يعتبر "تاريخ الطبري" ذروة التأليف التاريخي عند المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، وهو أوثق مصدر للتاريخ الإِسلامي، ويحتل هذا التاريخ مكانة ممتازة
_________________
(١) تاريخ الطبري ١/ ٤ - ٥.
[ ١ / ٨٢ ]
بين كتب التاريخ الإِسلامي، وبيّن لنا ياقوت الحموي محتويات الكتاب، فقال: "بدأ فيه بالخطبة المشتملة على معانيه، ثم ذكر الزمان ما هو؟ ثم مدة الزمان على اختلاف أهل العلم من الصحابة وغيرهم والأمم المخالفة لنا في ذلك، والسُّنَن الدالة على ما اختاره من ذلك، وهذا باب لا يندر وجوده إلا له. . .، ثم ذكر أبو جعفر في "التاريخ" الكلام في الدلالة على حَدَث الزمان "الأيام والليالي"، وعلى أن مُحْدِثَها هو الله ﷿ وحده، وذكر أول ما خُلق، وهو القلم وما بعد ذلك شيئًا فشيئًا على ما وردت به الآثار، واختلاف الناس في ذلك، ثم ذكر آدمَ وحوّاء، واللعين إبليس وما كان من نزول آدم - ﵇ -، وما كان بعده من أخبار نبيّ نبيّ، ورسول رسول وملك ملك، على اختصار منه كذلك إلى نبينا - ﵇ - مع ملوك الطوائف، وملوك الفرس والروم، ثم ذكر مولد رسول الله - ﷺ - ونسبه وآباءَه وأمّهاتهِ، وأولاده وأزواجه، ومبعثه ومغازيه، وسراياه وحال أصحابه ﵃، ثم ذكر الخلفاء الراشدين المهديين بعده، ثم ذكر ما كان من أخبار بني أمية، وبني العباس في القَطْعين: المنسوب أحدهما إلى قطع بني أمية، والثاني إلى قطع بني العباس وما شرحه في كتاب التاريخ، وإنما خرج ذلك إلى الناس على سبيل الإجازة إلى سنة أربع وتسعين ومئتين، ووقف على الذي بعد ذلك، لأنه كان في زمن المقْتَدر، وقد كان سُئل شرح القَطْعين، فلما سئل ذلك شَرَحه وسماه القطعين" (١).
ومن هذا النص، ومن الرجوع إلى كتاب "تاريخ الأمم والملوك" نجد أن خطة الكتاب تتضمن تاريخ العالم من بدء الخليقة إلى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وتشتمل على ما يلي:
* الخطبة: وفيها الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، ثم بيان خلق الله للناس، وخطة الطبري في تصنيف الكتاب، ومنهجه في ذلك (ص ٢ - ٥).
* المقدمة: وتتضمن الحديث عن الزمان في ضوء العقيدة الإسلامية، والأقوال في قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه، وحدوث الأوقات
_________________
(١) معجم الأدباء ١٨/ ٦٨، ٦٩ - ٧٠.
[ ١ / ٨٣ ]
والأزمان، وأن الله تعالى خلق الزمان والليل والنهار، وأنه القادر على فنائها، ولا يبقى غير الله تعالى، فهو الأول والآخر والمحْدِث لكل شيء بقدْرَتِه، ثم تحدَّث الطبريَّ عن ابتداء الخلق، وأنَّ أول ما خلق القلم، ثم بين ما ورد في الخلق في الأيام الستة من السموات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وخلق إبليس وأخباره (ص ٥ - ٦٠).
* القسم الأول: تاريخ العالم قبل الإسلام، وبدأه بخلق آدم أبي البشر في الجنَّة، وقصته مع إبليس في الجنة، وهبوط آدم إلى الأرض، والروايات الواردة في ذلك، ثم ذكر الطبري الأحداث التي وقعت في زمن آدم، وخاصة قصة قتل قابيل لهابيل، والروايات الواردة في ذلك، ثم فصّل القول في موت آدم وسنّه حينما مات.
ثم عرض الطبري لسيرة الأنبياء من أولاد آدم، إلى نوح وإبْراهيم ولُوط وإسماعيل وإسحاق ويعْقوب، وأَيُّوب وشُعَيب، ويُوسف وإلياس، وموسى واليسع، وداود وسُلَيمان، وصالح ويُونُس وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعرض لأخبار أممهم من خلال تاريخ أنبيائهم.
وأرَّخ بصفة خاصة لبعض الأمم، وخاصة ملوك الفرس في العهد السَّاساني وعلاقتهم ببلاد العرب، وكذلك الرُّوم وملوكهم منذ المسيحية إلى الإسلام، وكذا اليهود وأنبيائهم وقصصهم وتاريخهم وملوكهم ودولهم، وأخيرًا عن العرب، فتحدَّث عن عاد وقوّتهم وظلْمهم وعِصيانهم لنبيِّهم هُود وإهلاك الله لهم، وثمود وعُتُوِّهم وكفرهم ومعصيتهم لنبيهم صَالح، وهلاكهم بسبب ذلك، ثم ذكر طسم وجَدِيس، وجُرْهم، وأصهار إسماعيل، وأخبار العرب في الجاهلية، وملوك اليمن وعلاقتهم بالحبش ثم بالفرس، وأشهر حكماء العرب، ثم تحدَّث عن أجداد الرسول - ﷺ - من عدنان إلى عبد المطلب، وذكر طَرَفًا من أخبار الرسول قبل البعثة، وحال قريش ومكة، وذلك تمهيدًا لعصر الرسالة (ص ٦٠ - إلى آخر الجزء الأول)، جاء ذكر نسب رسول الله - ﷺ - وأخبار أجداده وأنسابه وزواجه في الجزء الثاني حتى (ص ٤٣).
وأورد الطبري حوادث هذا القسم على أساس المواضيع، وليس على طريقة الحَوْليات، ويمثل هذا القسم من تاريخ الطبري عن العالم والعرب قبل الإسلام
[ ١ / ٨٤ ]
حوالي عُشْر الكتاب كله، ومع ذلك يعتبر أطول مصنَّف كُتِب عن الفترة التي سبقت الإِسلام في كتب التاريخ العام عند المؤرخين العرب.
* القسم الثاني: تاريخ العالم بعد الإسلام، ابتداء من نزول الوحي على رسول الله - ﷺ -، وابتداء الوقت الذي عُمل فيه التاريخ الإسلامي بالهجرة النَّبوية، ويستمر هذا القسم إلى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، ويشمل هذا القسم أربعة عهود متميّزة:
أ- العهد النَّبوي، والبعثة النبوية، وسيرة الرسول - ﷺ -، وغزواته، حتى سنة ١١ هـ الموافق ٦٢٠ م.
ب- العهد الرَّاشدي، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والفتوحات التي تمت في عصرهم، والأحداث التي وقعت حتى سنة ٥٤٠ هـ / ٦٦٠ م.
جـ- العهد الأموي، وفيه تاريخ الأمويين وخلفائهم وفتوحاتهم، والأحداث والفتن التي وقعت حتى سقوط الخلافة الأموية سنة ١٣٢ هـ / ٦٤٩ م.
د- العهد العبَّاسي، وخلفاء بني العبَّاس، وما جرى في زمانهم، والحروب الداخلية والفتن والطوائف والفِرَق التي ظهرت في عصرهم حتى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وفرغ الطبري من تأليف تاريخه وتصنيفه سنة ٣٠٣ هـ.
ويغطي هذا القسم بقية تاريخ الطبري من الجزء الثاني حتى الأخير بحسب الطبعات، هو الجزء الثامن في الطبعة التي نعتمد عليها في مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م.
وسار الطبري في القسم الخاص بالتاريخ الإسلامي على ترتيب السنين، بذكر الأحداث سَنَةَ فسَنة، وهو ما يُدعى بالنِّظام الحَوْلي، أو الحَوْليَّات (١).