وعن السبب الذي من أجله فعل ذلك طاهر:
أما السبب في ذلك فإنه - فيما ذكر - كان أنّ طاهرًا لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم، مضه ذلك وشق عليه؛ لأنه
[ ١٢ / ١٠٥ ]
لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه؛ فلما شق عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشام وباب الكوفة، إلى الصراة وأرجاء ابي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة؛ وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم، ويحوى في كل يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة؛ وجعل أصحاب محمد ينقصون، ويزيدون؛ حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون؛ فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد، ويكونون أضرَّ على أصحابهم من أصحاب طاهر تعديًا؛ فقال شاعر منهم - وذكر أنه عمرو بن عبد الملك الورّاق العتري - في ذلك:
لنا كلَّ يوم ثُلمةٌ لا نَسُدُّها يزيدونَ فيما يَطلبونَ ونَنقُصُ
إذَا هَدموا دارًا أَخذنا سُقوفَها ونحن لأُخرى غيرِها نتربَّصُ
وإن حَرصوا يومًا على الشَّرِّ جُهْدَهمْ فغوغاؤنا منهمْ على الشرّ أَحرَصُ
فقد ضيَّقوا من أَرضنا كلَّ واسعٍ وصار لهم أَهل بها، وتعرَّصوا
يثيرونَ بالطبلِ القنيصَ فإِن بدًا لهم وجهُ صيدٍ من قريب تقنّصوا
لقد أَفسدوا شَرْقَ البلادِ وغَربَها علينا فما ندري إِلى أَين نشخُص!
إذا حضروا قالوا بما يَعرفونه وإن يَرَوْا شيئًا قبيحًا تَخَرَّصوا
وما قتلَ الأَبطالَ مثلُ مجرّبٍ رسولِ المنايا ليلَهُ يتلصّصُ
ترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدة إذا ما رأَى العريانَ يومًا يُبصبِصُ
إذا ما رآه الشَّمَّري مُقَزِّلا على عقبَيهِ للمخافةِ يَنكصُ
يبيعُك رأسًا للصبيّ بِدِرهمٍ فإِن قال إني مُرْخِصٌ فهو مرخِصُ
فكم قاتل منا لآخر منهمُ بمقتله عنه الذُّنوبُ تُمحَّصُ
تراه إذا نادى الأَمانَ مبارزًا ويَغمِزنا طَورًا وطورًا يخصِّص
وقد رخَّصَت قراؤنا في قتالِهِمْ وما قتل المقتولَ إلَّا المرخّصُ
وقال أيضًا في ذلك:
النَّاسُ في الهدمِ وفي الانتقالْ قد عَرَّض النَّاسُ بقيلٍ وقالْ
يا أَيُّها السائل عن شأْنهمْ عينك تكفيكَ مكان السُّؤَالْ
قد كان للرحمن تكبيرُهُم فاليوم تكبيرهمْ للقتالْ
اطرحْ بعينيك إلى جمعهم وانتظر الرَّوْحَ وعُدَّ الليالْ
[ ١٢ / ١٠٦ ]
لم يبق في بغدادَ إلَّا امرؤٌ حالَفَهُ الفقر كثيرُ العيالْ
لا أمّ تحمِي عن حماها ولا خالٌ له يحمي ولَا غيرُ خالْ
ليس له مالٌ سوى مِطْرَدٍ مِطردُهُ في كفَّه رأسُ مالْ
هانَ على الله فأَجْرَى على كفَّيه للشِّقوةِ قتلَ الرجالْ
إن صارَ ذا الأَمر إلى واحدٍ صارَ إلى القتلِ على كلّ حالْ
ما بالنا نُقتَلُ من أَجْلهِمْ سُبْحَانَكَ اللهمّ يا ذَا الجلالْ!
وقال أيضًا:
ولستُ بتاركٍ بغدادَ يومًا تَرَحَّلَ مَن ترحَّل أَوْ أَقَامَا
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا نبالي بعد من كان الإماما
قال عمرو بن عبد الملك العتري: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر عند ذلك بمنع التجار أن يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من المنافع من ناحيته إلى مدينة أبي جعفر والشرقية والكرخ، وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات؛ ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة، ومنها إلى خندق باب الأنبار؛ بما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد، وأخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل، وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد، فغلت الأسعار، وصار الناس في أشد الحصار، فيئسوا أو كثير منهم من الفرج والروح، واغتبط من كان خرج منها، وأسف على مقامه من أقام.
وفي هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حينًا بالياسرية.
* * *