تعرض علماء التاريخ لبيان المآخذ على منهج الطبري في تاريخه وقدَّموا عدة ملاحظات عليه (٣)، نذكر أهمها:
١ - ضمور النقد عند الطبري: وذلك أنه اكتفى بسرد الروايات، وبيَّن في مقدمته أنه يرمي العهدة على الرواة، ووقف خارج الأحداث، وملتزمًا بالرواية، ولم يعدِّل الرواة، ولم يُجرِّحهم، مع أن الطبري من علماء الحديث، ويمكنه
_________________
(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٦.
(٣) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٩، الطبري للحوفي ص ٢٠٤، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤ وما بعدها، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٥ طبعة دار المعارف.
[ ١ / ١١٠ ]
الالتزام بطريقة المحدِّثين في مجرَّد سرد الرواية دون تعرُّض لمتنها، كما أنه يفعل فعلهم في التعديل والتجريح للرواة، ولذلك يُعتبر ضمور النقد عند الطبري في التاريخ نقطة ضعف ونقص، وإن اعتُبرت في الحديث أمانة وميزة، وقد ذكر الطبري أحيانًا روايات غير معقولة، أخذها عليه المؤرِّخون بعده بإيرادها دون نقد وتفكير، وأنها منافية للعقول، ولا يجوز أن تُسطَّر في الكتب، ولم يشر إلى الروايات المكذوبة.
وهذه النظرة من الطبري إلى التاريخ تحصره في نطاق المعرفة، وتجرِّده من العظة والاعتبار والتأسِّي من جهة، خلافًا لابن مِسْكوية في كتابه "تجارب الأمم" قاصدًا بيان التجارب التي مرَّت بالسلف، ويحسن بالخلف أن يطَّلِع عليها، ويستفيد منها، ويتَّعظ بها، كما ابعدت نظرةُ الطبريّ للتاريخ المؤرِّخ عن التدخّل في الأحداث وتحليلها وبيان مدلولاتها، وهو ما يتجه إليه المؤرِّخون المتأخرون.
لكن الطبري ﵀ أدْلى بدلوه أحيانًا، وأبدى رأيه، ورجَّح ما يراه قويًّا بقوله "والصحيح عندنا"، و"أنا أشك في ذلك" وقوله "وقد زعم بعضهم كذا" وهو توجيه نقدي واضح، كما أنَّه لم يعتمد من الأصل في النقل على من كان فيه مظنَّة شبهة، من أمثال محمد بن السائب الكلبي، ومقاتل بن سليمان إلا في النُّدرة، واعتمد على المؤلَّفات التي يثق بها مثل كتب سَيف بن عمر في التاريخ، كما أن رجال الحديث والتاريخ في الأصل لم يتشدَّدوا في الرواية التاريخية تشدُّدَهم في الحديث النبوي الشريف، وكان عمل الطبري في التاريخ جليلًا، لأنه حفظ لنا الروايات من الضياع، ونسّقها تنسيقًا جيدًا، ولولاه لضاع معظمها، وحُرمنا من معرفتها.
٢ - عدم ذكر الكتب والمؤلفات: كان الطبري يَرْوي التاريخ عن الرواة والمؤرخين، دون أن يحدِّد الكتاب المأخوذ منه، وكان لكثير منهم عدد من الكتب، فسَيف بن عمر له كتاب الفتوح، والردة، وموقعة الجمل، وغيرها، والواقدي له كتاب المغازي، والردة، والتاريخ الكبير، وهشام الكلبي له مئة وأربعون كتابًا ذكرها ابن النديم، واستخرج فرانز روزنثال أسماء الكتب الواردة
[ ١ / ١١١ ]
في الفهرس لكل واحد من المؤلفين، ومصنَّفَة حسب مواضيعها (١).
ولو ذكر الطبري أسماء الكتب لاستطاع الباحثون الرجوع إلى ما بقي منها، ولعرف الخلف مؤلفات السلف للتنقيب عنها، وتحقيق ما سلم من الضياع منها، والمقارنة بين نصوصها ونصوص الطبري.
٣ - كان الطبري يقطع الأحداث بالروايات المتعددة، وبالسنين المتعاقبة، فيقطع الرواية الواحدة إذا وقع فيها خلاف، فيذكر الرواية أو الروايات المخالفة ثم يعود للرواية الأولى، فتتداخل الروايات وتتشابك، ويتشتت معها القارئ، وينشغل بالفروع عن الحادث الأصيل، مع ما في طريقة الطبري من أمانة ودقة، وكان يمكنه تحقيق هدفه بعرض كل رواية عرضًا كاملًا، ثم بالتعقيب عليها بغيرها، ثم بالموازنة فيما بينها، وترجيح بعضها على بعض.
وكان منهج الطبري "الحولي" يضطره إلى تجزئة الحادث الذي امتد عدة سنوات، فتتبعثر صورته، ويفقِد وَحْدته وموضوعه، مما يصعب معه على القارئ أنْ يُلِمَّ بالحادث الواحد متكاملًا.
٤ - التركيز على الجانب السياسي، وهو ما فعله أكثر المؤرخين الذين كتبوا في التاريخ العام، وتأثر الطبري ﵀ بهم وبروح العصر الذي عاش فيه، ولذلك قال السخاوي عنه: "وهو جامع لطرق الروايات، وأخبار العالم، لكنه مقصور على ما وضعه لأجله من علم التاريخ والحروب والفتوحات" (٢)، وحتى في الجانب السياسي يُغفل الطبري أسماء الولاة والموظفين، ويُغفل أحيانًا بعض الحركات المعارضة للسلطة.
ويعد: فإن هذه الملاحظات على تاريخ الطبري، والمآخذ على منهجه، لا تقلِّل من قيمته، ولا تُنْقص من أهميته، وأنه كتاب جليل القدر، عظيم القيمة، وأنَّه المرجع الأول للتاريخ العربي الإِسلامي، ويحتل الصدارة عند المؤرخين، ويتبوَّأ المكانة الأولى بين كتب التاريخ، وأنه المرجع الأصيل لكل من كتب في التاريخ، والمصدر الأساسي لمن جاء بعده من المؤرِّخين، ويمثّل
_________________
(١) انظر: الفهرست ص ١٣١ وما بعدها، علم التاريخ عند المسلمين ص ٢٧٣.
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التواريخ ص ٦٦٩ ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.
[ ١ / ١١٢ ]
صفحة مشرقة، وصورة ناصعة للثقافة التي جمعها الطبري في ذهنه، ومثلها لأبناء عصره وجيله، وبقي تاريخ الطبري ماثلًا في الأذهان طوال الأجيال الماضية، وسيبقى بمشيئة الله تعالى أمام العين والقلب، والعقل والفكر، في المستقبل، فجزاه الله خيرًا، وأعطاه ما يستحق من الثواب والأجر.
يقول الأستاذ شاكر مصطفى: "وعلى أي حال، فإن ما قد يُوجَّه إلى منهج الطبري، وإلى تاريخه من نقد لا يمكن أن يُلغي شيئًا من قيمته كمؤرخ أوَّل، انتهى به العصر الأول للتدوين التاريخي، وكمؤلِّف ظلت أجيال المؤرخين في العصور التالية عِيالًا على كتابه في كل ما يتصل بالقرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإِسلام" (١).
* * *
_________________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦١.
[ ١ / ١١٣ ]