عرض الطبري تاريخ ما بعد الإِسلام من خلال منهج محدد، واتَّبع طريقة واضحة في معظم الأحوال (٢)، والتزم بهذا المنهج والطريقة التي نذكر معالمها فيما يلي:
١ - نظام الحَوْليات: سلك الطبري في تاريخ القسم الخاص بالتاريخ الإِسلامي نظام الحَوْليات، فراعى ترتيب الحوادث ترتيبًا زمنيًا، عامًا بعد عام، وحَوْلًا بعد حول، ابتداء من الهجرة النَّبويَّة حتى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وذكر في كل سنة ما وقع فيها من أحداث مهمة، فإن كانت الحادثة طويلة جزّأها، وأشار إليها مجملة ثم يذكرها مفصَّلة في الوضع الملائم، ولذلك يختلف حجم الحوليات عنده بحسب كثرة الأحداث وأهميتها في كل حول.
_________________
(١) الطبري للحوفي ص ١٩٥.
(٢) انظر: الطبري للحوفي ص ١٩١ وما بعدها، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٠، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٧ وما بعدها، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٤ طبعة دار المعارف.
[ ١ / ١٠١ ]
وطريقة الحوليات انفرد بها المؤرخون المسلمون عن اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى، ولم يبتكر المؤرخون المسلمون عن اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى، ولم يبتكر الطبري هذه الطريقة، بل سبقه إليها بعض المؤرخين المسلمين مثل الهَيثَم بن عَدي (٢٠٧ هـ) وجَعْفر بن محمد بن الأزهر (٢٧٦ هـ) وعمار بن وسيمة المصري (٢٨٩ هـ) والوَاقدي (٢٠٧ هـ) لكن تاريخ الطبري أقدم كتاب وصل إلينا على ترتيب السنين، ثم سار على هذه الطريقة بعد الطبري كثيرون، مثل ابن مِسْكَويه (٤٢١ هـ)، وابن الجَوْزي (٥٩٧ هـ) وابن الأثير (٦٣٠ هـ) وأبو الفداء (٧٣٢ هـ)، وخالفهم في ذلك اليَعْقُوبي (٢٨٤ هـ) والدِّينَوَري والمَسْعُودي (٣٤٦ هـ) وابن خَلدون (٨٥٨ هـ) الذين كتبوا تاريخ الحوادث بشكل كامل ومتصل ولو استغرق سنوات، إلى أن أدخل مؤرِّخ الإِسلام الذهبي (٧٤٨ هـ) في كتابه "تاريخ الإسلام" تعديلًا عليه بالتقسيم الفرعي للحوادث متتبعًا نظام العُقُود، أي من السنة الأولى إلى السنة العاشرة، وهكذا، وطبق هذا التقسيم إلى عقود على كل أجزاء كتابه (وهو ٢١ جزءًا من بداية التاريخ الإسلامي حتى بداية القرن الثامن الهجري)، واستمد الذهبي أصول هذا التقسيم من تاريخ السيرة النبوية مع الربط بآداب الطبقات والتراجم.
وطريقة الطبري في سرد أحداث كل حَوْلية ليست على نسق واحد، فتارة يذكر الحدث التاريخي، ثم يبدأ بذكر تفاصيله، والروايات التي فيه، وتارة يذكر جملة أحداث وقعت في سنة واحدة، ثم يعود إلى تفصيلها، ويختم الحولية غالبًا بذكر من توفي فيها من الأعلام المشهورين، ويذكر باستمرار في ختام كل حوليَّه أسماء عمال الأقاليم وأمراء الحج في تلك السنة، كما يذكر أخبار المرابطين في الثغور للجهاد، خاصة مع الروم.
أما الأخبار التي لا ترتبط بسنة معينة فكان الطبري يذكرها كاملة، فمثلًا كان يختم الحديث عن كل خليفة واستعراض الأحداث التي وقعت في عهده بذكر سيرته وترجمته.
٢ - نقل الروايات: عوَّل الطبري في أكثر كتابه على الرُّواة، كما صرّح في مقدمته السابقة، محتجًا أن المؤرخ لا يصحُّ له أن يستند إلى المنطق والقياس
[ ١ / ١٠٢ ]
والاستنباط وإنما يعتمد على ما ينقل إليه، ليدوِّن الأخبار على عهدة رواتها، ويعرضها بشكل موضوعي محايد، مع عَزْو كلِّ رواية لصاحبها.
وكان الطبريّ -رحمه الله تعالى- يذكر الروايات المختلفة، سواء كانت موافقة لفكره ورأيه، أم مخالفة لذلك، ولم يعلِّق غالبًا بترجيح، أو نقد، وترك ذلك للقارئ، لكن كان أحيانًا يُدلي برأيه، ويرجِّح بعض الروايات مبيِّنًا وجه الترجيح، ومستخدمًا في هذه الطريقة معرفته بالحديث وطرقه.
ويذكر الطبري سند الرواية موصولًا إلى صاحبه على طريقة علم الحديث، فإذا سمع الرواية من إنسان مشافهة قال: "حدَّثني" وإذا اشترك معه آخرون في السماع قال: "حدَّثنا"، وإذا كان بالمراسلة قال: "كتب إلي"، وإذا أخذ الأخبار عن الكتب أو بطريق الإجازة قدَّم لعبارته بقول: "قال" و"ذُكر" و"رُوي" و"حُدّثت عن فلان" ويهمل اسم المحدث، كما يذكر اسم مؤلف الكتاب، ولا يذكر اسم الكتاب، واستخدم الطبري اصطلاحات الحديث، التزامًا منه بمنهج المحدِّثين، في رواية الحديث النبوي، لذلك كان رجال الحديث هم واضعو أسس المنهج التاريخي.
ولكنّ الطبري، وغيره من المؤرخين، لم يلتزموا بجميع قواعد مصطلح الحديث في كتابة التاريخ للفارق الكبير بينهما، فالحديث مصدر من مصادر التشريع الإِسلامي، وتؤخذ منه الأحكام الشرعية، ويمثل التطبيق العملي لأحكام الدين، وهو مصدر العقيدة، وهو المنبع لسيرة الرسول - ﷺ - والتي يُعتمد عليها في الاقتداء والتأسِّي، ولا يرقى التاريخ إلى هذا المستوى، لذلك تساهل الطبريُّ ﵀ في الروايات التاريخية، ولم يطبِّق على رجال السند منهج الجَرْح والتعديل، واكتفى بإلقاء العُهدة في الخبر على الرَّاوي، كما ذكر في مقدمته، واعتمد قيمة الروايات بقوة أسانيدها من جهة، وقرب السند إلى الحادثة من جهة أخرى، ومن هنا يظهر السبب في قبول الطبري لرواية الضعفاء - عند المحدثين، مثل محمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام بن محمد الكلبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي الكبير -كما يقبل رواية المجهولين، والروايات المرسلة إلى ابن عباس وغيره.
وتساهل الطبري أكثر فأكثر في الأجزاء الأخيرة من الكتاب، فيقول مثلًا:
[ ١ / ١٠٣ ]
"ذكر لي بعض أصحابي" و"ذكر لي جماعة من أصحابنا" و"ذكر من رآه وشاهده" و"حدثني جماعة من أهل كذا" ولعل الباعث على زيادة التساهل خوفه على محدِّثيه الأحياء من غضب الآخرين الذين تمسُّهم الرواية، ويقل السندُ أكثرَ فأكثرَ في الأجزاء الأخيرة حتى ليندر أحيانًا في صفحات متتالية.
وإن استخدام الإِسناد والروايات قد شاع في مختلف التصانيف والعلوم، وصار هو الصفة الغالبة على منهج تدوين العلوم الإِسلامية الأخرى، واستمر حتى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبًا، ثم قلَّ الاعتناء به، وحلَّ محلَّه تدريجيًا النقل من الكتب والمؤلَّفات، وبقي شيء منه عند علماء الحديث للتبرّك والمحافظة على قدسية الحديث وخاصيَّة الأمة الإِسلامية بالإِسناد ومصطلح الحديث.
وكان السبب في استعمال طريقة الإِسناد والروايات في التاريخ أن المؤرِّخين الأوائل جمعوا بين صفتي المحدث والمؤرخ، وأن الدراسات التاريخية ظهرت في أحضان علم الحديث، وما فيه من سيرة رسول الله - ﷺ - وشمائله ومغازيه وهديه، كما لجأ المؤرخون إلى طريقة الرواية لاختيار الروايات والسلاسل التي تتفق مع ميولهم ورغباتهم وعقائدهم.
وطريقة الإِسناد تقابل في زماننا الالتزام بمنهج البحث العلمي في ذكر المصادر والمراجع للمادة المعروضة في مختلف العلوم، وفي بيان الأجزاء المركّب منها الدواء والجهاز وغير ذلك.
٣ - الاعتماد على المصادر: كان جلُّ اعتماد الطبري في الأخبار التاريخية على المصادر التاريخية التي صُنفت قبله، وكان الطبري يذكر غالبًا الإِسناد إلى المصادر عن طريق الرواة الذين يذكر أسماءهم، دون كتبهم، ومعظم هؤلاء الرواة صنفوا المؤلفات في الموضوعات التي تطرَّق إليها الطبري، ويأخذ من المؤلف نفسه مباشرة، أو بالواسطة عمن نقل عنهم.
وكان الطبري -رحمه الله تعالى- في اقتباس الروايات التاريخية يخالف منهج المحدثين الذين يَحْرصون على نقل كل حديث بمفرده، ثم ضمَّه إلى حديث آخر ولو اختلف الموضوع، أما في التاريخ فكان الطبري وعلماء التاريخ يجمعون بين
[ ١ / ١٠٤ ]
الرِّوايات العديدة، ويَمْزجون بعضها مع بعض لإخراج الحادثة متكاملة ووافية في المعنى والموضوع وأطراف الحادثة، وهذا ما يُسمَّى تاريخيًا بالإِسناد الجَمْعي، لحاجة كتب التاريخ والقصص والأخبار إلى السَّرْد الموضوعي، واستمرار الحوادث في نَسَق تاريخي متتابع، فتتكامل الصورة التاريخية في الموضوع، لكنهم يضطرون إلى ذكر السند لكل رواية لإِتاحة الفرصة للتحقق من صحتها، والتأكد من سندها.
٤ - جمع الأخبار وضبط النصوص: حرص الطبري -﵀- على ذكر أحداث كل سنة بشكل أخبار، ولكنه يذكر غالبًا للحادثة الواحدة روايات مختلفة لاعتقاده بوجوب ذكرها، ويقف غالبًا عند هذا الحدّ، فلا ينتقد الروايات المختلفة التي ذكرها، ولا يناقش مضمونها، ولا يرجِّح بعضها على بعض، لذلك أطلق عليه بعض المؤرخين اسم "الجمَّاعة" وأطلقوا على كتابه اسم "مجموع" خلافًا لمنهج الطبريّ في التفسير، فإئه يناقش الروايات، ويبيّن الراجح، ويبدي رأيه باستمرار.
وكان الطبري يحرص أيضًا في التاريخ على ضبط النصوص التي يرويها دون تبديل، حتى ولو كان في النص كلمات أعْجمية، ونصوص أعجمية، وأشعار فارسية.
٥ - الاستطراد في ذكر الأسباب والتفصيلات المصاحبة: فيذكر الطبري السبب في كل حادث يسجّله، وهذا أمر طيِّب لإلقاء الضوء عليه، كما كان يستطرد في عرض التفصيلات المتعلقة بالأحداث، ويعرض الحواشي المصاحبة لها، لأنها تتعلق بها، ثم يعود إلى الموضوع الرئيس الذي بدأ به، ويذكِّر القارئ فيه بقوله: "نعود إلى سياق خبر كذا وكذا، أو سياق خبر فلان أي راوي الخبر، أو نرجع إلى حديث فلان".
٦ - وضع العناوين للأحداث: ويمتاز الطبري في منهجه التاريخي بوضع عناوين للأحداث التي يَعْرِضها، وخاصة للأحداث المهمة التي تحتل المكانة الأولى في السنة التي يُؤرِّخ لها، ويقدم عناوينه بمقدمة عن الحادث المعيَّن للتأكيد على كلمة "سبب"، أما الأحداث الصَّغيرة فإنه يذكرها متعاقبة دون عناوين.
[ ١ / ١٠٥ ]
٧ - التوسُّع في سيرة الخلفاء: يظهر من تاريخ الطبري أنه يعطي الخلفاء أَوْلويَّة خاصة، وأهمية متميِّزة، وكأنَّ التاريخ محيط بهم، ويدور في فلكهم، وأن حياتهم ذات أثر كبير في غيرهم، للمثل القائل "الناس على دين ملوكهم"، وانعكاس أعمالهم على فعاليات الأمة، فكان الطبري إذا ذكر خليفة بيَّن سبب وفاته، وساق الروايات في ذلك، وعرض جانبًا من أحواله وأقواله وتصرُّفاته وسيرته العامة والخاصة، ويطيل أحيانًا في الخلفاء المهمّين كما فعل في سيرة الخلفاء الراشدين، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، والمنْصور، والمهدي، والرَّشيد.
٨ - الإكثار من الوثائق التاريخية: أكثر الطبري من إيراد الوثائق التاريخية لمادته العلمية، لذلك اعتبر تاريخه أوثق مصادر التاريخ الإِسلامي، كما وصفه ابن خلكان سابقًا بأنَّه "أصح التواريخ وأثبتُها" وكذلك يُعتبر تاريخ الطبري أوثق ما دُوِّن في السيرة النبوية، وهذا ينمّ عن دقة الطبري وتحقيقه وسعة اطلاعه، وهو ينسجم مع منهج الطبري العلمي والدقيق في مختلف كتبه ومصنفاته.
وعلى سبيل المثال تضمَّن تاريخ الطبري حوالي ثلاثين وثيقة تتعلق بالسيرة النَّبوية، أكثرها في العهد المدني، وتضمَّن حوالي خمسين وثيقة تتعلق بعصر الخلفاء الراشدين، وذكر الطبري بعض الوثائق للعهد الأموي، تُعتبر فريدة وهامّة، كما التزم هذه الدقة في تاريخ الروم والفرس والعرب، بالإضافة إلى الوثائق الأدبية.
٩ - تسجيل النُّصُوص الأدبية: وهنا يُكثر الطبري من ذكر النصوص الأدبية المرتبطة بالأحداث، كالشعر والخطابة والرسائل والمحاورات ذات الصلة بالمناسبات التاريخية (١).
والطبري في هذه الناحية يتبع منهج المؤرخين في عصره، ورواة الأخبار قبله، الذين يحرِصُون على تدوين الشعر الذي يتصل بالموضوع، كما كان
_________________
(١) يقول أحمد أمين: "وكتابه هذا، مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب، لأنه في حكايته للروايات المختلفة يقصُّها في لغة رصينة بليغة، غاية في القوة" (ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
الأدباء يستعينون بالأخبار التاريخية لبيان مناسبات القصائد، والأحداث التي سبقتها، والأخبار التي عرضتها، وأسماء الأشخاص المذكورين فيها، ولذلك امتزج التاريخ بالأدب، وصار المؤرِّخ غالبًا راوية للأدب، وصار الأديب مؤرِّخًا.
من الأمثلة الأدبية التي ذكرها الطبري خُطبة زياد بن أبيه بالبصرة سنة ٤٥ هـ، (٦/ ١٢٤) وخطبة الحجاج بالكوفة سنة ٧٥ هـ (٧/ ٢١٠) وخطبة عبد الملك بن مروان بدمشق (٧/ ١٧٥) وخطبة خالد القَسْري بمكة (٨/ ٨٠) وخطبة الحسين بن علي في أصحابه (٦/ ٢٢٩) والحوار بين عبد الله بن الزبير وأمّه أسْماء حينما حاصره الحجاج بمكة (٧/ ٢٠٢) والحوار بين الخوارج والمهلب بن أبي صُفرة (٧/ ١٩١) ورسالة المختار الثقفي إلى محمد بن الحَنَفِيَّة (٧/ ١٢٧) والقصائد الكثيرة التي تظهر جلية على صفحات "تاريخ الطبري".
١٠ - الحياد والواقعية: كان الطبريُّ ورعًا وتقيًا ودقيقًا، وكان في الوقت نفسه ملتزمًا بمذهب أهل السنة والجماعة، وعقيدة السلف، ومع ذلك كان يورد الروايات المختلفة في الأحداث، دون مَيل مع أي هوى في إيراد الأخبار التاريخية، وكان في الغالب حياديًا بتصوير الأحداث، وترك الحكم عليها للقارئ، وعدم ممارسة النقد في الروايات وفي المتون، لأنه يعتقد أن أحاديث التاريخ لا تُبنى عليها أحكام شرعية، باستثناء الشؤون السياسية، وخاصة في العصر الراشدي، فكانت هذه الأحداث ذات انعكاس إيجابي وسلبي على المجتهدين في التطبيق الصحيح للشرع.
والطبري في نفس الوقت جريء في قول الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد تعرض في "تاريخه" لذكر كثير من الأحداث التي لا يرضى عنها العباسيون أنفسهم، وهم الخلفاء وأصحاب السلطة والنفوذ (١).