١ - الترتيب الحولي للحوادث ولعلّه تأثر بسلفه خليفة بن خياط رحمه الله تعالى في ذلك فقد راعى الطبري ترتيب الوقائع والأحداث ترتيبًا زمنيًا سنة بعد سنة من مبعثه ﵊ حتى سنة ٣٠٢ هـ.
٢ - اعتماد الإسناد والرواية وذلك من صفات تأريخ الطبري الإيجابية إذ سهّل على النقاد من بعده نقد الرواية داخليًا وخارجيًا كما يسميه المؤرخون المعاصرون وكما يقول أهل الحديث -نقد السند والمتن- وقد حرص الطبري على بيان صيغة التلقي فإن كانت مشافهة قال حدثني أو حدثنا أو أخبرنا وإذا كان مراسلة قال كتب إليّ وإذا أخذ من كتاب ذكر اسم مؤلفه (قال المدائني- أو ذكر الواقدي إلخ).
ولكن الإسناد يختفي تدريجيًا كلما اقتربنا من نهاية كتابه.
٣ - تنوع المصادر وغزارتها: إن الدارس لروايات الطبري يستغرب من كثرة
[ ١ / ٣٢ ]
الطرق التي حصل عليها الطبري للوصول إلى تفاصيل الأحداث ولكن هذا الاستغراب يزول إذا ما تذكرنا كثرة أسفاره ﵀ بين طبرستان وبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومصر والحجاز مما سهّل له الالتقاء بجمع غفير من الشيوخ أصحاب الميول المختلفة والمنتمون إلى مدارس عدّة.
٤ - استطاع الطبري ﵀ أن يحافظ على حياديته كمؤرخ ثقة لا تجتذبه الميول إلى هذا التيار أو ذاك حتى أنه وهو السني في مذهبه نقل كثيرًا من روايات الشيعة والرافضة والمعتزلة والقدرية بينما لم يستطع كثيرون من الكبار أن يكونوا حياديين فاليعقوبي إمامي شيعي في تأريخه والمسعودي لم يستطع المحافظة على حياديته كمؤرخ وهكذا يقول شاكر مصطفى لم يمل الطبري مع أيّ هوى في إيراد الأخبار التأريخية الإسلامية وكان حياده في الغالب عن ورع ودقة علمية (١).
اعتبر الطبري التأريخ الإسلامي ممتدًا من نزول آدم وهبوطه على الأرض ثم مرورًا يقصص الأنبياء وتأريخهم إلى مبعث خاتم الأنبياء ﵊ وعروجًا على سيرته وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده وتأريخ الخلافة في عهد الأمويين وأخيرًا تاريخ الخلافة في عهد العباسيين.
وهذا الصنيع من الطيري تفسير إسلامي للتأريخ نابع من الثوابت المؤكدة في الكتاب والسنة فآدم أبو البشر ونوح أبو الأنبياء والأنبياء كلهم موحدون وإبراهيم - ﵇ - هو الذي أطلق كلمة مسلم على الأمة كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ والطبري بذلك صاحب نظرة عالمية إلى التاريخ ولذلك لا نتفق مع الأستاذ شاكر مصطفى في كتابه القيّم (التأريخ العربي والمؤرخون) حين يقول:
كان فهمه للتأريخ العالمي أضيق من فهم بعض المؤرخين السابقين له كاليعقوبي مثلًا أو ابن قتيبة فتأريخ العالم عنده محدود بالخط الذي يصل ما بين الأنبياء والعهد الجاهلي عبر الساسانيين وتاريخ اليمن ثم يأتي التأريخ الإسلامي تتويجًا ضخمًا لكل ذلك التاريخ.
التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٦.
المصدر السابق / ٢٦٠.
[ ١ / ٣٣ ]
٦ - اختتم الطبري عهد كل خليفة بسيرة موجزة عن حياته بعيدًا عن الحوليات مع ذكر شيء من حياته الأسرية ومناقبه أو مثالبه.
٧ - ولأنه رتب التأريخ بنظام الحوليات فقد أعطى مساحة كافية للخلفاء الذين حكموا عقدين من الزمان كما في حالة سيدنا معاوية وهشام بن عبد الملك فكان دقيقًا في هذا التوزيع وإن كان له جانب سلبي فيما يخص مراحل التاريخ بصورة عامة كما سنذكر إلّا أنه في هذا الجانب المتعلق بسيرة الخلفاء خاصة أعطى مساحة لكل خليفة يناسب السنين التي حكم فيها بينما نجد مؤرخين كبارًا أعطوا مساحة واسعة لخليفة بينما خصصوا مساحة أصغر بكثير لخليفة آخر ولو كان لراشدًا! ! !
فالمسعودي مثلًا وهو صاحب مروج الذهب (ت ٣٤٦) خصص أقل من عشرين صفحة لخلافة سيدنا عثمان محشوًا بالطعن في عدالة الصحابة بينما استغرق حديثه عن خلافة سيدنا علي أكثر من ثمانين (٨٠) صفحة ومع ذلك قال في نهاية عهد سيدنا علي: وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب أو يبلغه إسهاب مسهب أو إطناب مطنب (١).
علمًا بأن مدة خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ كانت اثنتي عشرة (١٢) سنة بينما مدة خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ لا تصل إلى نصف هذه المدة لأنه بويع في سنة ٣٥ هـ واستشهد في سنة ٤٠ هـ أي أقل من نصف المدة التي قضاها في الحكم سيدنا عثمان بينما اختصر المسعودي مدة اثنتي عشرة سنة من حكم خليفة راشد هو عثمان في أقل من عشرين صفحة بينما أعطى مساحة (٨٠) صفحة لعهد سيدنا علي (الخليفة الراشد الرابع) أي أنه اختصر المسافات والسنين ففقد وسطيته وحياده حتى في إعطاء السنين حقها بينما لم يفعل الطبري مثل المسعودي.
٨ - استطاع الطبري أن يحشد قصائد وأبيات شعرية من روائع الشعر العربي تضاف إلى الأدلة الأخرى من الرواية الخبرية تقوية لأدلته رحمه الله تعالى ويعتبر كتابه بذلك توثيقًا لمئات من الأبيات الشعرية لشعراء فحول أي أنه مزج الأدب مع
_________________
(١) مروج الذهب / ٢/ ٤٣٧.
[ ١ / ٣٤ ]
التأريخ مع علم الإسناد متزامنًا مع تنوع المصادر فكان نسيج وحده رحمه الله تعالى واستحق أن يتربع على قمة التطور التأريخي في نهاية القرن الهجري الثالث.
٩ - فيما يتعلق بتأريخ الروم والفرس: حفظ الطبري لتلك الأمم جزءًا كبيرًا من تأريخهم وذلك رصيد يضاف إلى الذخيرة التأريخية لديهم فالطبري ناقل أمين نقل التأريخ الروماني والفارسي من مصادرهم بعد الترجمة ولم يغيّر منها شيئًا بحجة أنهم ليسوا جزءًا من الأمة الإسلامية بل أدى الأمانة كما وصلت إليه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
بينما ترجم كثير من المستشرقين التأريخ الإسلامي إلى لغتهم وحرّفوا كثيرًا من الحقائق التأريخية وشوّهوها ولكن الله قيّض لهذه الأمة رجالًا كابن العربي والذهبي وابن حجر وابن كثير وابن خلدون والعلامة شاكر ومحب الدين الخطيب ومن جاء من بعدهم فحفظوا لنا تأريخ الأمة فجزاهم الله خيرًا.
ولقد أثنى الباحثون على تسجيل الطبري للأحداث السياسية الجسام التي حدثت لملة الروم وغيرهم قبل الإسلام:
يقول الأستاذ شاكر: إنه كان دقيقًا في تاريخ الروم دقة تدعو إلى العجب مع قلة المصادر حوله في هذا الموضوع فقد ذكر أباطرة الروم والرومان قبلهم حتى عصر هرقل وهم واحد وستون عدا من اشتركوا مع أبنائهم أو غير أبنائهم ومدة حكمهم جميعًا ستة قرون وبضع سنوات ويدهش الباحث من صحة المعلومات التي أوردها ومن دقتها وترتيبها (١).