اعتمد الطبري في كتاب "التاريخ" على مصادر متنوعة، ولم يأخذ المادة
_________________
(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٧١، الطبري للحوفي ص ١٨٤ وما بعدها، الفهرست ص ٣٢٧، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٦، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٣ طبعة دار المعارف.
[ ١ / ٨٥ ]
التاريخية من مَرْويات شفهية، أو مصادر مدوَّنة متفرقة، ولكنَّه اعتمد على كتب مدوَّنة كبيرة، ومشهورة أُتيح له الاطّلاع عليها، وروايتها أو الأخذ منها، وهي كتب جامعة، وأُلِّفت في القرنين السابقين، الثاني والثالث الهجري، ولم يستمد الطبري شيئًا من كتب معاصريه (١).
وقد بُذِلَت مساع كثيرة للتعرف على مصادر الطبري من خلال سلاسل الإسناد التي سجَّلها الطبري في كتابه، وأسماء الرواة الذين صرح بأسمائهم، لكنه أغفل أسماء كتبهم، فرجع العلماء إلى مصنفاتهم التي ذكرها ابن النديم في "الفهرست" ورجحوا أقرب الاحتمالات في تحديد اسم الكتاب (٢).
والطبري استمد تاريخه من المصادر المتعددة التي اطمأن إلى حجيَّتها في الغالب، واعتبرها مؤثوقة إلى حدٍّ ما، وهي في حقيقتها متنوِّعة بحسب الموضوع، ويمكننا الإشارة إلى أهمها:
١ - في تاريخ الرسل والأنبياء اعتمد الطبري على كتب التفسير، وكتب السيرة النبوية، وخاصة كتب وَهْب بن منبه ومنها كتابه "المبتدأ والخبر" وسيرة ابن إسحاق، ومن هنا تسرّبت الإسرائيليات إلى كتابه.
٢ - في تاريخ الفرس استمد الطبري معلوماته من ترجمات عربية لكتب فارسية، منها كتب ابن المُقَفَّع، ومنها كتب هشام الكَلْبي الذي كان يعتمد في تاريخ ملوك فارس والحيرة على وثائق ومدوَّنات لديه.
٣ - وفي تاريخ الروم رجع الطبري إلى ما كتبه وترجمه نَصَارى الشَّام عن تاريخ الدولة الرومانية والإِمبراطورية البيزنطية.
٤ - وفي تاريخ اليهود وبني إسرائيل نقل الطبريُّ قصصهم وأخبارهم من كتب
_________________
(١) انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٤ - ٢٥٦، الطبري للحوفي ص ١٨٨، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٣ طبعة دار المعارف.
(٢) قام الأستاذ جواد علي بجهود طيِّبة لتحديد "موارد تاريخ الطبري" ونشرها في مجلة المجمع العراقي العدد الأول لعام ١٩٥٠ م والعدد الأول لعام ١٩٥٢ م، والعدد الأول لعام ١٩٥٤ م، ومجموعها ١٨٤ صفحة. انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٠، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥.
[ ١ / ٨٦ ]
اليهود مباشرة التي كانت متوفرة لديهم، وما تتضمنه من حكايات إسرائيلية عن أنبيائهم وتاريخهم وأحداثهم.
٥ - وفي تاريخ العرب قبل الإِسلام اعتمد على الكتب التي دُوّنت في هذا الموضوع خلال القرنين الثاني والثالث الهجري، ومنها كتب عُبَيد بن شَرْية الجُرْهُميّ، ومحمد بن كَعْب القُرَظي، ووَهْب بن مُنَبه، وهشام الكلبي، وابن إسحاق.
٦ - وفي السيرة النبوية استند إلى كتب كُتَّاب السيرة الأوائل، وهم أبَّان بن عثمان بن عفان، وعُرْوة بن الزُّبير بن العوَّام، وموسى بن عُقبة، وعاصم بن عمر بن قَتَادة، وابن شِهاب الزُّهْري، ومحمد بن إسحاق، وشُرَحبيل بن سعد.
٧ - وفي العهد الراشدي أخذ أخبار ووقائِع حروب الردة والفتوح وموقعة الجمل وموقعة صفين من كتب سَيف بن عمر الأسْدي، والمدائني، وأبي مِخْنَف.
٨ - وفي العهد الأموي أخذ تاريخ بني أمية من مُدَوَّنات عَوَانَة بن الحكم الكلبي، وأبي مَخنَف، والمدائني، والواقِدي، وعُمَر بن شَبَّة، وهشام الكلبي.
٩ - وإذا انتهى إلى العباس عوّل على كتب أحمد بن أبي خَيثمة، وأحمد بن زهير، والمدائني، وعمر بن راشد، والهيثم بن عَدِيّ، والواقدي.
وكان لهؤلاء المؤلفين كتب كثيرة متداولة، كان الطبري يذكر اسم الكاتب، دون أن يحدد اسم الكتاب، فكان لسيف بن عمر كتاب الفتوح الكبير، وكتاب الردة، وكتاب في موقعة الجمل، ومسير عائشة وعلي، وكان للمدائني (٢١٥ هـ) كتاب في الردة، وكتاب أمهات النبي - ﷺ -، وكتاب صفة النبي - ﷺ -، وكتاب أخبار المنافقين، وكتاب عهود النبي - ﷺ -، وكتاب تسمية المنافقين، وكتاب رسائل النبي - ﷺ -، وكتاب المغازي، وله كتب في أخبار قريش، وأخبار مناكح الأشراف، وأخبار النساء، وأخبار الخلفاء، وكتب في الأحداث في خلافة عثمان وعلي ﵄، وكتب الفتوح، وأخبار العرب، وأخبار الشعراء وغيرها، ولعمر بن شبة مؤلفات منها كتاب الكوفة، وكتاب مكة، وكتاب البصرة، وكتاب المدينة، وكتاب أمراء الكوفة، وأمراء البصرة، وأمراء
[ ١ / ٨٧ ]
المدينة، وأمراء مكة، وكتاب السلطان، ومقتل عثمان، وأخبار المنصورة، وكتاب التاريخ وغيرها (١).