ذكر الطبري ضمن أحداث سنة ١٢ هـ فتح ميناء الأُبُلة وتمصير البصرة من رواية سيف بن عمر التميمي (الأخباري الضعيف) (٣/ ٣٥٠) ثم علق الطبري نفسه على هذه الرواية فقال: وفي هذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر ﵁ وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله [تاريخ الطبري ٣/ ٣٥٠].
قلت: وقد تحدث الطبري في موضع آخر (٣/ ٥٩٠) عن فتح ميناء الأبلة وتمصير مدينة البصرة بسند صحيح.
وفيما عدا حالات نادرة جدًّا فقد ترك الطبري نقد الرواية التأريخية حتى قال أحد المعاصرين وهو الأستاذ شاكر مصطفى وهو يصف الطبري: [ومما يؤخذ على الطبري في منهجه ضمور النقد عنده وكان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (٢).
_________________
(١) تأريخ الطبري ١/ ٧.
(٢) التأريخ العربي والمؤرخون ٢٥٩.
[ ١ / ٣٩ ]
وبمرور الزمن ظهر بين المحدثين والمؤرخين وحتى الفقهاء والمفسرين من نادى بضرورة تمحيص الروايات التأريخية ابتداءً بالإمام المالكي القاضي ابن العربي ومرورًا بابن تيمية والحافظ الذهبي ثم ابن خلدون والحافظان ابن حجر وابن كثير.
يقول الدكتور محمد السلمي: [ومن أبرز من تصدى لإيضاح المغالط التأريخية وردّ زيوف الروايات المكذوبة، القاضي ابن العربي في كتاب العواصم، والإمام ابن تيمية في كثير من كتبه ورسائله خاصة كتابه القيم منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية وكذا الحافظ الناقد الذهبي في كثير من مؤلفاته التأريخية مثل كتاب سير أعلام النبلاء وتأريخ الإسلام ومشاهير الأعلام وميزان الاعتدال في نقد الرجال وأيضًا الحافظ ابن كثير المفسر المؤرخ في كتابه البداية والنهاية وأيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري وكتاب لسان الميزان وتهذيب التهذيب والإصابة].
قلت: إن نقد الرواية التأريخية والذي تطور أخيرًا ليصل إلى فكرة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ثم بلورة منهج واضح المعالم لهذه الإعادة هي في الحقيقة عمل تراكمي جماعي وكتاب العواصم من القواصم أنموذج صغير ونادر لإعادة كتابة التأريخ دون أن يكون هذا المصطلح معروفًا يومها ولكن الفكرة والمنهج أفصح عند العلامة المؤرخ ابن خلدون الذي مثل في مقدمته منهج المؤرخ الملتزم والذي يعتبر (باعتراف المستشرقين) مؤسس علم التأريخ.
ولا بد لكل باحث يطرق هذا الباب أن تكون لديه فكرة عن منهج ابن خلدون هذا. يقول العلامة ابن خلدون ﵀ وهو يتحدث عن علم التأريخ قائلًا: [فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبه إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط].
ويقول أيضًا: [وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة والوقوف
[ ١ / ٤٠ ]
على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيّما في إحصاء الأعداد في الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردِّها إلى الأصول وعرضها على القواعد (١).
ثم ذكر ابن خلدون بعضًا من الأسباب التي تقتضي الكذب في الأخبار ومنها:
١ - التشيّعات للآراء والمذاهب.
٢ - الثقة بالناقلين.
٣ - الذهول عن المقاصد.
٤ - توهم الصدق.
٥ - الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والضعة.
٦ - التقرّب لأصحاب التجلة والمراتب.
ثم ذكر ابن خلدون في مقدمته أمثلة كثيرة من أمثلة النقد التأريخي ابتداءً من قصص بني إسرائيل وانتهاءً بالخلافة في عهد العباسيين ومنها قصة العبّاسة مع جعفر بن يحيى بن خالد وبيّن ابن خلدون زيف القصة التي حاكها الوضاعون في هذه المسألة ومسألة نكبة البرامكة. وسنعود مرة أخرى للحديث عن منهج ابن خلدون عندما نتناول مسألة التفسير الإسلامي للتأريخ.
قلت: ومن بين الذين ذكرهم الأستاذ السلمي الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر أما الخبر فتناوله للنقد التأريخي واضح من خلال روايات مناقب الصحابة وبعض الأحاديث النادرة في صحيح البخاري حول أحداث الفتنة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.
وأما الذهبي فقد استخدم النقد على نطاق لا بأس به في كتابيه العظيمين تأريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء ولكن الحافظ ابن كثير استعمل النقد أكثر منهما بكثير ولعلّ كتابه القيّم [البداية والنهاية] هي المحاولة الأولى لإعادة كتابة التأريخ
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون / ١٧.
[ ١ / ٤١ ]
الإسلامي برمته وأثناء دراستنا لروايات الطبري ومقارنتها بما ذكره ابن كثير من روايات الطبري وغيره وجدنا الحافظ ابن كثير ناقدًا بصيرًا لأنه محدث مشهور له في علم الحديث وتراجم الرجال ولم يكثر قبله أحد في النقد كما أكثر هو من استخدامه، وتخمينًا لا حصرًا نقول إنه نقد ما يقرب من (٢٠%) من أصل الروايات التأريخية ورجّح وصحح.
وفي القرن الرابع عشر الهجري ومع ظهور كتابات الأستاذ محب الدين الخطيب ومنها تعليقه وتعقبه على كلام ابن العربي في العواصم تعالت الأصوات الصادقة بضرورة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي مع مراعاة شروط منها التفسير الإسلامي للتأريخ.
الخطوط العريضة التي رسمها الأساتذة المعاصرون لإعادة كتابة التأريخ [اعتمادًا على معطيات وذخائر تركها لهم أسلافهم]:
مما لا شك فيه لدى الباحثين في مجال التأريخ الإسلامي تزايد اهتمام أساتذتنا الكرام بوضع منهج واضح المعالم لإعادة كتابة التأريخ الإسلامي وخلال هذا الفصل نستعرض الخطط التي رسمها أبرز من بحثوا في هذه المسألة مع الاستشهاد بمقولات من سبقهم أو عاصرهم وانتهاءً آخر محاولة جادّة في هذا الموضوع وأعني بهذه المحاولة الأخيرة رسالة دكتوراه قدّمها الشيخ الفاضل إبراهيم الشهرزوري بعنوان [مناهج المحدثين في نقد الرواية التأريخية] عام ١٤٢٢ هـ في المعهد العربي للدراسات التأريخية.
ولنبدأ بأبحاث الأستاذ عماد الدين خليل لأنه رسم الخطوط العريضة وأما الأستاذ العمري فقد دخل في التفاصيل وأعطى نماذج عملية إما مباشرة وذلك من خلال كتابيه [صحيح السيرة النبوية] و[عصر الخلافة الراشدة] أو بصورة غير مباشرة عن طريق إشرافه على رسائل جامعية عديدة.
ولعلَّ الرسالة الجامعية [روايات أبي مخنف في تأريخ الطبري] للأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى هي التي فتحت الطريق أمام الرسائل الأخرى التي قاربت العشرين وتناولت جميعًا مرويات الطبري إسنادًا ومتنًا.
كتب أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل فصلًا بعنوان:
[ ١ / ٤٢ ]