ويعرف بتاريخ الطبري، وبه اشتهر اسمُه، ولَمَعَ صيتهُ، وتخلَّد اسمه، وإذا أطلق على الطبري: المؤرخ، فإنما بسبب هذا الكتاب.
واسم الكتاب المشهور به هو "تاريخ الأمم والملوك" (١) وطبع بهذا العنوان، ولكن ياقوت الحموي ذكر اسمًا آخر له وهو "تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والخلفاء" (٢)، وكلا الاسمين يدلان على موضوع الكتاب، ويسمى الكتاب أيضًا: "التاريخ الكبير" (٣).
قال ياقوت: "وهذا الكتاب من الأَفْراد في الدنيا، فضلًا ونَباهة، وهو يجمع كثيرًا من علوم الدِّين والدُّنيا، وهو في نحو خمسة آلاف ورقة" (٤).
وبيَّن الطبري رحمه الله تعالى خطة كتابه، وذكَّر بفائدة علم التاريخ وأهميته في المقدمة، ويَحْسُن بنا أن نطّلع عليها، ونسجِّلها هنا.
"قال أبو جعفر: وأنا ذاكرٌ في كتابي هذا: من ملوك كل زمان من ابتداء ربنا ﷻ خَلْق خَلْقِه إلى حال قيامهم، مَنْ انتهى إلينا خبرُه، ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه، فشكر نعمه، من رسُول له مُرْسل، أو مَلِك مُسَلَّط، أو خليفة مُسْتَخْلَف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعمًا، وإلى ما تفضل به عليه فضلًا، ومن أخَّر ذلك له منهم، وجعله له عنده ذُخْرًا، ومن كفر منهم نعمه فسَلَبه ما ابتدأ به عليه إلى حين وفاته وهلاكه، مقرونًا ذكر كل من أنا ذاكره منهم في كتابي بذكر نعمائه وجُمَل ما كان من حوادث الأمور في عصره وأيَّامه، إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، وتطول به الكتب، مع ذكري مع ذلك مَبْلغَ مدة أُكُلِه، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا
_________________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣، كشف الظنون ١/ ٢٢٧.
(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، وطبعت الكتاب دارُ المعارف بمصر باسم "تاريخ الرسل والملوك" وسماه فؤاد سزكين "أخبار الرسل والملوك" (تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٢)، وطبع بمطبعة خياط باسم "تاريخ الرسل والملوك".
(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٦٨.
(٤) معجم الأدباء ١٨/ ٧٠.
[ ١ / ٨١ ]
أولى، والابتداء به قبله أحَجى من البيان عن الزمان، ما هو؟ وكم قدْرُ جميعه؟ وابتداء أوَّله، وانتهاء آخره، وهل كان قبل خلق الله تعالى إيَّاه شيء غيره؟ وهل هو فَانٍ؟ وهل بعد فنائه شيء غيرُ وجه المسبَّح الخلَّاق تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه؟ وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة على أنْ لا قديم، إلا الله الواحد القهار الذي له مُلْك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، بوجيزٍ من الدلالة غير طويل إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تاريخ الملوك الماضين، وجملًا من أخبارهم وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم، وأيام الخلفاء والسالفين، وبعض سيرهم ومبالغ ولاياتهم، والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم، ثم أنا متبعٌ آخر ذلك كله، إن شاء الله، وأيدٍ منه بعون وقوة، ذكر صحابة نبينا محمد - ﷺ - وأسمائهم وكُناهم، ومبالغ أنسابهم، ومبالغ أعمارهم، ووقت وفاة كل إنسان منهم والموضع الذي كانت به وفاته، ثم متبعهم ذكرَ من كان بعدَهم من التابعين لهم بإحسان على نحو ما شرطنا من ذكرهم، ثم ملحق بهم من ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك، وزائد في أمورهم للإِبانة عمن حُمِدَت منهم روايتهُ، ونُقلت أخباره، ومن رُفِضَت منهم روايته، ونُبذت أخباره، ومن وَهَن منهم نقلُه، وضَعُفَ خبره، والسبب الذي من أجله نُبِذ منهم خبرُه، والعلة التي من أجلها وَهَن من وَهَن منهم نقله، وإلى الله ﷿ أنا راغب في العون على ما أقصده وأنويه، والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه، فإنه ولي الحول والقوة، وصلى الله على محمد نبيه، وآله وسلم تسليمًا" (١).
ثم ذكر الطبري رحمه الله تعالى منهجه في الكتاب، كما سنوضحه فيما بعد إن شاء الله تعالى.