فمما كان فيها من ذلك، العصبيّة التي هاجت بالشأم بين أهلها (٢).
* ذكر الخبر عما صار إليه أمرها:
ذُكر أن هذه العصبيَّة لما حدثت بالشأم بين أهلها، وتفاقم أمرُها، اغتمّ بذلك من أمرهم الرّشيد، فعقد لجعفر بن يحيى على الشأم، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقِيك بنفسي؛ فشخص في جِلَّة القوّاد والكُراع والسِّلاح، وجعل على شُرَطه العباس بن محمد بن المسيّب بن زهير، وعلى حَرَسه شبيب بن حُميد بن قحطبة، فأتاهم فأصلح بينهم؛ وقتل زواقيلهم، والمتلصّصة منهم، ولم يَدَعْ بها رُمحًا ولا فرسًا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة؛ وأطفأ تلك النائرة، فقال منصور النمَريّ لما شخص جعفر:
لقَدْ أُوقِدَت بِالشأم نيران فِتْنَةٍ فهذَا أَوانُ الشأْمِ تُخْمدُ نارُها
إذا جاشَ مَوْجُ البحر مِنْ آل بَرْمكٍ عليها، خَبَتْ شُهْبانها وشَرَارُها
رماها أَميرُ المؤمنينَ بجعفرٍ وَفيهِ تَلاقَى صَدْعها وانجبارُها
رَماها بميمونِ النَّقيبةِ ماجد تَراضَى به قَحْطانُها وَنِزارُها
_________________
(١) لم يذكر الخبر خليفة ولا البسوي وانظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٤] وشري: أي صار من الشُّراة (الخوارج).
(٢) انظر المنتظم [٩/ ٤٦].
[ ١١ / ١٩٨ ]
تَدَلَّتْ عَليهمْ صَخْرة بَرْمكيَّةٌ دَموغٌ لهامِ الناكِثينَ انحدارُها
غَدوْتَ تُزجّي غابَةً في رُؤوسها نجومُ الثرَيَّا والمنايا ثِمارُها
إِذا خَفَقَتْ رَاياتها وتجَرَّسَتْ بها الرِّيحُ هال السَّامعينَ انْبهارُها
فقولوا لأَهلِ الشأمِ: لا يَسْلُبَنَّكُم حجاكُمْ طَويلاتُ المُنَى وَقِصارها
فإنَّ أَميرَ المُؤمنينَ بنفسِه أَتاكُمْ وإلا نَفْسَهُ فَخِيارُها
هو المَلِكُ المأْمولُ لِلْبرِّ والتُّقَى وَصَوْلاتُه لا يُسْتَطاعُ خِطارُها
وزيرُ أَمير المؤمنينَ وسَيْفُهُ وَصَعْدَتُه والحَرْبُ تَدْمى شِفارُها
وَمَنْ تُطوَ أَسْرَارُ الخَليفَةِ دونَهُ فَعِنْدَكَ مَأواها وَأَنْتَ قَرارُها
وَفَيْتَ فلَمْ تَغدِرْ لقَوْمٍ بِذِمّةٍ وَلمْ تَدْنُ مِنْ حالٍ يَنالكَ عارُها
طَبيبٌ بإِحياءِ الأُمورِ إِذا التوت مِنَ الدَّهْر أعناقٌ، فأَنتَ جُبارُها
إِذا ما ابنُ يحْيى جعفرٌ قَصَدَت لَهُ مُلِمّاتُ خَطْبٍ لم تَرُعْهُ كِبارُها
لقدْ نَشَأَت بالشَّأْمِ مِنك غمامةٌ يُؤمَّلُ جَدواها وَيُخشَى دَمارُها
فطوبَى لأَهل الشأْمِ يا وَيلَ أُمّها أَتاها حَياها، أَو أَتاها بَوارُها
فإِن سالموا كانَتْ غمامَةَ نائلٍ وغَيثٍ، وإلا فالدِّماءُ قِطارُها
أَبوكَ أَبو الأَملاك يَحيْى بنُ خالد أَخو الجُود والنُّعْمى الكِبارِ صغارُها
كأَيّنْ تَرَى في البَرمكيِّينَ مِنْ نَدىً وَمِنْ سابقاتٍ ما يشُقُّ غِبارُها
غَدا بنجومِ السَّعْدِ مَنْ حلَّ رَحلهُ إِلَيْك، وَعزَّتْ عصبَةٌ أَنْتَ جارُها
عَذيري مِنَ الأَقدارِ هلْ عَزَماتُها مُخَلّفَتِي عن جعفرٍ وَاقتسارُها
فعيْنُ الأَسَى مَطروفَةٌ لفراقِهِ ونَفسي إِلَيه ما يَنامُ ادِّكارُها (١)
وولّى جحفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشأم عيسى بن العكيّ وانصرف، فازداد الرشيد له إكرامًا. فلما قدم على الرّشيد دخل عليه - فيما ذُكر - فقبَّل يديه ورجليه، ثم مَثَل بين يديه، فقال: الحمدُ لله يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرّعي، وأَنْسأ في أجلِي، حتى أراني وجه سيِّدي، وأكرمني بقربه، وامتنّ علي بتقبيل يده، وردّني إلى خدمته؛ فولله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني؛ فأَعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتْني وخطايا أحاطت بي؛ ولو طال مُقامي
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١١٧].
[ ١١ / ١٩٩ ]
عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك - لخفت أن يذهب عقلي إشفاقًا على قربك، وأسفًا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياقُ إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حالِ الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرّفني الإجابة ومسَّكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلّا عن رأيك، ولم أقدم إلّا عن إذنك وأمرك، ولم يخترمْني أجل دونك. والله يا أميرَ المؤمنين - ولا أعظم من اليمين بالله - لقد عاينتُ ما لو تُعرَض لي الدنيا كلُّها لاخترت عليها قربَك، ولما رأيتها عوضًا من المقام معك. ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إنّ الله يا أمير المؤمنين - لم يزل يبليك في خلافتك بقدْر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيّتك غاية أمنيّتك، فيصلع لك جماعتَهم، ويجمع ألفتهم، ويلمّ شَعثَهم، حفظًا لك فيهم، ورحمةً لهم، وإنما هذا للتمسُّك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك؛ والله المحمود على ذلك وهو مستحقُّه. وفارقتُ يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسّكون بحبلك، نازلون على حُكمك، طالبون لعفوِك، واثقون بحلْمك، مؤمّلون فضْلك، آمنون بادرتَك، حالُهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالُهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمُّده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفه عليهم متقدّم عنده لمسألتهم.
وايم الله يا أميرَ المؤمنين لئن كنتُ قد شخصتُ عنهم، وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم، ونفى مُرَّاقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميلَ فيهم، ورزقني الانتصار منهم؛ فما ذلك كله إلا ببركتك ويُمْنك، وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوّفِهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدّمتُ إليهم إلّا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمركَ، ولا سرت فيهم إلا على حدِّ ما مثّلتَه لي ورسمتَه، ووقفتَنِي عليه، ووالله ما انقادوا إلّا لدعوتك، وتوحّدِ الله بالصنّع لك، وتخوّفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني - وإن كنت بذلت جهدي، وبلغت مجهودي - قاضيًا ببعض حقك علي؛ بل ما ازدادت نعمتُك عليّ عظمًا؛ إِلا ازددتُ عن شكرك عجزًا وضعفًا، وما خلق الله أحدًا من رعيّتك أبعدَ من أن يُطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلّا أن أكون باذلًا
[ ١١ / ٢٠٠ ]
مهجتي في طاعتك، وكلّ ما يقرّب إلى موافقتك؛ ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري؛ فكيف بشكري وقد أصبحتُ واحدَ أهل دهري فيما صنعتَه فيَّ وبي! أم كيف بشكري، وإنما أقوى على شكري بإكرامك إياي! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلكَ عدّي، وكيف بشكري وأنت كهفي دون كلّ كهف لي! وكيف بشكري وأنت لا ترضَى لي ما أرضاه لي! وكيف بشكري وأنت تجدّد من نعمتك عندي ما يستغرق كلّ ما سلف عندك لي! أم كيف بشكرِي وأنت تُنسيني ما تقدّم من إحسانك إليّ بما تجدده لي! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطوْلك على جميع أكفائي! أم كيف بشكري وأنت ولِيِّي! أم كيف بشكري وأنت المكرِم لي! وأنا أسأل الله الذي رزَقني ذلك منك من غير استحقاق له، إذا كان الشكْر مقصرًا على بلوغٍ تأدية بعضه، بل دون شقص من عُشر عشيره، أن يتولى مكافأتك عنِّي بما هو أوسعُ له، وأقدرُ عليه، وأن يَقضيَ عني حقَّك، وجليل مِنَّتِك؛ فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه!
* * *
وفي هذه السنة أخذ الرّشيد الخاتم من جعفر بن يحيى، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد.
وفيها ولّى جعفر بن يحيى خراسان وسِجستان، واستعمل جعفرٌ عليهما محمد بن الحسن بن قحطبة (١).
وفيها شخص الرّشيد من مدينة السلام مريدًا الرَّقة على طريق الموصل، فلما نزل البَرَدان، ولّى عيسى بن جعفر خُراسان، وعزل عنها جعفر بن يحيى؛ فكانت ولاية جعفر بن يحيى إياها عشرين ليلة.
وفيها وُلِّيَ جعفر بن يحيى الحرَس (٢).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
[ ١١ / ٢٠١ ]
وفيها هدَم الرّشيد سُور الموْصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها، ثم مضى إلى الرّقة فنزَلها واتّخذها وطنًا (١).
وفيها عُزل هَرْثمة بن أعيَن عن إفريقيّه، وأقفله إلى مدينة السلام (٢) فاستخلفه جعفر بن يحيى على الحرَس (٣).
وفيها كانت بأرض مصر زلزلة شديدة، فسقط رأسُ منارة الإسكندرية (٤).
وفيها حكم خُراشة الشيبانيّ وشَرِيَ بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العُقيليّ (٥).
وفيها خرجت المحمّرة بجُرجان، فكتب عليّ بن عيسى بن ماهان أنّ الذي هيّج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركيّ، وأنه زنديق، فأمر الرشيد بقتله، فقتِل بمَرْو (٦).
وفيها عَزَل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرُّويان، وولَّى ذلك عبد الله بن خازم. وعزلَ الفضل أيضًا عن الرّيّ، ووليَها محمد بن يحيى بن الحارث بن شخّير، وولّى سعيد بن سلْم الجزيرة.
وغزا الصائفة فيها معاوية بن زفر بن عاصم (٧).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٤) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٥) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٦) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
(٧) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].
[ ١١ / ٢٠٢ ]