وفي هذه السنة وجّه محمد المخلوع عبدَ الرحمن بن جبلة الأبناويّ إلى همَذان لحرب طاهر.
* ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر عبد الله بن صالح أنّ محمدًا لما انتهى إليه قتلُ عليّ بن عيسى بن ماهان، واستباحه طاهر عسكره، وجّه عبد الرحمن الأبناويّ في عشرين ألف رجل من الأبناء، وحمل معه الأموال، وقوّاه بالسلاح والخيل، وأجازه بجوائز، وولَاه
_________________
(١) عن الوقت الذي دعي للمأمون بالخلافة انظر تعليقنا على الخبر (٨/ ٣٩٤/ ٣٩) وقد قال خليفة ومنها أي (١٩٥ هـ) دعي للمأمون بالخلافة بخراسان (تاريخ خليفة/ ٣٠٩).
[ ١٢ / ٦١ ]
حُلوان إلى ما غلب عليه من أرض خُراسان، وندب معه فرسان الأبناء وأهل البأس والنَّجدة والغنَاء وأمره بالإكماش في السيّر، وتقليل اللُّبث والتضجّع، حتى ينزل مدينة هَمَذان، فيسبق طاهرًا إليها، ويخندق عليه وعلى أصحابه، ويجمع إليه آلة الحرب، ويغادي طاهرًا وأصحابه إلى القتال. وبسط يده وأنفذ أمره في كلّ ما يريد العمل به، وتقدّم إليه في التحفّظ والاحتراس، وترك ما عمل به عليّ من الاغترار والتضجّع، فتوجّه عبد الرحمن حتى نزل مدينة هَمَذان، فضبط طرقها، وحصّن سورها وأبوابها، وسدّ ثَلْمها، وحشر إليها الأسواق والصنّاع، وجمع فيها الآلات والميَر، واستعدّ للقاء طاهر ومحاربته. وكان يحيى بن عليّ لما قُتِل أبوه هرب في جماعة من أصحابه، فأقام بين الريّ وهمَذان، فكان لا يمرّ به أحدٌ من فَلِّ أبيه إلا احتبسه، وكان يرى أن محمدًا سيولّيه مكان أبيه، ويوجّه إليه الخيل والرجال، فأراد أن يجمع الفَلّ إلى أن يوافيَه القوة والمدد، وكتب إلى محمد يستمدّه ويستنجده، فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن الأبناويّ، ويأمره بالمقام موضعه، وتلقّى طاهر فيمن معه، وإن احتاج إلى قوة ورجال كتب إلى عبد الرحمن فقوّاه وأعانه.
فلما بلغ طاهرًا الخبرُ توجّه نحو عبد الرحمن وأصحابه، فلما قُرب من يحيى، قال يحيى لأصحابه: إن طاهرًا قد قرُب منّا ومعه مَنْ تعرفون من رجال خُراسان وفرسانها، وهو صاحبكم بالأمس، ولا آمن إن لقيتُه بمن معي من هذا الفَلّ أن يصدَعنا صدعًا يدخل وهَنُه على من خَلْفنا، وأنْ يعتلّ عبد الرحمن بذلك، ويقلّدني به العار والوَهَن والعجز عند أمير المؤمنين، وأن أستنجد به وأقمت على انتظار مدده، لم آمن أن يمسك عنا ضنًّا برجاله وإبقاءً عليهم، وشُحًّا بهم على القتل، ولكن نتزاحف إلى مدينة هَمَذان فنعسكر قريبًا من عبد الرحمن، فإن استعنّا به قرب منَّا عونُه، وإن احتاج إلينا أعنَّاه وكنّا بفنائه، وقاتلنا معه. قالوا: الرأي ما رأيتَ، فانصرف يحيى، فلمَّا قرب من مدينة هَمَذَان خذله أصحابُه، وتفرّق أكثر من كان اجتمع إليه، وقصد طاهرٌ لمدينة همَذان، فأشرف عليها، ونادى عبد الرحمن في أصحابه، فخرج على تعبية، فصادف طاهرًا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان جميعًا، وكثر القتلى والجرحى فيهم، ثم إنّ عبد الرحمن انهزم، فدخل مدينة هَمَذان، فأقام بها أيامًا
[ ١٢ / ٦٢ ]
حتى قويَ أصحابُه، واندمل جراحهم، ثم أمر بالاستعداد، وزحف إلى طاهر، فلمّا رأى طاهر أعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا، قال لأصحابه: إنّ عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإن قربتم منه قاتلكم، فإن هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها، وقاتلكم على خندقها، وامتنع بأبوابها وسورها، وإن هزمكم اتّسع لهم المجال عليكم، وأمكنتهُ سعة المعترك من قتالكم، وقتل من انهزم وولّى منكم، ولكن قفُوا من خندقنا وعسكرنا قريبًا، فإن تقارب ما قاتلناه، وإن بعُد من خندقهم قَرُبنا منه. فوقف طاهر مكانَه، وظنّ عبد الرحمن أنّ الهيبة بطّأت به من لقائه والنهود إليه، فبادر قتاله فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر طاهر، وأكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل عبد الرحمن يقول لأصحابه: يا معشرَ الأبناء، يا أبناء الملوك وألفاف السيوف، إنهم العجم، وليسوا بأصحاب مطاوَلة ولا صبر، فاصبروا لهم فداكم أبي وأمي! وجعل يمرّ على راية راية، فيقول: اصبروا، إنما صبرنا ساعة، هذا أول الصّبر والظَّفَر. وقاتل بيديه قتالًا شديدًا، وحمل حمَلات منكرة ما منها حملة إلا وهو يكثْر في أصحاب طاهر القتل، فلا يزول أحدٌ ولا يتزحزح. ثم إنّ رجلًا من أصحاب طاهر حمل على أصحاب علم عبد الرحمن فقتله، وذحمهم أصحاب طاهر ذحمةً شديدة، فولَّوْهم أكتافهم، فوضعوا فيهم السيوف، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهواْ بهم إلى باب مدينة هَمَذان، فأقام طاهر على باب المدينة محاصرًا لهم وله، فكان عبد الرحمن يخرج في كلّ يوم فيقاتل على أبواب المدينة، ويرمي أصحابه بالحجارة من فوق السور، واشتدّ بهم الحصار، وتأذّى بهم أهلُ المدينة، وتبرّموا بالقتال والحرب، وقطع طاهر عنهم المادّة من كلّ وجه. فلما رأى عبد الرحمن، ورأى أصحابه قد هلكوا وجَهدوا، وتخوف أن يثب به أهلُ هَمَذان أرسل إلى طاهر فسأله الأمان له ولمن معه، فآمنه طاهر ووفى له، واعتزل عبد الرحمن فيمن كان استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن عليّ (١).
_________________
(١) هذا الخبر الطويل الذي أورده الطبري استغرق الصفحات [٤١٢ - من قوله توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهر - إلى قوله في بداية الصفحة ٤١٥ - استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن علي - السطر الثاني] وله ما يؤيده عند الدينوري ولكن باختصار =
[ ١٢ / ٦٣ ]