وكان السبب في إرادة موسى الهادي خلْع أخيه هارون حتى اشتدّ عليه في ذلك وجدّ - فيما ذكر صالح بن سليمان - أنّ الهاديَ لما أفضت إليه الخلافة أقرّ يحيى بن خالد على ما كان يلي هارون من عمل المغرب، فأراد الهادي خلعَ هارون
[ ١١ / ١٥٤ ]
الرشيد والبيْعة لابنه جعفر بن موسى الهادي، وتابعه على ذلك القوّاد، منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وعليّ بن عيسى ومَنْ أشبههم، فخلعوا هارون، وبايعوا لجعفر بن موسى، ودسُّوا إلى الشيعة، فتكلموا في أمره، وتنقَّصوه في مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به، وصعب أمرهم حتى ظهر، وأمر الهادي ألَّا يسارَ قدّامَ الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن أحدٌ يجترئ أن يسلِّم عليه ولا يقربه.
وكان يحيى بن خالد يقوم بإنزال الرّشيد ولا يفارقه هو وولده - فيما ذكر -. قال صالح: وكان إسماعيل بن صُبيح كاتب يحيى بن خالد، فأحبّ أن يضعه موضعًا يستعلم له فيه الأخبار، وكان إبراهيم الحرّانيّ في موضع الوزارة لموسى، فاستكتب إسماعيل ورفع الخبر إلى الهادي، وبلغ ذلك يحيى بن خالد، فأمر إسماعيل أن يشخص إلى حرَّان، فسار إليها، فلما كان بعد أشهر سأل الهادي إبراهيم الحرانيّ: مَن كاتبك؟ قال: فلان كاتب، وسمّاه، فقال: أليس بلغني أن إسماعيل بن صُبيح كاتبك؟ قال: باطلٌ يا أمير المؤمنين، إسماعيل بحرّان.
قال: وسُعِيَ إلى الهادي بيحيى بن خالد، وقيل له: إنه ليس عليك من هارون خلاف، وإنما يفسده يحيى بن خالد، فابعث إلى يحيى، وتهدَّدْه بالقتل، وارمِه بالكفر، فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد.
وذكر أبو حفص الكرمانيّ أن محمد بن يحيى بن خالد حدّثه، قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلًا، فأيِس من نفسه، وودَّع أهله، وتحنَّط وجدّد ثيابه، ولم يشكّ أنه يقتله، فلمّا أدخِل عليه، قال: يا يحيى، مالي ولك! قال: أنا عبدُك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته. قال: فلمَ تدخل بيني وبين أخي وتفسده عليّ! قال: يا أمير المؤمنين، مَنْ أنا حتى أدخل بينكما! إنما صيرني المهديّ معه، وأمرني بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به، ثم أمرتَني بذلك فانتهيت إلى أمرك. قال: فما الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئًا، ولا ذلك فيه ولا عنده. قال: فسكن غضبُه. وقد كان هارون طاب نفسًا بالخلع، فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء، فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي! وكان هارون يجدُ بأمّ جعفر وجْدًا شديدًا، فقال له يحيى:
[ ١١ / ١٥٥ ]
وأين هذا من الخلافة! ولعلك ألا يُتْرَك هذا في يدك حتى يخرج أجمَع، ومنعه من الإجابة.
قال الكرمانيّ: فحدّثني صالح بن سليمان، قال: بعث الهادي إلى يحيى بن خالد وهو بعيساباذ ليلًا، فراعه ذلك، فدخل عليه وهو في خَلْوة، فأمِر بطلب رجل كان أخافه، فتغيّب عنه، وكان الهادي يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون، فنادمه وكلّمه يحيى فيه، فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر في يده، وقال: هذا أمانة، وخرج يحيى فطلب الرّجل، وأتى الهادي به فسرّ بذلك.
قال: وحدّثني غير واحد أنّ الرجل الذي طلبه كان إبراهيم الموصليّ.
قال صالح بن سليمان: قال الهادي يومًا للربيع: لا يدخل عليّ يحيى بن خالد إلا آخر الناس. قال: فبعث إليه الرّبيع، وتفرّغ له. قال: فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد، ودخل عليه يحيى، وعنده عبد الصمد بن عليّ والعبّاس بن محمد وجِلّةُ أهله وقُوّاده، فما زال يُدنِيه حتى أجلسه بين يديه، وقال له: إني كنت أظلمك وأكفرك، فاجعلني في حلّ، فتعجب الناس من إكرامه إياه وقوله، فقبَّل يحيى يده وشكر له، فقال له الهادي: مَنْ الذي يقول فيك يا يحيى:
لو يَمَسُّ البَخِيلُ راحةَ يحيى لَسَخَتْ نَفْسُه بِبَذْلِ النَّوالِ
قال: تلك راحتُك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك!
قال: وقال يحيى للهادي في خلع الرّشيد لما كلمه فيه: يا أميرَ المؤمنين، إنك إن حملت الناس على نكْث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتَهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر مِنْ بعده كان ذلك أوكدَ لبيعته، فقال: صدقت ونصحت، ولي في هذا تدبير.
قال الكِرمانيّ: وحدثني خزيمة بن عبد الله، أمر الهادي بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلْع الرشيد، فرفع إليه يحيى رقعة: إنّ عندي نصيحة، فدعا به، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أخْلِني، فأخلاه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر - أسأل الله ألّا: نبلغه، وأن يقدّمنا قبله - أتظنّ أنّ الناس يسلِمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحُلُم، ويرْضَوْن به لصلاتهم وحَجِّهم وغزوهم! قال: والله ما أظنّ ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، أفتأمن أن يسمَو إليها
[ ١١ / ١٥٦ ]
أهلك وجِلَّتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ فقال له: نبَّهتَني يا يحيى - قال: وكان يقول: ما كلمَّتُ أحدًا من الخلفاء كان أعقلَ من موسى - قال: وقال له: لو أن هذا الأمر لم يعقَد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقِده له، فكيف بأن تحلّه عنه، وقد عقده المهديّ له! ولكن أرى أن تُقِرّ هذا الأمر يا أميرَ المؤمنين على حاله، فإِذا بلغ جعفر، وبلغ الله به، أتيتَ! بالرّشيد فخلع نفسه، وكان أول مَنْ يبايعه ويعطيه صفقة يده. قال: فقبل الهادي قوله ورأيَه، وأمر بإطلاقه.
وذكر الموصليّ عن محمد بن يحيى، قال: عزم الهادي بعد كلام أبي له على خلْع الرشيد، وحمَله عليه جماعة من مواليه وقوّاده، أجابه إلى الخلع أو لم يُجِبْه، واشتد غضبه منه، وضيَّق عليه. وقال يحيى لهارون: استأذنه في الخروج إلى الصَّيْد، فإذا خرجتَ فاستبعد ودافع الأيام، فرفع هارون رقعة يستأذن فيها، فأذن له، فمضى إلى قصر مقاتل، فأقام به أربعين يومًا حتى أنكر الهادي أمرَه وَغمّه احتباسُه، وجعل يكتب إليه ويصرفُه، فتعلّل عليه حتى تفاقم الأمر، وأظهر شتمه، وبسط مواليه وقوّادُه ألسنتَهم فيه، والفضل بن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه، والرّشيد بالباب، فكان يكتب إليه بذلك، وانصرف وطال الأمر.
قال الكرمانيّ: فحدّثني يزيد مولى يحيى بن خالد، قال: بعثت الخيزران عاتكة - ظئرًا كانت لهارون - إلى يحيى، فشقّت جيبها بين يديه، وتبكي إليه وتقول له: قالت لك السيدة: الله اللهَ في ابني لا تقتله، ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه، فبقاؤه أحبّ إليّ من الدنيا بجُمْع ما فيها. قال: فصاح بها، وقال لها: وما أنت وهذا! إن لم يكن ما تقولين فإني وولدي وأهلي سنقْتَلُ قبله، فإن اتُّهمت عليه فلست بمتَّهم على نفسي ولا عليهم. قال: ولمَّا لم ير الهادي يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذَل له من إكرام وإقطاع وصلة، بعث إليه يتهدّده بالقتل إن لم يكفّ عنه. قال: فلم تزل تلك الحال من الخوْف والخطر، وماتت أم يحيى وهو في الخُلْد ببغداد، لأن هارون كان ينزل الخُلْد، ويحيى معه، وهو وليّ العهد، نازل في داره يلقاه في ليله ونهاره.
وذكر محمد بن القاسم بن الرّبيع، قال: أخبرني محمد بن عمرو الروميّ، قال: حدّثني أبي، قال: جلس موسى الهادي بعد ما ملك في أوّل خلافته جلوسًا
[ ١١ / ١٥٧ ]
خاصًّا، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلْم بن قُتيبة والحرّانيّ، فجلسوا عن يساره، ومعهم خادم له أسود يقال له أسلَم، ويكنى أبا سليمان، وكان يثِق به ويقدّمه، فبينا هو كذلك، إذ دخل صالح صاحب المصلّى، فقال: هارون بن المهديّ، فقال: ائذن له، فدخل فسلم عليه، وقبّل يديْه، وجلس عن يمينه بعيدًا من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك، ثم التفت إليه، فقال: يا هارون، كأني بك تحدِّث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمِّل ما أنت منه بعيد، ودون ذلك خَرْط القتاد، تؤمِّل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه، وقال: يا موسى، إنك إن تجبرتَ وُضعتَ، وإن تواضعتَ رُفعتَ، وإن ظَلَمْت خُتِلت، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إليّ، فأُنْصِف مَنْ ظلمتَ، وأصِل مَنْ قطعتَ، وأصيِّر أولادك أعلى من أولادي، وأزوّجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حقّ الإِمام المهديّ. قال: فقال له موسى: ذلك الظنّ بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا منه، فقبَّل يديه، ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل - أعني أباك المنصور - لا جلستَ إلّا معي، وأجلسه في صدر المجلس معه، ثم قال: يا حَرّانيّ، احمل إلى أخي ألف ألف دينار، وإذا افتتح الخراج فاحْمِل إليه النصف منه، واعرضْ عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخِذ من أهل ابيت اللعنة، فيأخذ جميع ما أراد. قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: أدنِ دابته إلى البساط. قال عمرو الروميّ: وكان هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: ياسيّدي، ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال المهديّ: أرِيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبًا وإلى هارون قضيبًا، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلًا، فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخرِه. فدعا المهديّ الحكَم بن موسى الضمريّ - وكان يكنى أبا سفيان - فقال له: عبِّر هذه الرؤيا، فقال: يملّكان جميعًا، فأما موسى فتقلّ أيامه، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة، وتكون أيامُه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر. قال: ولم يلبث إلَّا أيامًا يسيرة، ثم اعتل موسى ومات، وكانت علّته ثلاثة أيام.
قال عمرو الروميّ: أفضت الخلافة إلى هارون، فزوّج حمدونة من جعفر بن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووَفَّى بكلّ ما قال، وكان دهرُه أحسن الدهور.
[ ١١ / ١٥٨ ]
وذُكر أنّ الهاديَ كان قد خرج إلى الحديثة، حديثة الموصل، فمرض بها، واشتدّ مرضُه، فانصرف. فذكر عمرو اليشكريّ - وكان في الخدم - قال: انصرف الهادي من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقًا وغربًا بالقدوم عليه، فلما ثقُلِ اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه، فقالوا: إن صار الأمر إلى يحيى قتَلنا ولم يستبقنا، فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي، فيضرب عنقه. ثم قالوا: لعلّ أمير المؤمنين يُفيق من مرضه، فما عُذْرنا عنده! فأمسكوا. ثم بعثت الخيزُران إلى يحيى تعلِمه أنّ الرجل لمآبِه، وتأمره بالاستعداد لما ينبغي، وكانت المستوليةَ على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك، فأحضِر الكتَّاب وجُمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا لليلتهم كتبًا من الرشيد إلى العمَّال بوفاة الهادي، وأنهم قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلُون، فلما مات الهادي أنْفذوها على البُرُد.
وذكر الفضل بن سعيد، أنّ أباه حدّثه أنَّ الخيزُران كانت قد حلفتْ ألّا تكلم موسى الهادي، وانتقلت عنه، فلما حضرتْه الوفاة، وأتاها الرّسول فأخبرها بذلك، فقالت: وما أصنع به؟ فقالت لها خالصةُ: قومي إلى ابنك أيتها الحرّة، فليس هذا وقت تعتُّب ولا تغضّب. فقالت: أعطوني ماءً أتوضّأ للصلاة، ثم قالت: أما إنَّا كنا نتحدّث أنه يموت في هذه الليلة خليفةٌ، ويملك خليفة، ويولَد خليفة، قال: فمات موسى، وملَك هارون، وولد المأمون.
قال الفضل: فحَدّثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله، فساقه لي مثل ما حدثنيه أبي، فقلت: فمن أين كان للخيزُران هذا العلم؟ قال: إنها كانت قد سمعت من الأوزاعيّ.
ذكر يحيى بن الحسن أنّ محمد بن سليمان بن عليّ حدثه، قال: حدثتْني عمّتي زينب ابنة سليمان، قالت: لما مات موسى بعيساباذ، أخبرتْنا الخيزُران الخبر، ونحن أربع نسوة، أنا وأختي وأمّ الحسن وعائشة، بُنيّات سليمان، ومعنا رَيْطة أمّ عليّ، فجاءت خالصة، فقالت لها: ما فعل الناس؟ قالت: يا سيدتي، مات موسى ودفنوه، قالت: إن كان مات موسى، فقد بقي هارون، هات لي سَويقًا، فجاءت بسَويق، فشربت وسقتنا، ثم قالت: هات لساداتي أربعمائة ألف دينار، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟ قالت: حلف ألّا يُصلِّيَ
[ ١١ / ١٥٩ ]
الظهرَ إلا ببغداد. قالت: هاتوا الرّحائل، فما جلوسي ها هنا، وقد مضى! فلحقته ببغداد.
* * *
وذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلًا جسيمًا جميلًا أبيض، مشرَبًا حُمرة، وكان بشفته العليا تقلُّص، وكان يلقب موسى أطبْق، وكان ولد بالسِّيروان من الريّ.
* * *