١ - اختفاء النقد إلا في حالات نادرة جدًّا صحيح أن الطبري يورد الآراء المختلفة والروايات المتضاربة في المسألة الواحدة لكي تسهل المقارنة بينها بغية الوصول إلى حقوقه الواقعة التأريخية وصحيح أنه يشكك أحيانًا في أمور معينة فيقول: وزعم الواقدي مثلًا إلّا أنه لم يحكم على الأسانيد والمتون إلّا في حالات نارة جدًّا.
_________________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٦.
[ ١ / ٣٥ ]
يقول الأستاذ شاكر مصطفى عند تقييمه لمنهج الطبري في تأريخه:
[وأهم ما يؤخذ على الطبري في منهجه: ضمور النقل عنده- كان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (١).
ويقول الأستاذ أكرم العمري [ويذكر الطبري روايات تأريخه بالإسناد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين لكنه لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة بل ترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفيًا بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها وبذلك حفظ لنا مادة تأريخية واسعة تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة قبل اعتمادها في التدليل والتعليل لأنها تمثل مدارس فكرية وسياسية متنوعة فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث (٢).
قلنا: إن مجرد وجود الروايات المنكرة (في تاريخ الطبري) أو المستشنعة والتي لا أصل لها من الصحة حسب تعبير الطبري نفسه وتراكمها لقرون طويلة دون تمييزها إلى صحيح وضعيف أدّى بالنتيجة إلى ترسيخ أباطيل وأوهام وطاقات في أذهان الناس عن أحداث التاريخ الإسلامي ولكن لا حقيقة لها في الأصل أو كما قال الطبري لا أصل لها من الصحة ولا بأس أن نذكر هنا مقولة شيخ من شيوخنا الأجلاء ألا وهو الشيخ صادق المزوري (وهو من أقران الدكتور القرداغي ومن كبار تلاميذ الشيخين مصطفى البنجويني وطاهر البرزنجي) وكان يتحدث عن روايات الطبري الكبير وما في صفحاته من أخبار غير صحيحة لا بد من بيانها فقال إن الطبري عُرِف كإمام ثقة في الفقه والتفسير والحديث فلما أن كتب تأريخه الضخم وانتشر بين الناس بعد وفاته أعطى الناس لمروياته تمام الثقة اهـ.
قلنا: ولم ينتبهوا إلى تحذيره وهو أي الطبري من الأخذ بكل ما جاء في تأريخه فلم يعتد الناس بما في مقدمة تأريخه ولكن أخذوا بعين الاعتبار أنه محدث ثقة حافظ فصدقوا كل ما في تأريخه وتلك مصيبة تركت أثرها في كتابة التأريخ الإسلامي إلى يومنا هذا.
٢ - عدم التركيز أو الاهتمام اللازم بوقائع تأريخية هامة كبناء المسجد النبوي
_________________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٩.
(٢) عصر الخلافة الراشدة / ١٩.
[ ١ / ٣٦ ]
لأول مرة وفتح الأندلس والخلافة الأموية في الأندلس وغير ذلك.
وفي المقابل سلّط الطبري الأضواء على تفاصيل وأعطاها أكثر من اللازم وأورد مرويات بعضها متكررة ومتشابهة.
٣ - تجزئة الأحداث التأريخية وتوزيعها بين السنين لأنه رتب التأريخ ترتيبًا حوليًّا. ولذلك تراه يترك الحديث عن واقعة معينة ثم يعود إليها بعد حين فلا تكتمل الصورة بل تتجزأ بين السنين وذلك العيب تفاداه اليعقوبي والمسعودي لأنهما لم يجزّئا الواقعة بين السنين.
٤ - يقطع الطبري أحيانًا رواية أخباري معين كأبي مخنف ليذكر في وسط الرواية مثلًا رواية أخباري آخر روى نفس الواقعة ولكن بشكل مختلف- ولو أنه انتهى من رواية الأخباري الأول مثلًا ثم بدأ برواية الثاني لتكونت لدى القارئ صورة متكاملة من الطريق الأول ثم من الثاني وهكذا.
ولقد ذكر الأستاذ شاكر هذين الأمرين فقال [كان (أي الطبري) يقطع الأحداث بالروايات المتعددة وبالسنين على السواء. ويشرد في الحديث إلى أخبار عارضة تقطع الخبر الأصلي مما جعل تأريخه يفتقر إلى الموحدة وارتباط السياق] (١).
والحق يقال فإن ابن الأثير نبّه إلى هذا المأخذ فقال ﵀ في مقدمة الكامل [ورأيتهم يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يكمل منها غرض ولا تُفهم إلا بعد إمعان النظر.
وكذلك النويري في مقدمة كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب قد أشار إلى هذا المأخذ وقال: إنَّ تقطيع الحادثة على السنين يقطع على المطالع لذة متابعة الحادثة وإتمام الصورة الكاملة ونحو ذلك.
٥ - الإكثار من الحكايات الخرافية وخاصة عند حديثه عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وتأريخ العرب قبل الإسلام وأخذ كل ذلك من الروايات الإسرائيلية وخالف أحيانًا صريح الكتاب والسنة ﵀ دون أن يشعر فالله سبحانه لم يبين لنبيه وخليله متى تنتهي هذه الدنيا وتقوم الساعة قال تعالى: ﴿قُلْ
_________________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦٠.
[ ١ / ٣٧ ]
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ ولكن الطبري ﵀ أسرف في ذكره لعشرات الروايات التي تتحدث عن عمر هذه الدنيا ومن سلبيات هذا الإسراف في الاستشهاد بالإسرائيليات أنه ابتعد في أحايين كثيرة عن الأهداف الكبرى من القصص القرآني وخاصة فيما يتعلق بالأنبياء.