يمثل التاريخ أحد مصادر المعرفة الإنسانية التي اهتم بها الناس، فتدارسوه، وألفوا مجالسه، واستمعوا أخباره، وصنّفوا فيه، لأنه يفيد تسليةً ولَذَّة، ويعطي المتعةَ الكافية، ويُرضي غريزة حب الاستطلاع، ويبعث على العبرة والتفكّر في الأحداث، فالعاقل من اتعظ بغيره، والمحنَّك من تخطَّى تجارب غيره، فالتاريخ يعطي القارئ والسامع نماذج من السلوك البشري بما فيه من غرائز، وعواطف، وميول، وسلوك، وطموحات، وآمال وآلام، فرد أو جماعة، مع بيان النتائج التي تترتب على كل تصرف، سواء كان صوابًا أم خطأ، عامًا أم خاصًّا، ماديًا أم معنويًا، فرديًا أم اجتماعيًا، وهذا يثير الهمم للنهوض، أو التأسِّي بالسَّلف، أو الاقتداء بالأمم الحية، أو التحرز والتحفظ من المسالك الوعرة، والمنزلقات الخطرة التي لا تُحمد عقباها.
_________________
(١) المصباح المنير ١/ ١٥ - ١٦، المختصر في علم التاريخ ص ٣٣٠ المطبوع ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.
(٢) مفتاح السعادة ١/ ٢٥١، وانظر: أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١، والمختصر في علم التاريخ ص ٣٢٥، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص ٣٨٢ وما بعدها.
[ ١ / ٧٤ ]
وقد اهتم العرب بعلم التاريخ، بسبب اهتمامهم بالانتساب إلى الآباء والأجداد، والعشيرة والقبيلة، فحفظوا أنسابهم، وتفاخروا بها حتى وصلوا إلى التعصب والعصبية، فكانو ايهتمون أصلًا بتاريخهم، وتاريخ الأمم قبلهم، ومن حولهم.
وجاء القرآن الكريم يذكر أخبار الأمم السابقة، وقصص النبيين والمرسلين، ولكنه باختصار شديد، مركِّزًا على موطن العبرة والعظة، ومكان الإِثارة والاستفادة، مع النص القرآني المتكرِّر على هذا الهدف، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، وخاطب الله رسوله آمرًا له بقصّ الأخبار الهادفة، فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وخصَّص الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم "سورة القصص".
ومن هنا اتجه كثير من العلماء المسلمين إلى جمع الأخبار، ومعرفة الأماكن والأحوال التي أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واشتاقت نفوسهم إلى التوسع في فهم القصص المذكورة في القرآن، وفي ذات الوقت اعتَنَوْا عناية شديدة بسيرة رسول الله - ﷺ -، وما يتبعها من المغازي، وكانت هذه المعلومات تصبُّ في مِحْوَرَيْن، الأول: محور الأخبار والقصص التاريخية، وكان صاحبها يسمى أخباريًا، وتتّسم أكثر قصصه بالأوهام والخرافات والأساطير القديمة، والمحور الثاني: علم الحديث والمصطلح، وكان علماء الحديث يذكرون أخبار السيرة النبوية وآثار الصحابة والخلفاء الراشدين مع الحديث برواياته وأخباره وإسناده، ولما دُوِّنت كتب السنة النبوية خُصِّص باب مستقل بعنوان المغازي والسِّير، إلى أن استقل علم السيرة النبوية، وخُصِّصت له المصنفات والكتب (١).
_________________
(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ٢٠٢، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٥٧، علم التاريخ عند المسلمين، مقدمة المترجم الدكتور صالح أحمد العلي ص / أ، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٧٦٣، ضحى الإسلام ٢/ ٣١٩، مقدمة ابن خلدون ص ٣، ٩، الإعلان ص ٣٨٥، ٤٠٦، ٤١٢.
[ ١ / ٧٥ ]