وفي هذه السنة كان بدء اختلاف الحال بين الأمين محمد وأخيه المأمون، وعزم كلّ واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان والدهما هارون أخذ عليهما العمل به، في الكتاب الذي ذكرنا أنه كان كتبه عليهما وبينهما (١).
* ذكر الخبر عن السبب الذي كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت:
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ أنّ الرشيد جدّد حين شخص إلى خُراسان البيعةَ للمأمون على القوّاد الذين معه، وأشهد مَنْ معه من القوّاد وسائر الناس وغيرهم أنّ جميع مَنْ معه من الجند مضمومون إلى المأمون، وأنّ جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون. فلما بلغ محمدَ بن هارون أنّ أباه قد اشتدّت علّتُه، وأنه لمآبِه، بعث مَنْ يأتيه بخبره في كلّ يوم، وأرسل بكْر بن المعتمِر، وكتب معه كتبًا، وجعلها في قوائم صناديق منقورة وألبسَها جلود البقر، وقال: لا يظهرنّ أميرُ المؤمنين ولا أحدٌ ممن في عسكره على شيء من أمرك وما توجهتَ فيه، ولا ما معك، ولو قُتِلتَ حتى يموت أميرُ المؤمنين، فإذا مات فادفعْ إلى كلّ رجل منهم كتابه (٢).
فلمّا قدِم بكر بن المعتمر طوسَ، بلغ هارونَ قدومُه، فدعا به، فسأله: ما أقدمك؟ قال: بعثني محمد لأعلم له علم خبرك وآتيه به، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بما معه ففتِّش فلم يصيبوا معه شيئًا، فهدّده بالضّرب فلم يقرّ بشيء، فأمر به فحُبس وقيِّد. فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر
_________________
(١) = الجمعة ودعاهم إلى تجديد البيعة فبايعوا [الأخبار الطوال/ ٣٩٢]. وقال ابن قتيبة الدينوري مؤيدًا لبعض ما ذكره الطبري وبويع الأمين محمد بن هارون بـ (طوس) وولي أمر البيعة (صالح بن هارون) وقدم عليه بها (رجاء) الخادم للنصف من جمادى الآخرة فخطب الناس [المعارف/ ١٩٥].
(٢) لم يبيّن خليفة بن خياط ولا البسوي - تأريخ بدء الخلاف بين الأمين والمأمون إلّا أن سياق الأحداث يؤكد ذلك وهو ظاهر من كلام الدينوري عندما ساق الأحداث متسلسلة مباشرة بعد بيعة الأمين [الأخبار الطوال/ ٣٩٣] ونظر البداية والنهاية (٨/ ١٣٣).
(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٣٣).
[ ١٢ / ١٠ ]
الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرّره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه، فصار إليه، فمرّره فلم يمرّ بشيء، ثم غُشِيَ على هارون، فصاح النساء، فأمسك الفضل عن قتله، وصار إلى هارون ليحضره، ثم أفاق هارون وهو ضعيف، قد شغل عن بَكر وعن غيره لحسّ الموت، ثم غُشِيَ عليه غشيةً ظنّوا أنها هي، وارتفعت الضجة، فبعث بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضْل بن الربيع مع عبد الله بن أبي نُعيم، يسأله ألا يعجلوا بأمر، ويعلمه أنّ معه أشياء يحتاجون إلى علمها - وكان بكرٌ محبوسًا عند حسين الخادم - فلما تُوفِّيَ هارون في الوقت الذي تُوفِّيَ فيه، دعا الفضلُ بن الربيع ببكْر من ساعته، فسأله عما عنده، فأنكر أنْ يكون عنده شيء، وخشِيَ على نفسه من أن يكون هارون حيًّا، حتى صحّ عنده موتُ هارون، وأدخله عليه، فأخبره أنّ عنده كتبًا من أمير المؤمنين محمد، وأنه لا يجوز له إخراجها، وهو على حالة في قيوده وحبسه، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلَقه الفضل، فأتاهم بالكتب التي عنده، وكانت في قوائم المطابخ المجلّدة بجلود البقر، فدفع إلى كلّ إِنسانٍ منهم كتابه. وكان في تلك الكتب كتاب من محمد بن هارون إلى حسين الخادم بخطِّه، يأمره بتخلية بَكْر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إليه، وكتاب إلى عبد الله المأمون، فاحتبس كتاب المأمون عنده ليبعثه إلى المأمون بمَرْو، وأرسلوا إلى صالح بن الرّشيد - وكان مع أبيه بطوس، وذلك أنه كان أكبرَ من يحضر هارون من ولده - فأتاهم في تلك الساعة، فسألهم عن أبيه هارون، فأعلموه، فجزع جزعًا شديدًا، ثم دفعوا إليه كتاب أخيه محمد الذي جاء به بكرْ. وكان الذين حضروا وفاة هارون هُم الذين ولُوا أمرَه وغَسْله وتجهيزه، وصلى عليه ابنه صالح (١).
وكانت نسخة كتاب محمد إلى أخيه عبد الله المامون:
_________________
(١) لم نجد ذكرًا لتفاصيل الرسائل المتبادلة بين الأمين والمأمون عند مؤرخ من المؤرخين المتقدمين الثقات كالبسوي وخليفة والبلاذري أو الدينوري كما ذكرها الطبري في هذه الصفحات. وإنما ذكر أبو حنيفة الدينوري شيئًا يسيرًا عن فحوى هذه الرسائل وأحيانًا أوجز الرسائل المتبادلة بعبارات قليلة [انظر الأخبار الطوال/ ٣٩٤] وأشار الجهشياري في كتابه الوزراء إلى الكتب التي كانت بين الأمين والمأمون [الوزراء والكتاب/ ٢٩١].
[ ١٢ / ١١ ]
إذا ورد عليك كتابُ أخيك - أعاذه الله من فقدك - عند حلول ما لا مردَّ له ولا مدفَع مما قد أخلف وتناسخ [في] الأمم الخالية والقرون الماضية [فعزِّ نفسك] بما عزَاك الله به. واعلم أنّ الله جل ثناؤه قد اختار لأمير المؤمنين أفضلَ الدارين، وأجزل الحظَيْن فقبضه الله طاهرًا زاكيًا، قد شكر سعيَه، وغفر ذنبه إن شاء الله. فقمْ في أمْرك قيام ذي الحزم والعزْم، والناظر لأخيه ونفسه وسلطانه وعامة المسلمين. وإيّاك أنْ يغلب عليك الجزَع، فإنه يُحبِط الأجرْ، ويُعقب الوزر. وصلوات الله على أمير المؤمنين حيًّا وميتًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون! وخُذ البَيْعة عمّن قِبَلك من قوّادك وجندك وخاصّتك وعامّتك لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها لك أمير المؤمنين من نَسْخها له وإثباتها، فإنّك مقلّد من ذاك ما قلدك الله وخليفته. وأعلِمْ مَنْ قِبَلك رأيي في صلاحِهم وسدّ خَلّتِهم والتوسِعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته أو اتَّهمته على طاعته، فابعث إليّ برأسه مع خبره. وإياك وإقالته، فإن النار أولى به. واكتب إلى عمّال ثغورك وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤْمنين، وأعلمهم أنّ الله لم يرضَ الدّنيا له ثوابًا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته، مغبوطًا محمودًا قائدًا لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله. ومُرهم أن يأخذوا البيعَة على أجنادهم وخواصّهم وعوامّهم على مثل ما أمرتُك به من أخذها على مَن قِبَلك وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوّة على عدّوهم. [وأعلمهم] أنِّي متفقد حالاتهم ولامٌّ شعثهم، وموسِّع عليهم، ولا تني في تقوية أجنادي وأنصاري، ولتكنْ كتبك إليهم كتبًا عامة، لتُقرأ عليهم، فإنّ في ذلك ما يسكنهم ويبسط أملَهم. واعمل بما تأمر به لمن حَضَرك، أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى وتشاهد، فإنّ أخاك يعرف حسنَ اختيارك، وصحّة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشدّ بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء.
وكتب بكر بن المعْتَمر بين يديّ وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة (١).
_________________
(١) نفس التعليقة السابقة.
[ ١٢ / ١٢ ]
وإلى أخيه صالح:
بسم الله الرحمن الرحيم. إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع ما قد سبَق في علم الله ونفذ من قضائه في خُلفائه وأوليائه، وجرتْ به سنته في الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فقل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فاحمَدوا الله ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه ومرافقة أنبيائِه، صلواتُ الله عليهم، وإنا إليه راجعون. وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبينا محمد - ﷺ -، وقد كان لهم عصمةً وكهفًا، وبهم رؤوفًا رحيمًا، فشمّر في أمرك، وإياك أن تلقى بيديْك، فإنّ أخاك قد اختارك لما استنهضك له، وهو متفقّد مواقع فقدانكْ، فحقق ظنه ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قِبَلَك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته ومواليه وخاصّته وعامّته لمحمد أمير المؤمنين، ثم لعبد الله بن أمير المؤْمنين، ثم للقاسم بن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه من فسخها على القاسم أو إثباتها، فإن السعادة واليُمْن في الأخذ بعهده، والمضيّ على مناهجه. وأعْلِم مَنْ قِبَلك من الخاصّة والعامة رأي في استصلاحهم، وردّ مظالمهم وتفقد حالاتهم، وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم، فإن شغَب شاغب، أو نَعَر ناعر، فاسطُ به سطوة تجعله نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموَعظة للمتقين. واضمُم إلى الميمون ابن الميمون الفضْل بن الربيع ولَد أمير المؤمنين وخدمه وأهله، ومُرْه بالمسير معهم فيمن معه من جنده ورابطته، وصيِّر إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه، فإنه ثقة على ما يلي، مقبول عند العامة، واضمُم إليه جميعَ جند الشُّرَط من الرّوابط وغيرهم إلى مَنْ معه من جنده، ومُرْه بالجِدِّ والتيقظ وتقديم الحزم في أمره كله، ليله ونهاره، فإنّ أهل العداوة والنّفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة. وأقِرّ حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومُره بحراسة ما يحفظ به قصورَ أمير المؤمنين، فإنه ممّن لا يُعرف إلا بالطاعة، ولا يدين إلا بها بمعاقد من الله مما قدّم له من حال أبيه المحمود عند الخلفاء. ومر الخدم بإحضار روابطهم ممّن يسُدّ بهم وبأجنادهم مواضح الخَلَل من عسكرك، فإنهم حدّ من حدودك، وصيّر مقدّمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد، وساقتك إلى يحيى بن معاذ، فيمن معه من الجنود، ومُرْهما بمناوبتك في كلّ ليلة،
[ ١٢ / ١٣ ]
والزم الطريق الأعظم، ولا تَعدُوَنّ المراحل، فإن ذلك أرفق بك. ومر أسدَ بن يزيد أن يتخيَّرَ رجلًا من أهل بيته أو قوّاده، فيصير إلى مقدمته ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق، فإن لم يحضرك في عسكرك بعضُ من سَمّيتُ، فاختر لمواضعهم مَنْ تثق بطاعته ونصيحته وهيبته عند العوامّ، فإنّ ذلك لن يُعوِزَك من قوّادك، وأنصارك إن شاء الله. وإيّاك أن تنفذ رأيًا أو تُبرم أمرًا إلا برأي شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع، وأقرر جميعَ الخدم على ما في أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك، ولا تخرجنّ أحدًا منهم من ضِمْن ما يلي إلى أن تُقدم عليّ.
وقد أوصيتُ بكر بن المعتمر بما سيبلِّغكه، واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وترى، وإن أمرتَ لأهل العسكر بعطاء أو رزق، فليكن الفضل بن الربيع المتولِّيَ لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه، بمحضر من أصحاب الدواوين، فإنّ الفضل بن الربيع لم يزل يتقلّد مثل ذلك لمهمّات الأمور. وأنفذ إليّ عند وصول كتابي هذا إليك إسماعيل بن صَبِيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد، ولا يكون لك عَرْجة ولا مُهلة بموضعك الذي أنت فيه حتى توجّه إليّ بعسكرك بما فيه من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته.
وكتب بكر بن المعتمر بين يديّ وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة (١).
وخرج رجاء الخادم بالخاتم والقضيب والبُردة، وبنعْي هارون حين دفن حتى قدم بغداد ليلة الخميس - وقيل يوم الأربعاء - فكان من الخبر ما قد ذكرت قبل (٢).
وقيل: إنّ نعي الرشيد لما ورد بغداد صعد إسحاق بن عيسى بن عليّ المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أعظم الناس رزيئةً، وأحسن الناس بقيّة
_________________
(١) نفس التعليقة السابقة.
(٢) انظر تعليقنا (٨/ ٣٦٥/ ١).
[ ١٢ / ١٤ ]
رزؤنا، فإنه لم يُرزأ أحدٌ كرزئنا، فمن له مثل عوضنا! ثم نعاه إلى الناس، وحضّ الناس على الطاعة.
* * *
وذكر الحسن الحاجب أنّ الفضل بن سهل أخبره، قال: استقبل الرشيدَ وجوه أهل خُراسان، وفيهم الحسين بن مصعب. قال: ولقيني فقال لي: الرشيد ميّت أحد هذين اليومين، وأمرُ محمد بن الرشيد ضعيف، والأمر أمر صاحبك، مُدّ يدك. فمدَّ يده فبايع للمأمون بالخلافة. قال: ثم أتاني بعد أيام ومعه الخليل بن هشام، فقال: هذا ابن أخي، وهو لك ثقة خذ بيعته.
وكان المأمون قد رحل من مَرْو إلى قصر خالد بن حماد على فرسخ من مَرْو يريد سمَرقند، وأمر العبّاس بن المسيّب بإخراج الناس واللحوق بالعسكر، فمرّ به إسحاق الخادم ومعه نعيّ الرشيد، فغمّ العباس قدومه، فوصل إلى المأمون فأخبره، فرجع المأمون إلى مَرْو، ودخل دار الإِمارة، دار أبي مسلم، ونعى الرّشيدَ على المنبر، وشقّ ثوبه ونزل، وأمر للناس بمال، وبايع لمحمد ولنفسه وأعطى الجند رزق اثني عشر شهرًا (١).
قال: ولما قرأ الذين وردت عليهم كتبُ محمد بطوُس من القوّاد والجند وأولاد هارون، تشاوروا في اللحاق بمحمد، فقال الفضل بن الربيع: لا أدَعُ مُلْكًا حاضرًا لآخر لا يدرى ما يكون من أمرِه، وأمرَ الناس بالرّحيل، ففعلوا ذلك محبّةً منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون، فانتهى الخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمَرْو، فجمع مَنْ معه من قواد أبيه، فكان معه منهم عبد الله بن مالك، ويَحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، والعباس بن المسيَب بن زهير وهو على شرطته، وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته، وكان معه من أهل بيته عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرياستين، وهو عنده من أعظم الناس قدرًا وأخصِّهم به، فشاورهم وأخبرهم الخبر، فأشاروا عليه أن
_________________
(١) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٣٧٢).
[ ١٢ / ١٥ ]
يلحقهم في ألفيْ فارس جَريدة، فيردّهم، وسُمِّيَ لذلك قوم، فدخل عليه ذو الرياستين، فقال له: إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلتَ هؤلاء هديّة إلى محمّد، ولكنّ الرأي أن تكتب إليهم كتابًا، وتوجّه إليهم رسولًا، فتذكّرهم البيعة، وتسألهم الوفاء، وتحذّرهم الحنث، وما يلزمهم في ذلك في الدنيا والدين. قال: قلت له: إن كتابك ورسلك تقوم مقامك، فتستبرئ ما عند القوم، وتوجّهُ سهل بن صاعد - وكان على قهرمته - فإنه يأمُلك، ويرجو أن ينال أمله، فلن يألوَك نصحًا، وتوجّه نَوفلًا الخادم مولى موسى أمير المؤمنين - وكان عاقلًا -. فكتب كتابًا، ووجههما فلحقاهم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل (١).
فذكر الحسن بن أبي سعيد عن سهل بن صاعد، أنه قال [له]: فأوصلت إلى الفضل بن الربيع كتابَه، فقال لي: إنما أنا واحد منهم، قال لي سهل: وشدّ عليّ عبدُ الرحمن بن جبلة بالرّمح، فأمرّه على جنبي، ثم قال [لي]: قل لصاحبك: والله لو كنتَ حاضرًا لوضعت الرّمح في فيك، هذا جوابي.
قال: ونال من المأمون، فرجعت بالخبر (٢).
قال الفضل بن سهل: فقلت للمأمون: أعداء قد استرحتَ منهم، ولكن افهم عني ما أقول لك، إنّ هذه الدولة لم تكن قطّ أعزّ منها أيام أبي جعفر، فخرج عليه المقنّع وهو يدَّعي الربوبيّة، وقال بعضهم: طلب بدم أبي مسلم، فتضعضع العسكر بخروجه بخُراسان، فكفاه الله المؤنة. ثم خرج بعده يوسف البَرْم وهو عند بعض المسلمين كافر، فكفى الله المؤنة، ثم خرج أستاذسيس يدعو إلى الكفر، فسار المهديّ من الرّيّ إلى نيسابور فكُفِيَ المؤنة، ولكن ما اصنع! أكثرُ عليك! أخبرني كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتُهم اضطربوا اضطرابًا شديدًا، قلت: وكيف بك وأنت نازل في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم! كيف يكون اضطراب أهل بغداد! اصبر وأنا أضمن لك الخلافة - ووضعت يدي على صدري - قال: قد فعلتُ، وجعلتُ الأمر إليك فقمْ به. قال: قلت: والله لأصدُقَنّك، إن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومَنْ سمّينا من
_________________
(١) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٣٧٢).
(٢) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٣٧٢).
[ ١٢ / ١٦ ]
أمراء الرؤساء، إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفَع مني لك برياستهم المشهورة، ولمَا عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنتُ خادمًا له حتى تصير إلى محبتك، وترى رأيك فيّ. فلقيتُهم في منازلهم، وذكّرتهم البَيْعَة التي في أعناقهم وما يجب عليهم من الوفاء. قال: فكأني جئتُهم بجيفة على طَبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل، اخرج، وقال بعضهم: مَن الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه! فجئت فأخبرته، قال: قم بالأمر، قال: قلت: قد قرأتَ القرآن، وسمعتَ الأحاديث، وتفقهت في الدين، فالرّأي أن تبعث إلى مَنْ بالحضرة من الفقهاء، فتدعوَهم إلى الحقّ والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على اللّبود، وتردّ المظالم. ففعلنا وبعثنا إلى الفقهاء، وأكرمنا الموّاد والملوك وأبناء الملوك، فكنا نقول للتميمي: نُقيمك مقام موسى بن كعب، وللرَّبعيّ: نقيمك مقام أبي داود خالد بن إبراهيم، ولليمانيّ: نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم، فكنا ندعو كلّ قبيلة إلى نقباء رؤوسهم، واستملنا الرؤوس، وقلنا لهم مثل ذلك، وحططْنا عن خُراسان ربع الخرَاج، فحسن موقع ذلك منهم، وَسُرّوا به، وقالوا: ابن أختنا. وابن عمّ النبي - ﷺ - (١).
قال علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى محمد، وهدأ الناس ببغداد، أصبح صبيحة السّبت بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، فقال في ذلك شاعر من أهل بغداد:
بَنَى أَمينُ اللهِ مَيدانا وصيّرَ السّاحَةَ بُستانَا
وكانت الغزلانُ فيهِ بَانَا يُهدَى إِلَيْهِ فيهِ غِزلانا (٢)
_________________
(١) هذا الخبر الطويل (٨/ ٧٣٠ - ٣٧٢) أخرجه الطبري من طريق الحسن الحاجب (لا نعرف حاله) عن الفضل بن سهل والفضل هذا انفرد برواية هذه الأخبار وهذه المحاورات بينه وبين المأمون ولم نجد من أخرج هذه العبارات والردود الطويلة سوى الطبري فالله أعلم. أما اختلاف سيرة المأمون عن الأمين في رعاية أمور الناس وردّ المظالم الوارد في آخر الخبر (٨/ ٣٧٢/ ١١) فقد تحدّث عنه الجهشياري كذلك ولكن بصورة أوجز بعيدًا عن المبالغة والتنميق والتزيين الوارد في آخر خبر الطبري فقد قال الجهشياري: وسارت الركبان في الآفاق بغدر محمد وبحسن سيرة المأمون، فاستوحش الناس فيه وانحرفوا عنه وسكنوا إلى المأمون ومالوا [الوزراء والكتاب/ ٢٩٢].
(٢) علي بن إسحاق راوي الخبر لم نتبيّن من هو؟ ولم يبيّن الطبري كنيته ولا نسبه ولا لقبه ولم =
[ ١٢ / ١٧ ]
وفي هذه السنة شخصت أمّ جعفر من الرّقة بجميع ما كان معها هنالك من الخزائن وغير ذلك في شعبان، فتلقاها ابنُها محمد الأمين بالأنبار في جميع مَنْ كان ببغداد من الوُجوه، وأقام المأمون على ما كان يتولّى من عمل خُراسان ونواحيها إلى الرّيّ، وكاتب الأمين، وأهدي إليه هدايا كثيرة، وتواترت كتبُ المأمون إلى محمد بالتعظيم والهدايا إليه من طُرَف خُراسان من المتاع والآنية والمِسك والدوابِ والسلاحِ (١).
وفي هذه السنة دخل هَرْثمة حائط سَمَرْقند، ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل رافع التُّرك فوافوْه، فصار هرثمة بين رافع والترك، ثم انصرف الترك، فضعف رافع (٢).
وقتِل في هذه السنة نِقْفور ملك الروم في حرْب بُرْجان، وكان ملكه - فيما قيل - سبع سنين، وملك بعده إستبراق بن نِقْفور وهو مجروح، فبقيّ شهرين ومات. وملك ميخائيل بن جورجس خَتَنه على أخته (٣).
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكان والي مكة (٤).
وأقرّ محمد بن هارون أخاه القاسم بن هارون في هذه السنة على ما كان أبوه هارون ولّاه من عمل الجزيرة، واستعمل عليها خُزيمة بن خازم، وأقرّ القاسم على قِنَّسرين والعواصم (٥).
_________________
(١) = نجد تأييدًا للخبر عند خليفة ولا البسوي ولا الدينوريان ولا أي مصدر متقدم موثوق آخر والله أعلم.
(٢) لم أجد لهذا الخبر ذكرًا عند المؤرخين المتقدمين الثقات وانظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).
(٣) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).
(٤) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).
(٥) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٨).
(٦) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).
[ ١٢ / ١٨ ]