قلَّما يسلم عمل إنسان من نقص، أو يصدر بشكل كامل، فإن الكمال لله وحده، وكل عمل للبشر معرَّض للنقص والخطأ، والنقد والمآخذ، ولذلك
_________________
(١) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
[ ١ / ١٠٧ ]
سجَّل علماء التراجم والتاريخ عدة ملاحظات على تاريخ الطبري والمادة العلمية فيه، وعلى منهجه الذي سلكه، ونبدأ الآن بالمآخذ التي أوردها العلماء على المادة التاريخية فيه (١)، وأهمها.
١ - لم يحفظ الطبري التوازن بين فترات التاريخ قبل الإسلام وبعده، لأنه عرض تاريخ العالم منذ بدء الخليقة وهبوط آدم وتاريخ الأنبياء والأمم والدول في مجلد واحد يساوي تقريبًا عُشْر الكتاب، بينما عرض التاريخ الإِسلامي بتوسُّع، وأفرد له تسعة أعشار الكتاب.
ولكن هذه الملاحظة لا تَرِدُ على الطبريّ ﵀، لأنه لا يريد حقيقة أن يؤرِّخ للعالم، ليحققَ التوازن، ولكنه قصد أن يكتب التاريخ الإِسلامي فحسب، وقدَّم لكتابه بتمهيد ومدخل للتاريخ السابق، ولذلك كان تاريخ الطبري أجل وأعظم كتاب عن التاريخ الإِسلامي في القرون الثلاثة الأولى، وصار المرجع لكل من جاء بعده.
٢ - أسرف الطبري بذكر الإِسْرائيليات والخُرافات والأوهام والحكايات فيما يتعلق ببدء الخلق وقصص الأنبياء والتاريخ القديم، دون أن يُمحِّص ذلك ويَعْرِضه على النقد والمنطق والعقل وما جاء في القرآن والسنة.
وهذه الملاحظة لم ينفرد بها الطبري، بل شاركه فيها بقية المؤرخين، لأن مصدر المعلومات لهم غالبًا في ذلك هم أهل الكتاب، الذين عَرَضوا هذه المعلومات عن بدء الخليقة، ولا يوجد مرجع آخر فيها، فنقل المؤرِّخون ذلك دون تمحيص أو تدقيق أو تعليق (٢).
٣ - اقتصر الطبري في تاريخه عما نقله من المصادر والإسناد الماضية، وهذا صرفه عن النظر في أحداث عصره، فلم يُسجِّلها في كتابه، ولم يُؤرِّخها، فجاءت
_________________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٠ وما بعدها، الطبري للحوفي ص ٢٠٤، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.
(٢) قال أحمد أمين: "إن كثيرًا من تاريخ الأمم القديمة ليس إلا خرافات وأوهامًا، ولكن عذر الطبريّ في ذلك أن هذا هو ما كان معدودًا في وقته، وليس له من الوثائق ما يستطيع أن يذكر به التاريخ الصحيح" ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٣.
[ ١ / ١٠٨ ]
الأحداث التي عاصرها باهتة ومختصرة جدًّا، مع أن الطبري كان على اطِّلاع واسع بها، وكانت خبرته جيدة ورحل إلى عدة أقطار في العالم الإِسلامي، وعاش دهرًا طويلًا وقعت فيه أحداث كبيرة وأمور مهمة، فلم يولِ اهتمامه بجيله وعصره، وظهر فيما كتبه عنه الضعف والإِيجاز المخلّ.
ولعل الباعث للطبري على ذلك تصوُّرُه لدراسة التاريخ وفهمه له بأنه مستودع خبرات الأجيال السابقة فقط، وأنه يكتب لأبناء جيله الذين يشاركونه في معرفة الأحداث ومجريات الأمور، فلا يأتيهم بجديد، وفاته أن الأجيال اللاحقة بحاجة ماسة للمعرفة التفصيلية للجيل الذي عاصر الطبري، وخاصة أنه شاهدُ صدق على ما يقول، وأنه أقرب من غيره لتسجيل هذه الأحداث، فحَرَمَ التالين من ذلك، ولو أَرَّخ لعصره لقدَّم لغيره مادة غزيرة وموثَّقة.
٤ - كان فهم الطبري للتاريخ العالمي أقل وأضيق من فهم بعض المؤرّخين السابقين له كاليَعْقوبي وابن قتيبة مثلًا - في نظرتهم الشمولية، بينما اقتصرت نظرة الطبري إلى تاريخ العالم على الخط الذي يصل بين الأنبياء والعهد الجاهلي كمقدمة للتاريخ الإِسلامي.
وقد يكون عذر الطبري في ذلك أنه يريد التاريخ الإِسلامي بحدِّ ذاته، وذَكَرَ تاريخ الأمم والملوك الآخرين كمقدّمة فقط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التاريخ القديم قليل المصادر، ومصادره غير معتمدة، والثقة فيها غير متوفِّرة، والخَيال فيها والخرافة والأَساطير من بنات الأفكار أكثر من الحقائق، فأخذ الطبري جانبًا من ذلك، لأن ما لا يُدْرَك كلّه لا يُترك جلّه.
٥ - كان الطبري مهتمًا في تاريخه بالأحداث السياسية، فحصر تاريخه غالبًا في المشاكل الداخلية للدولة، وما يتصل بالسياسة الداخلية، وأغفل كثيرًا الحديث عن الفتوحات الإِسلامية كالأندلس وغيرها، وأعرض عن بيان العلاقات الدولية، وحتى في العلاقات بين الدولة الإِسلامية والدول المجاورة لها كالبيزنطية والإِفرنجية، وأحوال هذه الدول وأمرائهم، وفي الأمور الداخلية اهتم
[ ١ / ١٠٩ ]
بالحَدَث السياسي، ولم يولِ أمور الإِدارة والقضاء والاقتصاد، والاجتماع أيَّ عناية (١).
وهذا الأمر يشترك فيه الطبري مع بقية المؤرِّخين، لأنَّ التاريخ كان مركَّزًا على الحكَّام والأمراء، ولم يلتفت إلى الجوانب الحضارية والإِدارية والاقتصادية، إلى أن تطور علم التاريخ، واتجه إلى بقية عناصر الحياة، وبلغ أوجه في عهد ابن خلدون وكتبه.
٦ - كان مفهوم التاريخ عند الطبري متأثرًا بالنزعة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية، فأحداث التاريخ تعبير عن المشيئة الإِلهية، والتاريخ مستودع خبرات عليا للأمة، دون اهتمام بقيمة التجارب التي مرت بها، ورسالتها التاريخية الواحدة.
وهذه الملاحظة تُعتبر مزيَّة لتاريخ الطبري المحدِّث والمفسر والمجتهد والعالم والحافظ للقرآن، والإِمام لمذهب فقهي عملي في الحياة، وأن الطبري المحدِّث عبَّر عن وجهة النظر الدينية الإِسلامية عامة، ووجهة نظر المحدِّثين في كتابة التاريخ بفكرة تكامل الرسالات السماوية في التاريخ، وأنه تعبير عن المشيئة الإِلهية، فكان تاريخه قرينًا ومكمِّلًا لتفسيره، فالتفسير لتوضيح إرادة الله في كلامه، والتاريخ يوضح إرادة الله في مسيرة البشرية (٢).