* ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته:
أما سبب غضبه عليه الذي قتله عنده، فإنه مختلَف فيه، فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع بن جبريل، عن أبيه أنه قال: إني لقاعد في مجلس الرشيد، إذ طلع يحيى بن خالد - وكان فيما مضى يدخل بلا إذن - فلما دخل وصار بالقُرْب من الرّشيد وسلَّم ردّ عليه ردًّا ضعيفًا، فعلم يحيى أن أمرهم قد تغيّر.
قال: ثم أقبل عليَّ الرشيد، فقال: يا جبريل، يدخل عليك وأنت في منزلك أحدٌ بلا إذنك! فقلت: لا، ولا يطمع في ذلك. قال: فما بالُنا يُدْخَل علينا بلا إذن! فقام يحيى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قدّمني الله قبلَك؛ واِلله ما ابتدأتُ ذلك الساعة، وما هو إلّا شيء كان خصّنِيِ به أمير المؤمنين، ورفع به ذكري؛ حتى أنْ كنتُ لأدخل وهو في فراشه مجَرّدًا حينًا، وحينًا في بعض إزاره؛ وما علمتُ أنّ أمير المؤمنين كرِه ما كان يحبّ؛ وإذْ قد علمتُ فإنّي أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الإذن، أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك. قال: فاستحيا
_________________
(١) أصل الخبر في صحيح التأريخ دون التفاصيل. وانظر: المنتظم [٩/ ١٢٦ - ١٣٥]، والبداية والنهاية [٨/ ١١٣] إلى [٨/ ١١٦].
[ ١١ / ٢١٧ ]
- قال: وكان من أرقّ الخلفاء وجهًا - وعيناه في الأرض، ما يرفع إليه طرفه، ثم قال: ما أردتُ ما تكره، ولكنّ الناس يقولون. قال: فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ثم أمسك عنه، وخرج يحيى.
وذُكر عن أحمد بن يوسف أنَّ ثُمامة بن أشرس، قال: أوّل ما أنكر يحيى بن خالد من أمره، أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغنِي عنك من الله شيئًا، وقد جعلتَه فيما بينك وبين الله؛ فكيف أنت إذا وقفت بين يديه، فسألك عمّا عملت في عباده وبلاده، فقلت: يا ربّ إني استكفيتُ يحيى أمورَ عبادك! أتراك تحتجّ بحجّة يرضى بها! مع كلام فيه توبيخ وتقريع. فدعا الرّشيد يحيى - وقد تقدم إليه خبر الرسالة - فقال: تعرف محمد بن الليث؟ قال: نعم، قال: فأيّ الرجال هو؟ قال: متّهم على الإسلام، فأمر به فوضع في المطبَق دهرًا؛ فلمّا تنكّر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه، فأحضِر، فقال له بعد مخاطبة طويلة: يا محمد، أتحبّني؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين، قال: تقول هذا! قال: نعم، وضعتَ في رجلي الأكبال، وحُلتَ بيني وبين العِيال بلا ذنب أتيت، ولا حدث أحدثت، سوى قولِ حاسد يكيد الإسلام وأهله، ويحب الإلحادَ وأهله، فكيف أحبُّك! قال: صدقت، وأمر بإطلاقه، ثم قال: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ولكن قد ذهب ما في قلبي، فأمر أن يعطى مائة ألف درهم، فأحضِرَت، فقال: يا محمد، أتحبني؟ قال: أما الآن فنعم، قد أنعمت عليّ، وأحسنت إليّ. قال: انتقم الله ممّن ظلمك، وأخذ لك بحقِّك ممّن بعثني عليك. قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أوّل ما ظهر من تغيّر حالهم (١).
قال: وحدّثني محمد بن الفضْل بن سفيان، مولى سليمان بن أبي جعفر، قال: دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرّشيد، فقام الغلمان إليه، فقال الرّشيد لمسرور الخادم: مُر الغلمان ألّا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار. قال: فدخل فلم يقم إليه أحدٌ، فاربدّ لونه. قال: وكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوْه أعرضوا عنه. قال: فكان ربّما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلا يسقونه،
_________________
(١) ثمامة بن أشرس من رؤوس الضلالة وهو كذاب [لسان الميزان] (تر/ ٨٧٥).
[ ١١ / ٢١٨ ]
وبالحَرى إن سقوْه أن يكون ذلك بعد أن يدعوَ بها مرارًا.
وذكر أبو محمد اليزيديّ - وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم - قال: مَنْ قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله - بن حسن فلا تصدّقه؛ وذلك أنّ الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم دعا به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره، فأجابه، إلى أن قال: اتَّق الله في أمري، ولا تتعرَّض أن يكون خصمك غدًا محمد - ﷺ -؛ فولله ما أحدثتُ حدثًا، ولا أويت محدثًا. فرقّ عليه، وقال له: اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذَ بعد قليل فأردّ إليك أو إلى غيرك! فَوجّه معه مَنْ أدَّاه إلى مأمنه. وبلغ الخبرُ الفضلَ بن الربيع، من عين كانت له عليه من خاصِّ خدمه، فعلا الأمرَ، فوجده حقًّا، وانكشف عنده؛ فدخل على الرّشيد فأخبره، فأراه أنه لا يعبأ بخبره. وقال: وما أنت وهذا لا أمّ لك! فلعلّ ذلك عن أمري؛ فانكسر الفضل؛ وجاءه جعفر فدعا بالغدَاء فأكلا، وجعل يلقِّمه ويحادثه، إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال: ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله يا أميرَ المؤمنين في الحبْس الضيِّق والأكبال. قال: بحياتي! فأحجَم جعفر - وكان من أدقّ الخلْق ذهنًا، وأصحِّهم فكرًا - وهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره، فقال: لا وحياتِك يا سيِّدي ولكن أطلقته وعلمْتُ أنه لا حياة به ولا مكروه عنده. قال: نَعِمَ ما فعلتَ؛ ما عدوتَ ما كانَ في نفسي. فلما خرج أتبعه بصرَه حتى كاد أن يتوارَى عن وجهه، ثم قال: قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك! فكان من أمره ما كان.
وحدّث إدريس بن بدر، قال: عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى، فقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة؛ فادعُ بي إليك، فقال لهرثمة: خذ الرجل إليك، وسلْه عن نصيحته هذه، فسأله، فأبَى أن يخبرَه وقال: هي سرّ من أسرار الخليفة، فأخبر هرثمَة الرشيد بقوله، قال: فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له، قال: فلما كان في الهاجرة انصرف مَنْ كان عنده، ودعا به، فقال: أخْلِني، فالتفت هارون إلى بنيه، فقال: انصرفوا يا فتيان؛ فوثبوا وبقي خاقان وحُسين على رأسه؛ فنظر إليهما الرّجُل، فقال الرّشيد: تَنَحّيا عنّي، ففعلا، ثم أقبل على الرّجل، فقال: هات ما عندك، فقال: على أن تؤمّني! قال: على أن أؤمنك
[ ١١ / ٢١٩ ]
وأحسن إليك. قال: كنت بحلوان في خانٍ من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دُرّاعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل، ويرحلون إذا رحل، ويكونون منه بصدد يوهمون مَنْ رآهم أنهم لا يعرفونه وهم من أعوانه، ومع كلّ واحد منهم منشور يأمن به إن عُرِض له، قال: أوَ تعرف يحيى بن عبد الله؟ قال: أعرفه قديمًا، وذلك الذي حقّق معرفتي به بالأمس، قال: فصِفه لي، قال: مربوع أسمر رقيق السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن. قال: صدقتَ؛ هو ذاك. قال: فما سمعتَه يقول؟ قال: ما سمعتُه يقول شيئًا؛ غير أني رأيته يصلّي، ورأيت غلامًا من غلمانه أعرفه قديمًا جالسًا على باب الخان، فلمّا فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل، فألقاه في عنقه ونزع جبّة الصوف، فلما كان بعد الزّوال صلى صلاة ظننتُها العصر، وأنا أرمقه؛ أطال في الأولييْن، وخفف في الأخريَيْن، فقال: لله أبوك! لجاد ما حفظت عليه، نعم تلك صلاة العصر؛ وذاك وقتُها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيَك! فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدّوْلة، وأصْلي من مَرْو، ومولدي مدينة السلام، قال: فمنزلك بها؟ قال: نعم؛ فأطرق مليًّا، ثم قال: كَيف احتمالُك لمكروه تُمتحن به في طاعتي! قال: أبلغُ من ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين، قال: كن بمكانك حتى أرجعَ. فطفرَ في حجرة كانت خلف ظهره، فأخرج كيسًا فيه ألفا دينار، فقال: خذ هذه، ودعني وما أدبّر فيك، فأخذها، وضمّ عليها ثيابه، ثم قال: يا غلام، فأجابه خاقان وحسين، فقال: اصفعا ابنَ اللخناء، فصفَعاه نحوًا من مائة صَفعة، ثم قال: أخرِجاه إلي مَنْ بقيَ في الدار، وعمامتُه في عنقه، وقولا: هذا جزاء من يسعى بباطنة أمير المؤمنين وأوليائه! ففعلا ذلك؛ وتحدّثوا بخبره، ولم يعلم بحال الرجل أحد، ولا بما كان ألقى إلى الرشيد؛ حتى كان من أمر البرامكة ما كان.
وذكر يعقوب بن إسحاق أنّ إبراهيم بن المهديّ حدثه. قال: أتيتُ جعفر بن يحيى في داره التي ابتناها، فقال لي: أمَا تعجب من منصور بن زياد؟ قال: قلت فبماذا؟ قال: سألتُه: هل ترى في داري عيبًا؟ قال: نعم؛ ليس فيها لَبِنَة ولا صُنوبرة، قال إبراهيم: فقلت: الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها نحوًا من عشرين ألف ألف درهم، وهو شيء لا آمنه عليك غدًا بين يدي أمير المؤمنين، قال: هو يعلم أنه قد وصلني بأكثر من ذلك وضعف ذلك، سوى ما عرّضني له.
[ ١١ / ٢٢٠ ]
قال: قلت: إن العدوّ إنما يأتيه في هذا من جهة أن يقول: يا أميرَ المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم، فأين نفقاته! وأين صِلاته! وأين النوائب التي تنوبه! وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك! وهذه جملة سريعة إلى القلب، والموقف على الحاصل منها صعب. قال: إن سمع منِّي قلتُ: إن لأمير المؤمنين نعمًا على قوم قد كفروها بالسَّتر لها أو بإظهار القليل من كثيرها؛ وأنا رجلٌ نظرت إلى نعمته عندي، فوضعتها في رأس جبل، ثم قلت للناس: تعالوْا فانظروا.
وذكر زيد بن عليّ بن حسين بن زيد أنّ إبراهيم بن المهديّ حدثه أن جعفر بن يحيى، قال له يومًا - وكان جعفر بن يحيى صاحبَه عند الرشيد، وهو الذي قرّبه منه: إني قد استربت بأمر هذا الرجل - يعني الرشيد - وقد ظننتُ أن ذلك لسابق سبق في نفسي منه، فأردتُ أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت، فارمق ذلك في يومك هذا، وأعلمني ما ترى منه. قال: ففعلتُ ذلك في يومي، فلما نهض الرّشيد من مجلسه كنتُ أوّل أصحابه نهض عنه، حتى صرت إلى شجرٍ في طريقي، فدخلتها ومَنْ معي، وأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرُّون بي واحدًا واحدًا، فأراهم ولا يروْني؛ حتى إذا لم يبق منهم أحد، إذا أنا بجعفر قد طلع، فلما جاوز الشجر قال: اخرج يا حبيبي، قال: فخرجت، فقال: ما عندك؟ فقلت: حتى تعلمني كيف علمتَ أني ها هنا؛ قال: عرفت عنايتَك بما أعنى به، وأنك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه، وعلمتُ أنَّك تكره أن تُرى واقفًا في مثل هذا الوقت، وليس في طريقك موضع أستر من هذا الموضع، فقضيتُ بأنك فيه، قلت: نعم، قال: فهاتِ ما عندك، قلت: رأيت الرّجل يهزل إذا جددتَ، ويجدّ إذا هزلتَ. قال: كذا هو عندي، فانصرف يا حبيبي. قال: فانصرفت.
قال: وحدّثني عليّ بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يومًا يقول: ليس لدارنا هذه عيب؛ إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء - يعني نفسه.
وذكر عن موسى بن يحيى، قال: خرج أبي إلى الطواف في السنة التي أصيب فيها، وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلّق بأستار الكعبة، ويردّد الدعاء، ويقول: اللهمّ ذنوبي جمّة عظيمة لا يحصيها غيرُك، ولا يعرفها سواك. اللهمّ إن
[ ١١ / ٢٢١ ]
كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا؛ وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة.
قال: وحدّثني أحمد بن الحسن بن حرب، قال: رأيتُ يحيى وقد قابل البيت، وتعلق بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبَني نعمتك عندي فاسلبني، اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبَني أهلي وولدي فاسلبني؛ اللهمّ إلا الفضل. قال: ثم ولّى ليمضي؛ فلما قرب من باب المسجد كرّ مسرعًا، ففعل مثَل ذلك، وجعل يقولُ: اللهمّ إنه سمِجٌ بمثلي أن يرغب إليك ثم يستثني عليك اللهم والفضل. قال: فلما انصرفوا من الحجّ نزلوا الأنبار، ونزل الرشيد بالعُمْر ومعه وليّا العهد؛ الأمين والمأمون، ونزل الفضل مع الأمين، وجعفر مع المأمون، ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه، ومحمد بن يحيى في منزل ابن نوح صاحب الطِّراز، ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعُمر مع الرشيد، قال: وخلا الرشيد بالفضل ليلًا، ثم خلع عليه وقلّده، وأمره أن ينصرف مع محمد الأمين، ودعا بموسى بن يحيى فرضِيَ عنه وكان غضب عليه بالحيرة في بدأته، لأن علي بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في أمر خُراسان وأعلمه طاعة أهلها له، ومحبتهم إياه، وأنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال إليهم والوثوب به معهم؛ فوقر ذلك في نفس الرّشيد عليه وأوحشه منه؛ وكان موسى أحد الفرسان الشجعان، فلما قدح عليّ بن عيسى فيه أسرع ذلك في الرشيد، وعمل فيها القليل منه، تم ركب موسى دَيْنٌ، واختفى من غرمائه، فتوهّم الرشيد أنه صار إلى خراسان؛ كما قيل له، فلما صار إلى الحيرة في هذه الحجّة وافاه موسى من بغداد، فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفة؛ فكان ذلك أول ثلمة ثُلموا بها؛ فركبت أمّ الفضل بن يحيى في أمره، ولم يكن يردّها في شيء، فقال: يضمنه أبوه فقد رُفع إليّ فيه، فضمنه يحيى ودفعه إليه، ثم رضي عنه، وخلع عليه، وكان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى، وتقل مكانه عليه لتركه الشّرب معه؛ فكان الفضل يقول: لو علمتُ أن الماء ينقص من مروءتي ما شربته؛ وكان مشغوفًا بالسماع. قال: وكان جعفر يدخل في منادمة الرشيد؛ حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته، ويأمره بترك الأنس به، فيترك أمرَ أبيه، ويدخل معه فيما يدعوه إليه.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
وذكر عن سعيد بن هريم أنّ يحيى كتب إلى جعفر حين أعيتْه حيلته فيه: إني إنما أهملتك ليعثر الزّمان بك عثرة تعرف بها أمرك؛ وإن كنت لأخشى أن تكون التي لا شوَى لها. قال: وقد كان يحيى قال للرشيد: يا أمير المؤمنينَ، أنا والله أكره مداخلة جعفر معك؛ ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك عليّ منك، فلو أعقبته واقتصرت به على ما يتولّاه من جسيم أعمالك، كان ذلك واقعًا بموافقتي، وآمن لك عليّ. قال الرّشيد: يا أبت ليس بك هذا؛ ولكنك إنما تريد أن تقدّم عليه الفضل.
وقد حدثني أحمد بن زبير - أحسِبه عن عمّه زاهر بن حرب - أنّ سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرّشيد كان لايصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهديّ، وكان يُحضرهما إذا جلس للشرب؛ وذلك بعد أن أعلم جعفرًا قلّةَ صبره عنه وعنها، وقال لجعفر: أزوّجكُها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي، وتقدّم إليه ألا يمسَّها، ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته؛ فزوّجها منه على ذلك، فكان يُحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويُخليها، فيثْمُلان من الشراب، وهما شابّان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، فحملت منه وولدت غلامًا، فخافت على نفسها من الرّشيد إن علم بذلك، فوَجّهت بالمولود مع حَواضِنَ له من مماليكها إلى مكّة، فلم يزل الأمر مستورًا عن هارون، حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شرّ، فأنهت أمرَها وأمر الصبيّ إلى الرشيد، وأخبرته بمكانه؛ ومع مَن هو من جواريها، وما معه من الحلْي الذي كانت زيَّنته به أمه؛ فلما حجّ هارون هذه الحَجْة، أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبيّ به مَنْ يأتيه بالصبيّ وبمَنْ معه من حواضنه، فلمَّا أحضِروا سأل اللواتي معهنّ الصبيّ، فأخبرنَه بمثل القصة التي أخبرتْه بها الرافعة على عبَّاسة، فأراد - فيما زُعم - قتلَ الصبيّ، ثم تحوّب من ذلك (١).
_________________
(١) هذا خبر منكر قال ابن خلدون: وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده. والعباسة بنت محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد بن علي أبي الخلفاء بن عبد الله ترجمان القرآن بن العباس عم النبي - ﷺ -، ابنة خليفة وأخت =
[ ١١ / ٢٢٣ ]
وكان جعفر يتَّخذ للرشيد طعامًا كلما حجّ بعُسفان فيقربه إذا انصرف شاخصًا من مكة إلى العراق، فلما كان في هذا العام، اتّخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك، ثم استزاره فاعتلّ عليه الرشيد، ولم يحضر طعامه، ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار؛ فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكر إن شاء الله تعالى.
* * *