رابعًا: فيما يتعلق بتأريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين.
فقد تشددنا فيما يتعلق بتتمة تأريخ القرن الهجري الأول وخاصة عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ وعهد أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وحتى نهاية عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
وما يتعلق بتلك الفترة من تأريخ الفتن المشهورة [وقعة الحرة، وقعة كربلاء].
وفي حال عدم حصولنا على رواية صحيحة الإسناد قبلنا رواية الراوي الذي ذكره ابن حبان في الثقات ولم نعلم فيه جرحًا شريطة خلوّ المتن من نكارة أو طعن في عدالة الصحابة.
ومن ثم بدأنا بإبداء المرونة في مسائل معينة كذكر الوفيات وذكر أمر الفتوح وتولية الأمراء والقضاة وعزلهم فهذه أمور تشتهر، واكتفينا باتفاق عدة مصادر تأريخية موثوقة في هذه الأمور وإن حصلنا على رواية مسندة فبها ونعمتْ.
وأما بالنسبة للمصادر التي استخدمنا للمقارنة فهي كالآتي:
١ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٣٠ هـ.
٢ - تأريخ خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ.
٣ - أنساب الأشراف للبلاذري ٢٧٩ هـ.
٤ - فتوح البلدان للبلاذري ٢٧٩ هـ.
٥ - المعرفة والتأريخ ليعقوب بن سفيان البسوي ٢٧٧ هـ.
٦ - وبالاستعانة بروايات نادرة تتعلق بالفتن في بداية عهد الأمويين، أخرجها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات.
٧ - مصادر متنوعة أخرى استقينا منها روايات وإن كانت قليلة كالكتب الآتية
[ ١ / ٥٦ ]
[تأريخ مكة -كتاب المتوارين- المعارف لابن قتيبة- المحن لأبي أيوب التميمي- وغيرها].
٨ - وفي المرحلة الثانية استعنّا بكتب الأئمة الذين جاؤوا من بعد الطبري بقرن أو قرنين وهي كتب تاريخية قيمة بل هي موسوعات في الحديث والتأريخ، أصحابها ثقات وهي ثلاثة على التوالي.
١ - تأريخ بغداد للخطيب البغدادي.
٢ - المنتظم لابن الجوزي.
٣ - تأريخ دمشق لابن عساكر.
وهؤلاء أئمة حفاظ استخدموا الإسناد في رواياتهم التي أخرجوها وقد سهلت لنا مروياتهم التحقق والتأكد من مسائل تأريخية هامة والحمد لله على نعمة الإسناد.
وللمرة الثالئة استوثقنا من تخريجنا بالاستعانة بتخريجات الحفاظ الثلاثة المتأخرين [الذهبي -ابن كثير- ابن حجر] [تأريخ الإسلام والسير للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير خاصة].
الاستفادة من عشرات الرسائل (الجامعية) في مجال تحقيق وتخريج الروايات التأريخية مع كتب قيمة كتبها أساتذتنا الأفاضل في هذا الباب كالخلافة الراشدة وكتب الأستاذ الدوري والعلامة شاكر رحمه الله تعالى في موسوعته التأريخية القيمة والأستاذ يوسف العش ﵀ وغيرهم كثير ذكرنا كل واحد منهم، في موضعه- وإذا لم نوافقهم في بعض المسائل بينّا ذلك في مواضعه.
ملاحظاتي حول الطبري مؤرخًا ومنهجه في التأريخ مع نقاط أخرى.
بالرغم من كل ما وُجّه إلى منهج الطبري في تاريخه يظل الإمام الطبري عملاقًا يتربّع على قمة كتابة التأريخ- ولا يدرك دقة الطبري وأمانته العلمية تمامًا إلا من درس تأريخه فقرة فقرة وخرّج رواياته رواية رواية ولاحظ عباراته عبارة عبارة فجزاه الله عن المسلمين وتأريخهم خير الجزاء، وجزى الله من جاء بعد من تلاميذه ومن بعدهم ممن نقلوا إلينا هذا السفر العظيم بكل أمانة.
[ ١ / ٥٧ ]
ثانيًا: ما من غرابة أو نكارة في المتن إلا ويقابله ضعف في المسند [فيما يتعلق بالرواية التأريخية].
ثالثًا: من علامات الوضع التأريخي ما يأتي: لاحظنا خلال تخريجنا لروايات الطبري أن غلاة المبتدعة والهالكين من أمثال لوط بن يحيى يكثرون استخدام الألفاظ البذيئة وينسبوتها إلى السلف وهم منها براء- ولقد شهد الكل بطهارة لسانهم من الشتائم والبذاءات، ولكن الرواة المتروكين التالفين يصبون جام حقدهم على شكل سيل من الألفاظ الساقطة [يا بن أم كذا -أو يا كذا أو فلان الطاغية. . . إلخ] من الألفاظ التي كانت الصحابة تتورع حتى عن سماعها ناهيك عن التلفظ بها.
رابعًا: ومن علامات الوضع كذلك كثرة استخدام الأيمان المغلظة لتوكيد تفاصيل حادثة معينة- وعلى ما يبدو فإن الوضّاع كان يشعر بهشاشة تلفيقه ووضوح كذبه فيستر كذبه وراء هذه الأيمان الغليظة.
خامسًا: عادة (وليس دائمًا) تكون الروايات الصحيحة قصيرة المتن بينما يغلب على الوضاعين الإطالة في رواياتهم الملفقة.
سادسًا: ما وجدنا أميرًا أو قائدًا فاتحًا من قواد السلف الصالح ابتداءً من سيدنا خالد ﵁، ووصولًا إلى الجراح بن عبد الله الحكمي وغيرهما إلّا وتهافت الوضاعون على كيل الاتهامات نحوه- وخاصة إذا كان شديدًا على الخوارج وأهل البدع.
سابعًا: الأعداد المذكورة في الروايات المكذوبة مبالغ فيها جدًّا فلو كان عدد الجيش ألفًا في الأصل لوجدت الألف صار عشرين ألفًا وهكذا، وكذلك تبالغ الروايات المكذوبة في إحصاء عدد القتلى وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الروايات التي لا تصح عن واقعة الحرة تذكر أن أعداد القتلى كان بالآلاف بينما لم يتجاوز عددهم الخمسمئة أضف إلى ذلك فإن في متونها قصورًا وفجواتٍ وهفوات ونكارات فكيف بآلاف القتلى في المدينة التي عرفت بجوها الحار ولم تكن يومها ثلاجات حفظ الموتى موجودة أقول فكيف لم تتعفن هذه الجثث علمًا بأن هذه الروايات تذكر أن المدينة استبيحت ثلاثة أيام وأن أهلها الباقون قد فروا
[ ١ / ٥٨ ]
إلى خارج المدينة، وهذا يعني أن آلاف الجثث قد تركت في الطرقات والأزقة ولو كان ذلك صحيحًا لتفسخت الجثث وتفشت الأمراض وهلك البلاد والعباد وكل ذلك لم يحصل وذلك دليل آخر على كذب تلك المبالغات.
ومثال آخر فيما يتعلق بأمير العراق القسري الذي ولاه هشام بن عبد الملك العراق فالمصادر التأريخية تشير إلى تملكه لبساتين وغلال وأموال ولعلها كانت سببًا لعزله من قبل أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ولكن الروايات الضعيفة جدًّا تصور بذخه فوق الخيال حتى أنها تقول بأنه أهدى أحد المقربين إليه ألف جارية وما أشبه ذلك فماذا يفعل هذا المهدي إليه بهذا الجيش الجرار من الجواري ومن أين للقسري بهذا العدد وهو القائد المنشغل بضبط أمور العراق المتأجج حركة وخروجًا ثم لو كان كذلك لذاع الخبر في الآفاق ولسجلته معظم المصادر التأريخية الموثوقة وبالأسانيد المعتبرة ولكن كل ذلك لم يحصل.
ثامنًا: إن غلاة المبتدعة الذين أرادوا أن يصوروا كل خليفة أمويًا كان أو عباسيًا عدوًا لآل البيت- وقعوا في تناقض عجيب فهم من جانب يصورون عداء الخليفة لآل علي مثلًا بينما يصفون آل علي بحب الدنيا والطمع والمنافسة فيما بينهم على المال وسب بعضهم البعض والرضا إذا أدى الخليفة إليهم أعطياتهم والخروج بالسيف إذا منعوا المال أو سئلوا عنه -أي أنهم لم يراعوا للخليفة حرمة ولا لآل بيت رسول الله - ﷺ - حرمة.
ولقد التقيتا بعدد من أساتذة التأربخ الإسلامي وشيوخ الحديث وغيرهم من علماء المسلمين وناقشنا معهم هذا المنهج في تخريج روايات الطبري (كالأستاذ أكرم ضياء العمري والأستاذ عماد الدين خليل والأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى وغيرهم).
وأفادونا كثيرًا بآرائهم وملاحظاتهم القيّمة ولقد استعنّا بخبراتهم القيّمة التي أودعوها كتبهم ولقد أشرنا إلى جهودهم تلك في مَواضعها ولقد ترك شيوخنا وأساتذتنا بصماتهم على صفحات هذا المشروع العلمي وسنذكرهم بأسمائهم إن شاء الله في نهاية المجلد الأخير وجزاهم الله عنا وعن المسلمين والتأريخ الإسلامي خير الجزاء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
[ ١ / ٥٩ ]