ذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره (٢).
ذكر أبو حفص الكِرمانيّ، قال: كان أوّل خبر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب أنه ظهر بالدّيْلم، واشتدّت شوكته، وقويَ أَمرُه، ونزع إليه الناس من الأمصار والكُور، فاغتمّ لذلك الرّشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النّبيذ، فندب إليه الفضلَ بن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القوّاد، وولّاه كور الجبال والرَّيّ وجُرجان وطَبَرِستان وقومِس ودُنْبَاوند والرُّويان، وحُملت معه الأموال، ففرّق الكور على قوّاده، فولَّى المثنّى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طَبَرِستان، وولّى عليّ بن الحجاج الخُزأعيّ جُرجان، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعسكر بالنَّهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم فأكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرَّق فيهم أموالًا كثيرة. وشخص الفضلُ بن يحيى، واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين، تجرِي كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم، لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم. ثُّم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبِرّ واللطف والجوائز والخِلَع، فكاتب يحيى ورفَق به واستماله، وناشده وحذَّره، وأشار عليه، وبسط أمله، ونزل الفضل بطالَقان الريّ وَدسْتَبى بموضع يقال له أشبّ، وكان شديدَ البرد كثير الثلوج، ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقيّ:
لَدُورُ أَمْسَ بالدُولا بِ حيثُ السِّيبُ يَنعرجُ
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ٩٩].
(٢) انظر: المنتظم (٩/ ١٧)، والبداية والنهاية [٨/ ١٠٠].
[ ١١ / ١٨٢ ]
أحبُّ إليَّ مِنْ دور أَشَبَّ إِذا همُ ثَلَجُوا
قال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواترَ كتبه على يحيى، وكاتب صاحب الدّيْلم، وجعل له ألف ألف درهم، على أن يسهّل له خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطِّه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسَرّه وعظُم موقعه عنده، وكتب أمانًا ليحيى بن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجِلّة بني هاشم ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن عليّ والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومَنْ أشبههم، ووجَّه به مع جوائز وكَرامات وهدايا، فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرّشيد بكلّ ما أحبّ، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقًا سنتة، وأنزله منزلًا سريًّا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيامًا، وكان يتولَّى أمرَه بنفسه، ولا يَكِلُ ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغايَة في إكرام الفضل، ففي ذلك يقول مَرْوان بن أبي حفصة:
ظَفِرتَ فلا شَلَّتْ يدٌ بَرْمَكيَّةٌ رَتَقْتَ بها الفَتْقَ الذي بين هاشِم
على حين أَعْيَا الراتقينَ التِئامُهُ فكَفُّوا وقَالُوا لَيَس بالمتلائم
فأَصْبَحْتَ قَد فازَتْ يداك بخُطَّةٍ من المجدِ باقٍ ذكرها في الْمَوَاسِم
وما زالَ قِدْحُ المُلك يَخْرُجُ فائزًا لكمْ كلَّما ضُمَّتْ قِداحُ المُساهِمِ
قال: وأنشدني أبو ثُمامة الخطيب لنفسه فيه:
للفضل يومُ الطَّالَقَانِ وقبلهُ يومٌ أَناخَ بهِ على خاقانِ
ما مثلُ يَوْمَيْهِ اللَّذيْن تَواليَا في غَزْوَتَيْن تَوَالتَا يَوْمَان
سَدَّ الثغُور وَردَّ أُلفَةَ هاشِمٍ بعدَ الشَّتاتِ، فَشَعْبُها مُتَدَان
عصمَتْ حكومَتُهُ جَمَاعَةَ هاشِمٍ مِنْ أَنْ يُجَرَّد بينها سَيْفَان
تِلْكَ الْحكومةُ لَا التي عن لَبْسها عَظُمَ النَّبَا وتفرّقَ الحكَمانِ
فأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنّى إبراهيم به.
وذكر أحمد بن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لما قدِم يحيى بن عبد الله من الدّيْلم أتيتُه، وهو في دار
[ ١١ / ١٨٣ ]
عليّ بن أبي طالب، فقلت: يا عمّ، ما بعدك مُخْبِر ولا بعدي مخْبَر، فأخبِرْني خبرَك، فقال: يا بن أخي، والله إن كنت إلَا كما قال حُيَيّ بن أخطب:
لعمْركَ ما لام ابنُ أَخطَب نفسَهُ ولكنّهُ من يَخذُلِ اللهُ يُخذَل
لجَاهَدَ حتى أَبلغَ النفس حَمْدَها وقلقلَ يَبغي العِزَّ كلَّ مقلقَل
وذكر الضّبيّ أن شيخًا من النوفليّين، قال: دخلنا على عيسى بن جعفر، وقد وُضِعت له وسائد بعضها فوق بعض، وهو قائم متّكئ عليها، وإذا هو يضحك من شيء في نفسه، متعجِّبًا منه، فقلنا: ما الذي يُضحك الأمير أدام الله سروره! قال: لقد دخلني اليوم سرورٌ ما دخلني مثله قطّ، فقلنا: تمم الله للأمير سروره، وزاده سرورًا. فقال: والله لا أحدّثكم به إلا قائمًا - واتكأ على الفرش وهو قائم - فقال: كنت اليومَ عند أمير المؤمنين الرّشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله، فأخْرِج من السجن مكبَّلًا في الحديد، وعنده بكَّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكّار شديدَ البغض لآل أبي طالب، وكان يبلغ هارون عنهم، ويسيء بأخبارهم، وكان الرّشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم - قال: فلما دُعِيَ بيحيى قال له الرّشيد: هيهْ هيهْ! متضاحكًا، وهذا يزعم أيضًا أنا سممناه! فقال يحيى: ما معنى يزعم؟ ها هُو ذا لساني - قال: وأخرج لسانه أخضرَ مثل السِّلق - قال: فتربّد هارون! واشتدّ غضبُه، فقال يحيى: يا أميرَ المؤمنين، إن لنا قرابة ورحِمًا، ولسنا بتُرْكٍ ولا ديْلم، يا أمير المؤمنين، إنا وأنتم أهلُ بيت واحد، فأذكِّرك اللهَ وقرابتَنا من رسول الله - ﷺ -! علام تَحْبِسني وتعذّبني؟ قال: فرقّ له هارون، وأقبل الزُّبيري على الرّشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرّك كلام هذا، فإنه شاقٌّ عاصٍ، وإنما هذا منه مكر وخُبث، إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر فيها العصيان. قال: فأقبل يحيى عليه، فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال: أفسِد عليكم مدينتَكم! ومَنْ أَنتم عافاكم الله! قال الزّبيريّ: هذا كلامه قدّامك، فكيف إذا غاب عنك! يقول: ومَنْ أنتم! استخفافًا بنا. قال: فأقبل عليه يحيى، فقال: نعم، ومَنْ أنتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجرَ عبد الله بن الزّبير أمْ مهاجَر رسول الله - ﷺ -؟ ومَنْ أنت حتى تقول: أفسد علينا مدينتنا! وإنما بآبائي وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة. ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، إنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا،
[ ١١ / ١٨٤ ]
ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا، فوجدنا بذلك مقالًا فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالًا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفَضْل. يا أمير المؤمنين، فلمَ يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك، يسعى بهم عندك! إنه والله ما يَسعى بنا إليك نصيحةً منه لك، وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا، إنما يريد أن يباعِد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض. والله يا أميرَ المؤمنين، لقد جاء إليّ هذا حيث قُتِل أخي محمد بن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله! وأنشدني فيه مرثيةً قالها نحوًا من عشرين بيتًا، وقال: إن تحرَّكتَ في هذا الأمر فأنا أوّل مَنْ يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة، فأيدينا مع يدك!
قال: فتغيّر وجه الزّبيريّ واسودّ، فأقبل عليه هارون، فقال: أيّ شيء يقول هذا؟ قال: كاذب يا أميرَ المؤمنين، ما كان ممّا قال حرف. قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال: تروِي القصيدةَ التي رثاه بها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله! قال: فأنشدها إياه، فقال الزّبيريّ: والله يا أميرَ المؤمنين الذي لا إله إلا هو - حتى أتى على آخر اليمين الغَمْوس - ما كان مما قال شيء، ولقد تقوّل عليّ ما لم أقل. قال: فأقبل الرّشيد على يحيى بن عبد الله، فقال: قد حلَف، فهل من بيّنة سمعوا هذه المرثية منه؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أستحلفه بما أريد، قال: فاستحلفْه، قال: فأقبل على الزبيريّ، فقال: قل: أنا بريء من حوْل الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتي، إن كنت قلتُه. فقال الزبيريّ: يا أميرَ المؤمنين، أيّ شيء هذا من الحلف! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو، ويستحلفني بشيء لا أدري ما هو! قال يحيى بن عبد الله: يا أميرَ المؤمنين، إن كان صادقًا فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به! فقال له هارون: احلِفْ له ويلك! قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتي، قال: فاضطرب منها وأرعِد، فقال يا أميرَ المؤمنين، ما أدري أيّ شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت له بالعظيم أعظم الأشياء! قال: فقال هارون له: لتحلفنّ له أو لأصدّقنّ عليك ولأعاقبنَّك، قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته، موكّل إلى حولي وقوّتي إن كنت قلته. قال: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج، فمات من ساعته.
[ ١١ / ١٨٥ ]
قال: فقال عيسى بن جعفر: والله ما يسرّني أن يحيى نقصه حرفًا ممّا كان جرى بينهما، ولا قصّر في شيء من مخاطبته إياه.
قال: وأما الزبيريّون فيزعمون أن امرأته قتلته، وهي من ولد عبد الرحمن بن عوف (١).
وذكر إسحاق بن محمد النَّخعيّ أنّ الزبير بن هشام حدّثه عن أبيه، أن بكّار بن عبد الله تزوّج امرأةً من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان له من قلبها موضع، فاتّخذ عليها جارية، وأغارها، فقالت لغلامين له زِنجييّن: إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق - ولاطَفتْهما - فتعاوناني على قتله؟ قالا: نعم، فدخلتْ عليه وهو نائم، وهما جميعًا معها، فقعدا على وجهه حتى مات. قال: ثم إنها سقتهما نبيذًا حتى تهوّعا حول الفراش، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنِّينة، فلما أصبح اجتمع أهلُه، فقالت: سكر فقاء فشرِق فمات. فأخِذ الغلامان، فضُرِبا ضربًا مبرّحًا، فأقرّا بقتله، وأنّها أمرتهما بذلك، فَأخرِجت من الدار ولم تُوَرّثْ.
وذكر أبو الخطاب أنّ جعفر بن يحيى بن خالد حدّثه ليلة وهو في سَمَرِه، قال: دعا الرّشيد اليومَ بيحيى بن عبد الله بن حسن، وقد حضره أبو البختريّ القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان؟ أصحيح هو؟ قال: هو صحيح، فحاجّه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع بالأمان؟ لو كان محاربًا ثم وُلِّيَ كان آمنًا. فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم سأل أبا البختريّ أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختريّ: هذا منتقَض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة، وأنت أعلم بذلك، فمزّق الأمان، وتفل فيه أبو البختريّ - وكان بكّار بن عبد الله بن مصعب حاضرًا المجلس - فأقبل على يحيى بن عبد الله بوجْهِه، فقال: شققتَ العصا، وفارقت الجماعة، وخالفت كلمتنا، وأردت خليفتنا، وفعلت بنا وفعلت. فقال يحيى: ومَنْ أنتم رحمكم الله! قال جعفر: فوالله ما تمالَك الرشيد أن ضحك ضحكًا شديدًا. قال: وقام يحيى ليمضي إلى الحبس، فقال له الرّشيد: انصرف،
_________________
(١) لا تثبت هذه الأمور بمثل هذه الأسانيد.
[ ١١ / ١٨٦ ]
أما تروْن به أثر علة! هذا الآن إن مات قال الناس: سَمّوه. قال يحيى: كلّا ما زلتُ عليلًا منذ كنت في الحبس، وقبل ذلك أيضًا كنت عليلًا. قال أبو الخطاب: فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهرًا حتى مات (١).
وذكر أبو يونس إسحاق بن إسماعيل، قال: سمعتُ عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ، الذي يعرف بالخطيب، قال كنتُ يومًا على باب الرّشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم من الجُنْد والقُوّاد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده، قال: فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي، فقال له: ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إليّ، فقال: ادخل، فدخلتُ فإذا أنا بالرّشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إليّ أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد، فاستأذنتُ لك لكثرةِ مَنْ رأيتُ حضر الباب، فإذا دخلتَ هذا المدخل زادك ذلك نُبْلًا عند الناس. فما مكثنا إلا قليلًا حتى جاء الفضل بن الربيع، فقال: إن عبد الله بن مصعب الزبيريّ يستأذن في الدخول، فقال: إنِّي لا أريد أن أدخِل اليوم أحدًا، فقال: قال: إنّ عندي شيئًا أذكره. فقال: قل له يَقُلْهُ لك، قال: قد قلت له ذلك، فزعم أنه لا يقوله إلّا لك، وقال: أدخِله. وخرج ليُدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها، وأقبل عليّ أبي، فقال: إنّه ليس عنده شيء يذكره، وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم مَنْ على الباب أنّ أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصّة خُصِصنا بها، وإنما أدخلنا لأمرٍ نُسأل عنه كما دخل هذا الزبيريّ.
وطلع الزّبيريّ، فقال: يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره، فقال له: قل، فقال له: إنه سرٌّ، فقال: ما من العباس سِرّ، فنهضت، فقال: ولا منك يا حبيبي، فجلست، فقال: قُلْ، فقال: إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التي تنام معه، وخادمه الذي يناوله ثيَابه وأخصّ خلق الله به من قوّاده، وأبعدهم منه. قال: فرأيتُه قد تغيّر لونه، وقال: مماذا؟ قال: جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يبقِ على بابك أحدًا إلا وقد أدخله في الخلاف عليك. قال: فتقول له هذا في وجهه! قال: نعم، قال الرشيد: أدخِلْه، فدخل، فأعاد القول
_________________
(١) لا تثبت هذه المحاورة بإسناد فتكون في شخص واحد لم يلق الطبري ولم يحضر هو هذه الجلسة. والحمد لله على نعمة الإسناد.
[ ١١ / ١٨٧ ]
الذي قاله له، فقال يحيى بن عبد الله: والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقلّ منك فيمن هو أكبر مني، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدًا، ولي رحِم وقرابة، فلم لا تؤخّر هذا الأمر ولا تعجّل، فلعلك أن تكفى مؤنتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحِمك من حيث لا تعلمه! أباهِلُهُ بين يديك وتصبر قليلًا. فقال: يا عبد الله، قم فصلِّ إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلَّى ركعتين خفيفتين، وصلى عبد الله ركعتين، ثم برَك يحيى، ثم قال: ابْرُك، ثم شبّك يمينَه في يمينه، وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني دعوتُ عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا - ووضع يده عليه، وأشار إليه - فاسحتْني بعذاب من عندك وكِلْني إلى حوْلي وقوّتي، وإلا فكِله إلى حَوْله وقوّته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين ربّ العالمين. فقال عبد الله: آمين ربّ العالمين، فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: قل كما قلت، فقال عبدُ الله: اللهمّ إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعُني إلى الخلاف على هذا فكِلْني إلى حولي وقوّتي واسحتني بعذاب من عندك، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من عندك. آمين رب العالمين! .
وتفرّقا، فأمر بيحيى فحبِس في ناحية من الدار، فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي، فقال: فعلتُ به كذا وكذا، وفعلتُ به كذا وكذا، فعدد أياديه عليه، فكلّمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور، خوفًا على نفسه، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا. فدخلت مع أبي أنزعُ عنه لباسَه من السواد - وكان ذلك من عادتي - فبينما أنا أحلّ عنه منطقته، إذ دخل عليه الغلام، فقال: رسولُ عبد الله بن مصعب، فقال أدخِلْه، فلما دخل قال له: ما وراءك؟ قال: يقول لك مولاي، أنشدك الله إلّا بلغتَ إليّ! فقال أبي للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت، وقد وجّهتُ إليك بعبد الله، فما أردتَ أن تلقيَه إليّ فألقه إليه، وقال للغلام: اخرج فإنه يخرج في أثرك، وقال لي: إنّما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك، فإن أعَنْتُه قطعت رحِمي من رسول الله - ﷺ -، وإن خالَفته سعى بي، وإنما يتدرّق الناس بأولادهم، ويتّقون بهم المكاره، فاذهب إليه، فكلّ ما قال لك فليكنْ جوابك له أخْبِرُ أبي، فقد وجّهتك وما آمن عليك، وقد كان قال لي أبي حين انصرفنا - وذاك أنا احتبسنا
[ ١١ / ١٨٨ ]
عند الرّشيد: أمَا رأيتَ الغلام المعترض في الدّار! لا والله ما صُرِفْنا حتى فرغ منه - يعني يحيى - إنا لله وإنا إليه راجعون! وعند الله نحتسب أنفسنا. فخرجت مع الرسول، فلما صرْتُ في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدُم عليه، قلت للرسول: ويحك! ما أمْرُه! وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت! فقال: إنّه لما جاء من الدار، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطني بطني! ! .
قال عبد الله بن عباس: فما حفلتُ بهذا الكلام من قوِل الغلام، ولا التفت إليه، فلما صرنا على باب الدرب - وكان في درب لا منفذ له - فتح البابين، فإذا النّساء قد خرجْنَ منشوراتِ الشعور محْتزمات بالحبال، يلطمن وجوههنّ وينادين بالوَيْل، وقد مات الرجل، فقلت: والله ما رأيتُ أمرًا أعجبَ من هذا! وعطفت دابَتي راجعًا أركض ركضًا لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية، والغلمان والحشَم ينتظرونني لتعلُّق قلب الشيخ بي، فلما رأوْني دخلوا يتعادَوْن، فاستقبلني مرعوبًا في قميصٍ ومنديل، ينادي: ما وراءك يا بني؟ قلت: إنه قد مات، قال: الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيّانا منه، فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرّشيد يأمر أبي بالركوب وإيّاي معه. فقال أبي ونحن في الطريق نسير: لو جاز أن يُدَّعى ليحيى نبوّة لادّعاها أهلُه، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا والله ما نشكّ في أنه قد قتل. فمضينا حتى دخلنا على الرِّشيد، فلما نظر إلينا قال: يا عباس بن الحسن، أما علمت بالخبر؟ فقال أبي: بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووَقاك الله يا أمير المؤمنين قَطْع أرحامِك. فقال الرّشيد: الرجل والله سليم على ما يحبّ، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبينُ الارتياع في الشيّخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدّوك الجبار! قال: الحمدُ لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوّه عليّ، وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أميرَ المؤمنين، لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلحُ له وأريده فكيف ولَسْتُ بطالب له ولا مُريده، ولو لم يكن الظفر به إلّا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقوّيت به عليك أبدًا! وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبتَ له عشرة آلاف درهم، ثم طمع منّي في زيادة تمرة لباعَك بها. فقال: أمّا العباسيّ فلا تقل له إلا خيرًا، وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم.
[ ١١ / ١٨٩ ]
قال أبو يونس: كان هارون حبَسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار.
* * *