لقد ذكر بعض الأساتذة المعاصرون ومنهم الأستاذ شاكر ضمن مآخذهم على أن الطبري متأثر بالنظرة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية فهو عنده تعبير عن المشيئة الإلهية أولًا ثم مستودع خبرات عليا للأمة الإسلامية تكشف عن وحدة هذه بقدر ما تبيّن قيمة تجاربها ووحدة رسالتها التأريخية (١).
قلنا وهذا من إيجابية منهجه ﵀ فهو المفسر المحدث الفقيه ولا بد له من تفسير التأريخ تفسيرًا إسلاميًا وإن كان الطبري لم يتحدث بالتفصيل عن هذا التفسير إلا أنه أشار إلى ذلك في مقدمة تأريخه ولعلَّه طبق ذلك أثناء سرده لأحداث التأريخ إلا أن أول تصنيف في التفسير الإسلامي في التأريخ بدأ بظهور ابن خلدون وكتابه القيم [المقدمة] كما سنذكر فيما بعد.
٦ - أوجز الحديث عن وقائع عصره وأهمل ذكر أسماء الذين أخبروه بتلك الوقائع لأسباب معينة.
٧ - عدم ذكره لأسماء الكتب التي أخذ منها بعد اطلاعه عليها ودراستها عن طريق شيوخه الذين شكلوا حلقة الوصل بينه وبين أصحاب هذه الكتب كالمدائني وعوانة بن الحكم وابن سعد وغيرهم.
٨ - أكثر من الأخذ عن بعض المتروكين والتالفين ومن اتهموا بالكذب وذلك في وقائع وأحداث خطيرة كالفتن.
نقد الرواية التأريخية ومسألة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي:
نستطيع أن نقول: إن الإمام الطبري ﵀ (وهو المحدّث والمؤرخ) فتح الباب على مصراعيه لنقد الرواية التاريخية وذلك لسببين:
_________________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦١.
[ ١ / ٣٨ ]
الأول: استخدم الطبري الإسناد والرواية وبذلك جعل سند الرواية التأريخية ومتنها عرضة للنقد.
الثاني: فتح الطبري باب النقد مرة أخرى عندما نبّه في مقدمته إلى وجود روايات تأريخية غير صحيحة وذلك بقوله:
[فما يكن من كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا صحيحًا ولا معنىً في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنما أوتي من بعض ناقليه إلينا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا] (١).
ولكن الطبري رحمه الله تعالى مع إقراره هذا بوجود أخبارٍ غير صحيحة في تأريخه لم يستخدم النقد خلال تأريخه الطويل إلا في حالات نادرة جدًّا (بالنسبة لكثرة الروايات).