وصل كتاب "تاريخ الأمم والملوك" إلى قمة التأليف التاريخي عند العرب والمسلمين في القرون الثلاثة الأولى، واحتل ذروة التقدير والاهتمام لدى معاصري الطبري، وفيما بعد، وخلال التاريخ الإسلامي، وحتى وقتنا الحاضر، وسيبقى تاريخ الطبري في القمة والذروة في المستقبل، وسيبقى المرجع الأول، والمصدر الأصيل، والموئل الموثوق لدى كل باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي (٢).
وتظهر أهمية الكتاب وقيمته العلمية في الأمور التالية:
١ - أول كتاب في التاريخ العام، جمع فيه الطبرّي جوانب التاريخ في كتاب واحد، ونسّقها، وضمّ بعضها إلى بعض، وأكمل فيه الجهود التي قام بها العلماء السابقون في التاريخ لجانب منه، كتاريخ الأقاليم، أو الطوائف، أو الرجال، أو الأحداث العظام التي كُتبت منفردة، من كبار العلماء في القرن الثاني والثالث الهجريين، كأمثال ابن سَعْد واليَعْقُوبي والدِّينَوَري والوَاقِدي والبَلاذُري وابن إسحاق، ولما صاغ الطبري كتابه الكامل الشامل أقبل الناس عليه، وأعرضوا عن الكتب الصغيرة الأخرى، ثم ضاع أكثرها، فكان فضل الطبريّ من جديد أنه سجّل لنا ما ضاع، وحفظ لنا هذا التراث النفيس.
ومما ساعد الطبريّ على ذلك مؤهلاتُه الفطرية كحدة الذكاء، وقوة الحافظة، ثم جهده الدؤوب على العلم، وتفرّغه له، وسعة اطّلاعه وثقافته،
_________________
(١) انظر الفهرست ص ١٣١، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٧، ١٦٣، الطبري للحوفي ص ١٩٠، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٢٢، ١٢٧، ١٣٣، ١٣٩، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) انظر: تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٥، الطبري للحوفي ص ٢٢٦، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٦.
[ ١ / ٨٨ ]
وكثرة رحلاته، وجمعه بين العلوم المختلفة التي كان لها الأثر الكبير في تاريخه كعلم التفسير والحديث واللغة والفقه.
٢ - أقدم مصدر كامل للتاريخ العربي وفي اللغة العربية منذ أوائل الزمان إلى أول القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، ولذلك أصبح الأساس لتاريخ العرب، والمصدر الأصيل لمن جاء بعده، كالمَسْعودي، وابن مِسْكَوَيه، وابن الأثير، وابن خَلْدون، وابن كثير، وكُتَّاب السِّيرة، ولا يزال كتاب الطبري قِبلة الأنظار حتى اليوم.
٣ - جمع الطبري في تاريخه كثيرًا مَن أخبار العرب في الجاهلية، وحفظها من الضياع، كما أرَّخ للقرون الثلاثة الأولى بعد الإسلام، ودوَّن بعض الروايات التي سمعها شخصيًا، فكان عمله تسجيلًا أمينًا للأجيال اللاحقة.
٤ - ذكر الطبري في كتابه تاريخ الفرس، وأبدع في ذكر كثير من الحقائق التي لا توجد عند غيره، فأصبح كتاب الطبري مرجعًا أيضًا في تاريخ الفرس أيام بني سَاسَان ومعرفة صلة العرب بهم، ولذلك أسرع العلماء إلى ترجمته إلى اللغة الفارسية كما سنرى.
٥ - كان الطبري دقيقًا جدًّا في تاريخ الرومان، وذكر أسماء الأباطرة إلى نهاية عصر هِرَقل سنة ٦٤١ م / ٢١ هـ، وهو تاريخ فتح العرب لمصر، واعتمد الطبري في ذلك على نصارى الشام والوثائق التي كانوا يحفظونها، وأدَّوْها إلى الطبري بأمانة، وسجلها بدقة تدعو إلى العجب، وليكون مصدرًا أيضًا لتاريخ الرومان.
٦ - يعتبر كتاب الطبري المنبع الصافي والأصيل للمؤرخين بعده الذين استقَوْا منه الأخبار والمادة التاريخية، وتفنَّنوا في عرضها، كابن مِسْكَوَيه (٤٢١ هـ) وابن الأَثير (٦٣٠ هـ) وأبي الفِداء (٧٣٢ هـ) وابن كثير (٧٧٤ هـ) وابن خَلْدون (٨٠٨ هـ).
٧ - إن تاريخ الطبري حافل بالنصوص الأدبية التي ذكرها في تراجم أصحابها، سواء كانت شعرًا أم خطبًا أم رسائل أم محاورات، ولا توجد في كتاب آخر، ولولا تدوين الطبري لها لفُقد من تراثنا ذخائر قيِّمة يُعتمد عليها في الدراسات الأدبية واللغوية.
[ ١ / ٨٩ ]
٨ - وتتأكد أهمية كتاب الطبري وقيمته العلمية بإقبال العلماء في العصر الحاضر على جمعه وتحقيقه ونشره، وحرصهم على وجوده وتوفّره في كل مؤسسة علمية، وتحت أيدي الباحثين والعلماء والطلاب كما سنرى، كما يتأكد ذلك بثناء المصنفين والمؤرخين له، وهو ما سنفرده في فقرة خاصة، وتظهر أهميته بالإقبال على تلخيصه وترجمته، كما سنرى.
٩ - قال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم: "وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه قد استطاع أن يجمع بين دفّتيه جميع المواد المودَعة في كتب الحديث والتفسير واللغة والأدب والسير والمغازي وتاريخ الأحداث والرجال، ونصوص الشعر والخطب والعهود، ونسّق بينها تنسيقًا مناسبًا، وعرضها عرضًا رائعًا رائقًا، ناسبًا كل رواية إلى صاحبها، وكل رأي إلى قائله، كما أنه أودع هذا الكتاب فصولًا صالحة ونتفًا متنوعة من متون الكتب التي أتت عليها عوادي الأيام، وأورد من أقوال العلماء ما لا نجده إلا في هذا الكتاب" (١).