ذُكر عن حُميد بن سعيد، قال: لما ملك محمد، وكاتَبه المأمون، وأعطاه بيعتَه، طلب الخِصيان واتباعهم، وغالَى بهم، وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره، وقِوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه؛ وفرض لهم فرضًا سماهم الجراديّة، وفرضًا من الحبشان سمّاهم الغُرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رُمِي بهنّ؛ ففي ذلك يقول بعضهم:
ألا يَأ مُزمِنَ المثوى بطوسِ عَزيبًا ما يُفادَى بالنُّفُوسِ
لقد أبقيتَ للخصيان بعلا تحَمَّلَ منهمُ شؤمَ البَسُوسِ
فأَمّا نوفلٌ فالشأْنُ فِيهِ وفي بدرٍ، فيالك من جَليس!
وما العُصمِيُّ بَشَّارٌ لديْهِ إذا ذُكِروا بذي سهمٍ خَسيسِ
وما حَسَنُ الصغيرُ أَخسُّ حالًا لديه عند مخْترق الكؤوسِ
لهمْ من عُمْره شَطرٌ وَشَطْرٌ يُعاقِرُ فيه شَربَ الخَنْدريسِ
وَمَا للغانيات لَدَيْهِ حظُ سِوَى التَّقْطِيبِ بالوَجهِ العَبوسِ
إذَا كانَ الرئيسُ كَذَا سَقِيمًا فكيفَ صَلاحُنا بعدَ الرئيس!
فلو علمَ المقيمُ بدارِ طُوسٍ لَعزَّ على المقيم بدارِ طُوسِ (١)
قال حميد: ولما ملك محمد وجّه جميع البلدان في طلب الملهِين وضمِّهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فُرْه الدوابّ، وأخذ الوحوش والسباع والطيْر وغير ذلك؛ واحتجب عن إخوته وأهل بيته وقوّاده، واستخفّ بهم، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه
_________________
(١) هذا الخبر وخاصة العبارة الأولى منه: طلب الخصيان واتباعهم وغالى بهم .. الخ تناقلته بعض كتب التأريخ المتتالية وأصل الخبر هاهنا في تأريخ الطبري ذكره دون بيان الواسطة بينه وبين حميد بن سعيد والذي بدوره ذكره من كلامه ولم نجد لحميد هذا ترجمة في كتب التراجم ومصادرها - والخبر لا يصح بل هو من نبع الخيال - وحتى الروايات الضعيفة الأخرى التي سيذكرها الطبري بعد قليل تكذب عبارات هذا الخبر ومنها (رفض النساء الحرائر والإماء) وإلا كيف كان له من الأولاد مما سيذكر الطبري وكيف كان محاطًا بكل تلك الجواري كما تزعم الروايات الموضوعة الأخرى؟
[ ١٢ / ١٥٠ ]
ومحدّثيه، وحُمِل إليه ما كان في الرّقّة من الجوهر والخزائن والسلاح، وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخُلْد والخَيْزرانية وبستان موسى وقصر عبدويه وقصر المعلّى ورقة كَلْواذى وباب الأنبار وبناورى والهوب؛ وأمر بعمل خمس حَرّاقات في دِجلة على خِلْقة الأسد والفيل والعُقاب والحيّة والفرس، وأنفق في عملها مالًا عظيمًا، فقال أبو نواس يمدحه:
سَخَّرَ اللهُ لِلأَمين مَطَايَا لم تُسَخَّرَ لِصَاحِبِ المِحْرابِ
فإِذا ما ركابُه سِرْن برًّا سارَ في الماء راكبًا ليث غَابِ
أَسدًا باسطًا ذِرَاعيْهِ يَهوى أَهْرَتَ الشِّدْقِ كالحَ الأَنيَابِ
لا يعانيهِ باللِّجامِ ولا السَّوطِ ولا غمزِ رجِله في الرّكابِ
عجِب الناسُ إِذا رأَوكَ على صُو رةِ ليثٍ تمرّ مرَّ السَّحَابِ
سبَّحوا إِذا رَأَوك سِرْت عليه كيف لو أَبصرُوك فَوْقَ العُقابِ
ذاتِ زَور ومِنْسر وجَناحين تَشُقّ العُبابَ بَعدَ العُبَابِ
تسبق الطيرَ في السَّماء إِذا ما اسـ ـتَعجَلوها بجَيئةٍ وذهابِ
بَارَك الله للأَميرِ وأَبْقَاه وأَبْقَى لَهُ ردَاءَ الشباب
ملِكٌ تَقصُرُ المدَائحُ عنهُ هاشميٌّ موفَّقٌ للصوابِ (١)
وذُكر عن الحسين بن الضحّاك، قال: ابتنى الأمير سفينةً عظيمة، أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتّخذ أخرى على خلقة شيء يكون في البحر يقال له الدُّلْفِين، فقال في ذلك أبو نواس الحسن بن هانئ:
قد ركبَ الدُّلفينَ بَدرُ الدجى مقتحمًا في الماءِ قَدْ لَحَّجا
فأَشْرَقَتْ دِجلةُ في حُسْنِهِ وأَشرَقَ الشَّطَّان واستَبْهجا
_________________
(١) لو كان هذا صحيحًا لأفرج طاهر بن الحسين عن كل تلك الوحوش والسباع والطير وغير ذلك بعد مقتل الأمين أو أنها انطلقت خارج أقفاصها أثناء الهرج والمرج حين الحصار وقذف بغداد بالمنجنيق وفلتان الأمور ولتناقلته الألسن والأقلام ولكن لم يحصل ولو كان حقًّا أَحاط نفسه بالخصيان وغيرهم وترك أهل بيته وقواده، لما دَافع عنه الناس ذلك الدفاع الشديد ولفتحت بغداد بسهولة ولسلّمه حراسه وحاشيته كما فعلوا قبل ما يقرب من قرن من الزمان بالوليد الأموي الفاسق الذي تولى بعد هشام بن عبد الملك، والحمد لله الذي أظهر لنا هشاشة المتن ناهيك عن إسناده المهلهل الذي انعدم السلسلة إلا من واحد هو حميد بن سعيد ولم نجد له ذكرًا في كتب التراجم.
[ ١٢ / ١٥١ ]
لم تَرَ عيني مثلَهُ مَرْكَبًا أَحسنَ إِن سَارَ وإن أَجنحا
إِذا استَحثثتْهُ مجادِيفُهُ أَعنَقَ فَوْقَ الماء أَو هَمْلَجا
خصَّ به اللهُ الأَمين الَّذِي أَضحى بتاج الملك قد تُوِّجا (١)
وذكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما المغنّى الكُوفيّ أنه قال: كان العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر من رجالات بني هاشم جَلَدًا وعقلًا وصنيعًا؛ وكان يتّخذ الخَدَم، وكان له خادم من آثر خَدَمِه عنده يقال له منصور، فوجَد الخادم عليه، فهرب إلى محمد، وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظِي عنده حُظوةً عجيبة. قال: فركب الخادم يومًا في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال لهم السيّافة، فمرّ بباب العباس بن عبد الله؛ يريد بذلك أن يُرِيَ خدم العباس هيئته وحاله التي هو عليها. وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج محضرًا في قميص حاسرًا، في يده عمود عليه كِيُمخت، فلحقه في سويقة أبي الورد، فعلِق بلجامه، ونازعه أولئك الخدم، فجعل لا يضرب أحدًا منهم إلا أوهنه، حتى تفرّقوا عنه، وجاء به يقوده حتى أدخله داره. وبلغ الخبر محمدًا، فبعث إلى داره جماعةً، فوقفوا حيالها، وصفّ العباس غلمانه ومواليه على سور داره، ومعهم التِّرسة والسهام، فقام أحمد بن إسحاق: فخفنا والله النار أن تحرق منازلنا؛ وذلك أنهم أرادوا أن يحرِقوا دار العباس. قال: وجاء رشيد الهارونيّ، فاستأذن عليه فدخل إليه، فقال: ما تصنع! أتدري ما أنت فيه وما قد جاءك! لو أذِن لهم لاقتلعوا دارك بالأسنّة، ألستَ في الطاعة! قال: بلى، قال: فقم فاركب. قال: فخرج في سَواده، فلما صار على باب داره، قال: يا غلام؛ هلمّ دابتي فقال رشيد: لا ولا كرامة! ولكن تمضي راجلًا. قال: فمضى، فلما صار إلى الشارع نظر؛ فإذا العالمون قد
_________________
(١) وهذا مثال ثالث للأخبار الموضوعة فالحسين بن ضحاك شاعر ماجن خليع سمّي الخليع لكثرة مجونه وخلاعته (وفيات الأعيان/ ٢/ ١٦٢) ولو كان صادقًا في قوله أن الأمين ابتنى سفنًا على شكل الدلفين أو كما قال سلفه من قبل (حميد بن سعيد) على شكل الأسد أو الفيل والعقاب والحية والفرس فأين كانت كل تلك السفن والحراقات يوم لم يجد إلا حراقة واحدة جهزه له خصومه لما أراد العبور إلى هرثمة وسقط في الماء فأين كان أسطوله النهري ذلك؟ إلا أنه خيال الوضاعين والماجنين من أمثال الحسين بن الضحاك الخليع.
[ ١٢ / ١٥٢ ]
جاءوا، وجاءه الجُلوديّ والإفريقيّ وأبو البطّ وأصحاب الهِرْش. قال: فجعل ينظر إليهم، وأنا أراه راجلًا ورشيد راكب. قال: وبلغ أمّ جعفر الخبرُ، فدخلت على محمد، وجعلت تطلب إلى محمد، فقال لها: نُفيتُ من قرابتي من رسول الله - ﷺ - إن لم أقتله! وجعلتْ تلحّ عليه، فقال لها: والله إني لأظنني سأسطو بك. قال: فكشفت شعرَها، وقالت: ومن يدخل عليّ وأنا حاسر! قال: فبينا محمد كذلك - ولم يأت العباس بعدُ - إذ قدم صاعد الخادم عليه بقتل عليّ بن عيسى بن ماهان، فاشتغل بذلك، وأقام العباس في الدّهليز عشرة أيام، ونسيه ثم ذكره، فقال: يُحبَس في حُجْرة من حُجَر داره، ويدخل عليه ثلاثة رجال من مواليه من مشايخهم يَخْدُمونه، ويُجعل له وظيفة في كلّ يوم ثلاثة ألوان. قال: فلم يزل على هذه الحال حتى خرج حسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، ودعا إلى المأمون، وحبس محمد. قال فمرَّ إسحاق بن عيسى بن علي ومحمد بن محمد المعبديّ بالعباس بن عبد الله وهو في منظرة، فقالا له: ما قعودك؟ اخرج إلى هذا الرجل - يعنيان حسين بن عليّ - قال: فخرج فأتى حسينًا، ثم وقف عند باب الجسر؛ فما ترك لأم جعفر شيئًا من الشتم إلا قاله، وإسحاق بن موسى يأخذ البيعة للمأمون. قال: ثم لم يكن إلا يسيرًا حتى قتِل الحسين، وهرب العباس إلى نهر بين إلى هَرْثمة، ومضى ابنه الفضل بن العباس إلى محمد، فسعى إليه بما كان لأبيه، ووجّه محمد إلى منزله، فأخذ منه أربعة آلاف ألف درهم وثلثمائة ألف دينار، وكانت في قماقم في بئر، وأُنْسوا قمقميْن من تلك القماقم، فقال: ما بقي من ميراث أبي سوى هذين القمقمين، وفيهما سبعون ألف دينار. فلما انقضت الفتنة وقُتِل محمد رجع إلى منزله فأخذ القمقمين وجعلهما وحجّ في تلك السنة، وهي سنة ثمان وتسعين ومائة (١).
قال أحمد بن إسحاق: وكان العباس بن عبد الله يحدّث بعد ذلك؛ فيقول: قال لي سليمان بن جعفر ونحن في دار المأمون: أمَا قتلت ابنك بعدُ؟ فقلت:
_________________
(١) أحمد بن إسحاق بن برصوما لم نجد له ترجمة في كتب التراجم وإن كان لقب المغني مقصودًا به هو (أحمد) فكيف يكون عدلًا ثقة لنعتمد على خبره، ولم نجد للخبر تأييدًا من مصدر آخر ثقة والله أعلم.
[ ١٢ / ١٥٣ ]
يا عمّ، جعلت فداك! ومن يقتل ابنه! فقال لي: اقتله؛ فهو الذي سعى بك وبمالك فأفقرك.
وذُكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما، قال: لمّا حُصِر محمد وضغطه الأمر، قال: ويحكم! ما أحد يستراح إليه! فقيل له: بلى، رجل من العرب من أهل الكوفة، يقال له وضّاح بن حبيب بن بديل التميميّ؛ وهو بقيّة من بقايا العرب، وذو رأي أصيل، قال: فأرسلوا إليه، قال: فقدم علينا، فلمّا صار إليه قال له: إني قد خُبّرت بمذهبك ورأيك، فأَشِر علينا في أمرنا، قال له: يا أميرَ المؤمنين، قد بطل الرأي اليوم وذهب؛ ولكن استعمل الأراجيف؛ فإنها من آلة الحرب؛ فنصب رجلًا كان ينزل دُجيلًا يقال له بكير بن المعتمر؛ فكان إذا نزلت بمحمد نازلة وحادثة هزيمة قال له: هات؛ فقد جاءنا نازلة، فيضع له الأخبار، فإذا مشى الناس تبيّنوا بُطلانها. قال أحمد بن إسحاق: كأني أنظر إلى بكير بن المعتمر شيخ عظيم الخلْق (١).
وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان الكاتب، قال: حدّثنا إبراهيم بن الجرّاح، قال: حدّثني كوثر، قال: أمر محمد بن زُبيدة يومًا أن يفرَش له على دُكان في الخُلْد، فبسط له عليه بساط زَرَعيّ، وطُرِحت عليه نمارق وفُرش مثله، وهُيّئ له من آنية الفضة والذهب والجوهر أمر عظيم، وأمر قيّمةَ جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتُصعَد إليه عشرًا عشرًا، بأيديهنّ العيدان يغنّين بصوت واحد؛ فأصعدت إليه عشرًا، فلما استوين على الدكان اندفعن فغنّين:
هُم قَتَلُوهُ كَي يَكُونوا مَكَانَهُ كَمَا غدَرَتْ يومًا بِكِسْرَى مرازِبُهْ
قال: فتأفّف من هذا، ولعنها ولعن الجواري، فأمر بهنّ فأنزلن، ثم لبث هنيهة وأمرها أن تُصعد عشرًا، فلما استوين على الدكان اندفعن فغنّين:
مَنْ كانَ مَسْرورًا بمقتلِ مالكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوتَنا بِوَجْهِ نَهار
يجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ يَلطُمْن قَبْلَ تبلّج الأَسْحَارِ
قال: فضجر وفعل مثل فَعْلته الأولى، وأطرق طويلًا، ثم قال: أصعِدِي عشرًا، فأصعدتهنّ، فلمّا وقفن على الدّكان، اندفعن يغنين بصوت واحد:
_________________
(١) انظر الخبر السابق وتعليقنا عليه.
[ ١٢ / ١٥٤ ]
كُلَيبٌ لَعَمْري كَانَ أَكثر نَاصِرًا وأَيْسرَ ذَنبًا منك ضرِّجَ بالدَّمِ
قال: فقام من مجلسه، وأمر بهدم ذلك المكان تَطَيُّرًا مما كان (١).
وذُكر عن محمد بن عبد الرحمن الكنْديّ، قال: حدّثني محمد بن دينار، قال: كان محمد المخلوع قاعدًا يومًا، وقد اشتدّ عليه الحصار، فاشتدّ اغتمامه، وضاق صدره؛ فدعا بندمائه والشراب ليتسلَّى به، فَأُتِيَ به، وكانت له جارية يتحظّاها من جواريه، فأمرها أن تُغَنِّي، وتناول كأسًا ليشربه؛ فحبس الله لسانها عن كل شيء، فغنّت:
كُلَيبٌ لَعَمْري كَانَ أَكثر نَاصِرًا وأَيْسرَ ذَنبًا منك ضرِّجَ بالدَّمِ
أرماها بالكأس الذي في يده، وأمر بها فطُرحت للأسد، ثم تناول كأسًا أخرى، ودعا بأخرى فغنَّت:
هُمُ قَتَلُوهُ كَيْ يَكُونُوا مَكَانَهُ كَمَا غَدَرَتْ يَوْمًا بكِسْرَى مَرازبُهْ
فرمى وجهها بالكأس، ثم تناول كأسًا أخرى ليشربها، وقال لأخرى: غَنّي، فغنت:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيم أَخِي
قال: فرمى وجهها بالكأس، ورمى الصينيّة برجله، وعاد إلى ما كان فيه من همّه، وقُتِل بعد ذلك بأيام يسيرة.
وذُكر عن أبي سعيد أنه قال: ماتت فَطِيم - وهي أمّ موسى بن محمد بن هارون المخلوع - فجزع عليها جزعًا شديدًا، وبلغ أمّ جعفر، فقالت: احملوني إلى أمير المؤمنين، قال: فحمِلت إليه، فاستقبلها، فقال: يا سيّدتي، ماتت فَطِيم، فقالت:
نَفْسي فداؤك لا يذهبْ بك اللَّهَفُ ففي بقائِكَ مِمَّن قَدْ مضى خَلَفَ
عُوّضتَ مُوسى فهانتْ كلُّ مَرْزِئةٍ ما بَعْدَ مُوسى على مفقودةٍ أَسَفُ
وقالت: أعظم الله أجرك، ووفّر صبرك، وجعل العزاء عنها ذخرك!
_________________
(١) راوي الخبر (كوثر) خادم الأمين مجهول الحال وأما انشغال المأمون باللهو والعبث فقد اتهمه بعض المؤرخين المتقدمين بذلك وإن كان فيه كثير مبالغة ولكن هذه الرواية بالذات غير صحيحة والله أعلم.
[ ١٢ / ١٥٥ ]
وذكر عن إبراهيم بن إسماعيل بن هانئ، ابن أخي أبي نواس، قال: حدثني أبي قال: هجا عمُّك أبو نواس مُضَر في قصيدته التي يقول فيها:
أَمّا قريشٌ فَلَا افتخارَ لَهَا إلَّا التِّجاراتُ مِنْ مَكَاسِبِها
وأَنَّها إِن ذكرتَ مكْرُمةً جاءَت قريشٌ تسعى بغالبِها
إِنَّ قريشًا إِذا هي انتَسبت كان لها الشَّطرُ من مناسبها
قال: يريد أن أكرمها يُغالب. قال: فبلغ ذلك الرّشيدَ في حياته، فأمر بحبسه؛ فلم يزل محبوسًا حتى ولي محمد، فقال يمدحه، وكان انقطاعه إليه أيام إمارته، فقال:
تَذكَّرْ أَمينَ اللهِ والعهدُ يُذكَرُ مُقامِي وإنشادِيكَ والنَّاسُ حُضَّرُ
ونثرى عليك الدُّرَّ يا درّ هاشمٍ فيا مَنْ رَأَى دُرًّا على الدرّ يُنثر!
أَبُوك الَّذي لم يملكِ الأَرضَ مثلُه وعمُّك مُوسى عَدْلُهُ المتخَيَّرُ
وجدّك مهدي الهدَى وشقيقهُ أَبو أُمّك الأَدنى أَبو الفضل جعفر
وما مثلُ منصوريْك: منصورِ هاشمٍ ومنصور قحطانٍ إذا عُدَّ مفخَر
فَمنْ ذَا الَّذِي يرمي بسهمَيْك في العلا وعَبْد منافٍ والدَاكَ وحِمْيرُ
قال: فتغنّت بهذه الأبيات جارية بين يدي محمد، فقال لها: لمن الأبيات؟ فقيل له: لأبي نواس، فقال: وما فعل؟ فقيل له: محبوس، فقال: ليس عليه بأس. قال: فبعث إليه إسحاق بن فِراشة وسعيد بن جابر أخا محمد من الرضاعة، فقالا: إن أمير المؤمنين ذكرك البارحة فقال: ليس عليه بأس، فقال أبياتًا، وبعث بها إليه، وهي هذه الأبيات:
أَرقتُ وطَارَ عَنْ عَيْنِي النُّعَاسُ وَنَامَ السَّامِرُون وَلمْ يُؤَاسُوا
أَمينَ الله قد مُلِّكتَ مُلكًا عَلَيكَ مِن التُّقَى فِيهِ لِبَاسُ
ووجهك يَستهلُّ نَدىً فَيحيا به في كلّ ناحيةٍ أُناسُ
كأَنَّ الخلقَ في تمثالِ رُوحٍ لَهُ جَسدٌ وأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ
أَمينَ الله إِنَّ السِّجْنَ بأْسٌ وقَدْ أَرْسَلتَ: ليس عليك باسُ
فلما أنشده قال: صدَق، عليّ به، فجيء به في الليل، فكسرتْ قيوده، وأخرِج حتى أدخل عليه، فأنشأ يقول:
مَرحبًا مَرحبًا بخير إِمامٍ صيغَ من جَوْهَرِ الخلافةِ نَحْتَا
[ ١٢ / ١٥٦ ]
يا أَمينَ الإِله يكلؤك اللـ ـه مُقِيمًا وظاعنًا حيث سِرْتا
إِنَّما الأَرض كلُّها لَكَ دارٌ فَلَكَ الله صاحبٌ حَيْثُ كُنْتَا
قال: فخلع عليه، وخلَّى سبيله، وجعله في ندمائه (١).
وذُكر عن عبد الله بن عمرو التميميّ، قال: حدّثني أحمد بن إبراهيمُ الفارسيّ، قال: شرب أبو نواس الخمر، فرُفع ذلك إلى محمد في أيامه، فأمر بحبسه، فحبسه الفضل بن الربيع ثلاثة أشهر، ثم ذكره محمد، فدعا به وعنده بنو هشام وغيرهم، ودعا له بالسيف والنَّطَع يهدّده بالقتل، فأنشده أبو نواس هذه الأبيات:
تَذَكَّرْ أَمينَ اللهِ والْعَهْدُ يُذْكَرُ
الشعر الذي ذكرناه قبل، وزاد فيه:
تَحسنتِ الدُّنيْا بِحُسْنِ خليفةٍ هُو الْبَدْرُ إِلَّا أَنَهُ الدَّهرَ مُقمِرُ
إِمامٌ يسُوسُ الناسَ سَبْعِين حِجَّةً عليه لَهُ منها لباسٌ ومئزر
يُشير إِليه الجودُ من وَجَناتِهِ وَيَنْظُرُ من أَعطافِه حِينَ يَنْظُرُ
أَيا خيرَ مأْمولٍ يرجَّى، أَنا امرؤٌ رهِينٌ أَسِيرٌ في سُجُونك مُقفِرُ
مَضَى أَشهرٌ لي مُذْ حبسْتُ ثلاثة كأَنيَ قد أَذنبتُ ما ليس يُغْفَرُ
فإِن كنتُ لم أذْنِبْ ففيمَ تَعَقُّبي! وِإن كُنتُ ذا ذنبٍ فعفوُك أَكثرُ
قال: فقال له محمد: فإن شربتَها! قال: دمي لك حلال يا أمير المؤمنين، فأطلقه. قال: فكان أبو نواس يشمّها ولا يشربها وهو قوله:
لا أَذُوقُ المُدامَ إِلَّا شميما (٢)
وذكر عن مسعود بن عيسى العبديّ، قال: أخبرني يحيى بن المسافر القَرْقِسائيّ، قال: أخبرني دُحَيْم غلام أبي نواس؛ أن أبا نواس عتب عليه محمد في شرب الخمر، فطبق به - وكان للفضل بن الربيع خالٌ يستعرض أهل
_________________
(١) هذا الخبر الطويل (٥١٤ - ٥١٥ - ٥١٦) ذكره ابن عساكر مع بعض الاختلاف والتقديم والتأخير والاختصار [انظر تأريخ دمشق/ مجلد ٥٦/ ٢٢٥/ تر ٧١٠٠].
(٢) انظر تأريخ دمشق [مجلد ٥٦/ ٢٢٦/ تر ٧١٠٠].
[ ١٢ / ١٥٧ ]
السجون ويتعاهدُهم ويتفقدّهم - ودخل في حبس الزنادقة، فرأى فيه أبا نواس - ولم يكن يعرفه - فقال له: يا شابّ، أنت مع الزنادقة! قال: معاذ الله، قال: فلعلك ممّن يعبد الكبش، قال: أنا آكل الكَبْشَ بصوفه، قال: فلعلك ممّن يعبد الشمس؟ قال: إني لأتجنب القعود فيها بغضًا لها، قال: فبأيّ جرم حبِست؟ قال: حبست بتهمة أنا منها برئ، قال: ليس إلا هذا؟ قال: والله لقد صدقتُك. قال: فجاء إلى الفضل، فقال له: يا هذا، لا تحسنون جوار نعم الله ﷿! أيُحْبَسُ الناس بالتّهمة! قال: وما ذاك؟ فأخبره بما ادّعى من جُرمه، فتبسّم الفضل، ودخل على محمد، فأخبره بذلك، فدعا به، وتقدّم إليه أن يجتنب الخمر والسكر، قال: نعم، قيل له: فبعهد الله! قال: نعم، قال: فأخرِج، فبعث إليه فتيان من قريش فقال لهم: إني لا أشرب، قالوا: وإن لم تشرب فآنِسْنا بحديثك، فأجاب، فلما دارت الكأس بينهم، قالوا: ألم ترتح لها؟ قال: لا سبيل والله إلى شربها، وأنشأ يقول:
أَيُّها الرَّائِحَانِ باللومِ لُومَا لا أَذُوق المُدامَ إِلا شمِيما
نَالَنِي بالمَلامِ فيها إِمامٌ لا أُرَى في خلافِهِ مستقيما
فَاْصِرفَاهَا إِلى سِوَايَ فإِني لَسْتُ إِلَّا على الحديث نَدِيمَا
إِنَّ حظّي منها إِذا هيَ دارَت أَن أَرَاهَا وأَن أَشَمَّ النَّسيما
فكأَنِّي وَمَا أحَسِّنُ مِنْها قَعَدِيٌّ يُزَيّنُ التَّحكيما
كَلَّ عن حَمْلةِ السِّلاح إلى الحَرْ بِ فأَوصى المطيقَ أَلا يُقِيما (١)
وذُكِرَ عن أبي الورد السُّبْعيّ أنه قال: كنت عند الفَضل بن سهل بخُراسان، فذكر الأمين، فقال: كيف لا يُسْتَحلّ قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه:
أَلا سَقِّنِي خَمْرًا وقلْ لي هِيَ الْخَمْرُ وَلا تَسْقِني سرًّا إِذا أَمكَنَ الجهْرُ
قال: فبلغت القصّةُ محمدًا، فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه (٢).
وذكر كامل بن جامع عن بعض أصحاب أبي نواس ورواته، قال: كان أبو نواس قال أبياتًا بلغت الأمين في آخرها:
وقد زَادَني تِيهًا على النَّاسِ أَنَّني أَرانيَ أَغنَاهُمْ إِذا كنتُ ذَا عُسرِ
_________________
(١) انظر الوزراء والكتاب للجهشياري (٢٩٦).
(٢) انظر الوزراء والكتاب (٢٩٥).
[ ١٢ / ١٥٨ ]
وَلَوْ لم أَنلْ فَخرًا لكانت صيانَتي فمِي عن جميع الناس حَسْبي من الفخر
ولا يَطمَعَنْ في ذَاكَ منِّيَ طامِع ولا صَاحِبُ التَّاج المحجَّبُ في القصرِ
قال: فبعث إليه الأمين - وعنده سليمان بن أبي جعفر - فلما دخل عليه، قال: يا عاضّ بَظْر أمّه العاهرة! يا بن اللخناء - وشتمه أقبح الشتم - أنت تكسب بشعرك أوساخ أيدي اللئام، ثم تقول:
ولا صاحبُ التاج المحجب في القصر
أما والله لا نلتَ مني شيئًا أبدًا. فقال له سليمان بن أبي جعفر، والله يا أمير المؤمنين، وهو من كبار الثنويَّة، فقال محمد: هل يشهد عليه بذلك شاهد؟ فاستشهد سليمان جماعة، فشهد بعضهم أنه شرب في يوم مطير، ووضع قَدَحه تحت السماء، فوقع فيه القطر، وقال: يزعمون أنه ينزل مع كلّ قطرة مَلك، فكم ترى أني أشرب الساعة من الملائكة! ثم شرب ما في القَدَح، فأمر محمد بحبسه، فقال أبو نواس في ذلك:
يَا رَبّ إِنَّ القَوْمَ قد ظَلَمُونِي وَبلَا اقتِرافِ تَعَطُّلٍ حَبَسُونِي
وِإلى الجُحودِ بما عَرفتَ خلَافَهَ مِنِّي إِليه بكيدهمْ نَسَبُوني
ما كان إلا الجرْيُ في مَيْدانِهِمْ في كلِّ جَرْيٍ والمخافةُ ديني
لا العذرُ يُقبل لي فيَفرقَ شَاهِدِي منهم ولا يرضوْن حَلفَ يَمينِي
ولكان كوثرُ كان أَوْلى مَحْبسًا في دار مَنقَصةٍ ومنزل هُونِ
أَمّا الأَمينُ فلست أَرجو دفعَهُ عنِّي، فمن لِي اليومَ بالمأْمون!
قال: وبلغت المأمونَ أبياته، فقال: والله لئن لحقته لأَغنِيَنَّه غنى لا يؤمّله، قال: فمات قبل دخول المأمون مدينة السلام (١).
قال: ولما طال حبسُ أبي نواس، قال في حبسه - فيما ذكر - عن دِعامة:
اِحمدوا اللهَ جميعًا يا جَمِيعَ المُسْلِمينا
ثم قولوا لا تَمَلُّوا رَبَّنَا أَبقِ الأَمينَا
صيَّر الخِصيَانَ حتَّى صيَّر التَّعْنِينَ دِينَا
فاقتدَى النَّاس جميعًا بأَميرِ المؤمنينا
_________________
(١) انظر الوزراء والكتاب للجهشياري (٢٩٦).
[ ١٢ / ١٥٩ ]
قال: وبلغت هذه الأبيات أيضًا المأمون وهو بخراسان، فقال: إنِّي لأتوكَّفُه أن يهرب إليّ.
وذكر يعقوب بن إسحاق، عمن حدّثه، عن كوثر خادم المخلوع، أنّ محمدًا أرِقَ ذات ليلة، وهو في حَرْبه مع طاهر، فطلب مَنْ يسامره فلم يقرب إليه أحد من حاشيته، فدعا حاجبيه، فقال: ويلك! قد خطرت بقلبي خطرات فأحضِرْني شاعرًا ظريفًا أقطع به بقيّة ليلتي، فخرج الحاجب، فاعتمد أقرب مَنْ بحضرته، فوجد أبا نواس، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال له: لعلك أردتَ غيري! قال: لم أرد أحدًا سواك. فأتاه به، فقال: مَنْ أنت؟ قال: خادمك الحسن بن هانئ، وطليقك بالأمس، قال: لَا تُرَعْ؛ إنه عرضتْ بقلبي أمثال أحببت أن تجعلها في شعر، فإن فعلتَ ذلك أجزتُ حكمك فيما تطلب، فقال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قولهم: عفا الله عمّا سلف، وبئس والله ما جَرَى فرسِي، واكسري عودًا على أنفِك، وتمنّعي أشهى لك. قال: فقال أبو نواس. حكمي أربع وصائف مقدودات، فأمر بإحضارهنّ، فقال:
فقَدتِ طُولَ اعتلالِكْ وما أرى في مِطالكْ
لقدْ أردتِ جفائي وقد أردتُ وصالكْ
ماذا أردت بهذا! تمنّعي أَشْهَى لك
وأخذ بيد وصيفة فعزلها، ثم قال:
قد صحّت الأَيمانُ من حَلفِكِ وصِحْتُ حتى متُّ مِنْ خلفِكِ
بالله يا ستِّي احنثي مَرَّةً ثم اكسِري عُودًا على أنفِكِ
ثم عزل الثانية، ثم قال:
فديْتُكِ مَاذا الصَّلف وشتْمُكِ أَهلَ الشرَفْ!
صِلِي عاشقًا مدنفًا قَد اعتِب ممّا اقترفْ
ولا تَذكُرِي ما مضَى عَفَا اللهُ عما سَلَف
ثم عزل الثالثة، وقال:
وَبَاعِثَاتٍ إِليَّ في الغلَسِ أَنِ ائتِنَا واحترسْ من العَسَسِ
حتى إِذا نُوِّم العُدَاةُ ولمْ أَخمتىَ رقيبًا ولا سَنَا قبَسِ
ركبتُ مُهرِي وقد طرِبتُ إِلى حُورٍ حِسانٍ نوَاعِمٍ لعُسِ
[ ١٢ / ١٦٠ ]
فجئتُ والصبْح قد نهضت له فَبئسَ واللهِ ما جَرَى فَرَسِي
فقال: خذهنّ لا بارك الله لك فيهنّ!
وذكر عن الموصليّ، عن حسين خادم الرّشيد، قال: لما صارت الخلافة إلى محمد هيئ له منزلٌ من منازله على الشطّ، بفرش أجود ما يكون من فرش الخلافة وأسواه، فقال: يا سيّدي؛ لم يكن لأبيك فرش يباهي به الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا؛ فأحببت أن أفرشه لك، قال: فأحببت أن يفرش لي في أوّل خلافتي المردراج، وقال: مزّقوه، قال: فرأيت والله الخدم والفراشين قد صيّرُوه ممزقًا وفرّقوه.
وذكر عن محمد بن الحسن، قال: حدثني أحمد بن محمد البرمكيّ أن إبراهيم بن المهديّ غنّى محمد بن زبيدة:
هَجَرْتُك حَتى قِيلَ لا يَعْرِفُ القِلى وزُرْتكِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ له صَبرُ
فطرب محمد، وقال: أوقروا زورقه ذهبًا.
وذُكر عن عليّ بن محمد بن إسماعيل، عن مخارق، قال: إني لعند محمد بن زُبيدة يومًا ماطرًا، وهو مصطبح، وأنا جالس بالقرب منه، وأنا أغنِّي وليس معه أحد، وعليه جبّة وَشْى، لا والله ما رأيت أحسن منها. فأقبلت أنظر إليها، فقال: كأنك استحسنتَها يا مخارق! قلت: نعم سيدي؛ عليك لأنّ وجهك حسن فيها، فأنا أنظر إليه وأعوّذك. قال: يا غلام، فأجابه الخادم، قال: فدعا بجُبّة غير تلك، فلبسها وخلع التي عليه عليّ، ومكثت هنيهة ثم نظرت إليه، فعاودني بمثل ذلك الكلام، وعاودته، فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جِباب ظاهرتُ بينها. قال: فلما رآها عليَّ ندم وتغيّر وجهه، وقال: يا غلام، اذهب إلى الطباخين فقل لهم: يطبخوا لنا مصليّة، ويجيدوا صنعتها، وأتني بها الساعة، فما هو إلا أن ذهب الغلام حتى جاء الخِوان، وهو لطيف صغير، في وسطه غضّارة ضَخْمة ورغيفان، فوضعت بين يديه، فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفةَ، ثم قال: كُلْ يا مخارق، قلت: يا سيّدي، أعفِني من الأكل، قال: لست أعفيك فكلْ، فكسرت لقمة، ثم تناولت شيئًا، فلما وضعته في فمي، قال: لعنك الله! ما أشرهك! نغّصتها عليّ وأفسدتَها، وأدخلت يدك فيها، ثم رفع الغضّارة بيده، فإذا هي في حجْري، وقال: قم لعنك الله! فقمت، وذاك
[ ١٢ / ١٦١ ]
الودك والمرَق يسيل من الجباب، فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلي، ودعوت القصّارين والوشائين فجهدت جهدي أن تعود كما كانت فما عادت.
وذُكر عن البحتريّ أبي عبادة، عن عبيد الله بن أبي غَسّان، قال: كنت عند محمد في يوم شاتٍ شديد البرْد، وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش؛ قلّما رأيت أرفع قيمة مثله ولا أحسن، وأنا في ذلك اليوم طاوٍ ثلاثة أيام ولياليهنّ إلّا من النبيذ؛ والله لا أستطيع أن أتكلّم ولا أعقل، فنهض نهضة البول، فقلت لخادم من خدم الخاصّة: ويلك! قد والله متّ، فهل من حيلة إلى شيء تلقيه في جوفي يبرد عنِّي ما أنا فيه! فقال: دعني حتى أحتال لك وأنظر ما أقول، وصدّق مقالتي، فلما رجع محمد وجلس نظر الخادم إليّ نظرة، فتبسّم، فرآه محمد، فقال: ممَّ تبسَّمت؟ قال: لا شيء يا سيدي، فغضب. قال البحتريّ: فقال: شيء في عبيد الله بن أبي غسان، لا يستطيع أن يشمّ رائحة البطيخ ولا يأكله، ويجزع منه جزعًا شديدًا. فقال: يا عبيد الله هذا فيك؟ قال: قلت: إي والله يا سيّدي، ابتليت به، قال: ويحك! مع طيب البطّيخ وطيب ريحه! قال: فقلت: أنا كذا، قال: فتعجّب ثم قال: عليّ ببِطيخ، فأتِيَ منه بعدّة، فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه، وتنحّيت. قال: خذوه، وضعوا البِطِّيخ بين يديه، قال: فأقبلت أريه الجزع والاضطراب من ذلك، وهو يضحك، ثم قال: كُلْ واحدة، قال: فقلتُ: يا سيّدي، تقتلني وترمي بكلّ شيء في جوفي وتهيّج عليّ العلل، الله الله فيّ! قال: كلْ بِطيخة ولك فرش هذا البيت؛ عليّ عهد الله بذلك وميثاقه، قلت: ما أصنع بفرش بيت، وأنا أموت إن أكلت! قال: فتأبّيت، وألحّ عليّ، وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة، فجعلوا يحشونها في فمي، وأنا أصرخُ وأضطرب؛ وأنا مع ذلك أبلع، وأنا أريه أني بِكرْه أفعل ذلك وألطم رأسي، وأصيح وهو يضحك، فلما فرغت تحوّل إلى بيت آخر، ودعا الفرّاشين، فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلي، ثم عاودني في فرش ذلك البيت في بطيخة أخرى، ثم فعل كفعله الأول، وأعطاني فرش البيت؛ حتى أعطاني فرش ثلاثة أبيات، وأطعمني ثلاث بطّيخات، قال: وحسنت والله حالي، واشتدّ ظهري.
قال: وكان منصور بن المهديّ يريه أنه ينصح له، فجاء وقد قام محمد يتوضأ، وعلمت أن محمدًا سيعقبني بشرّ ندامة على ما خرج من يديه؛ فأقبل عليّ
[ ١٢ / ١٦٢ ]
منصور ومحمد غائب عن المجلس، وقد بلغه الخبر، فقال: يا بن الفاعلة، تخدع أمير المؤمنين، فتأخذ متاعه! والله لقد هممتُ أفعل وأفعل، فقلت: يا سيّدي، قد كان ذاك؛ وكان السبب فيه كذا وكذ، فإن أحببتَ أن تقتلني فتأثَم فشأنك، وإن تفضّلت فأهل لذلك أنت، ولستُ أعود. قال: فإني أتفضّل عليك. قال: وجاء محمد، فقال: افرشوا لنا على تلك البرْكة، ففرشوا له عليها، فجلس وجلسنا وهي مملوءة ماء، فقال: يا عمّ، اشتهيتُ أن أصنع شيئًا؛ أرمي بعبيد الله إلى البرْكة وتضحك منه. قال: يا سيّدي إن فعلتَ هذا قتلتَه لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا، ولكني أدلك على شيء خيرتُ به، طيّب، قال: ما هو؟ قال: تأمر به يشُدّ في تخت، ويُطرح على باب المتوضأ، ولا يأتي بابَ المتوضّأ أحد إلا بال على رأسه. فقال: طيّب والله؛ ثم أتَى بتخت فأمر فشُددت فيه، ثم أمر فحمِلت وألقِيتُ على باب المتوضأ، وجاء الخدم فأرخوا الرِّباط عني، وأقبلوا يرونه أنهم يبولون عليّ وأنا أصرخ، فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك. ثم أمر بي فحُلِلتُ ورأيته أني تنظّفت وأبدلت ثيابي وجاوزت عليه (١).
وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربجع عن أبيه - وكان حاجبَ المخلوع - قال: كنتُ قائمًا على رأسه، فأتَى بغدَاء فتغدّى وحده، وأكل أكلًا عجيبًا، وكان يومًا يعدّ للخلفاء قبله على هيئة ما كان يُهيَّأ لكلّ واحد منهم يأكل من كلّ طعام، ثم يؤتَى بطعامه. قال: فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبي العنبر - خادم كان لأمه - فقال: ادْهب إلى المطبخ، فقل لهم يهيئون لي بزْماورْد، ويتركونه طوالًا لا يقطّعونه، ويكون حشوه شحوم الدّجاج والسمن والبَقْل والبيض والجبن والزيتون والجوز، ويكثرون منه ويعجلونه؛ فما مكت إلا يسيرًا حتى جاءوا به في خوان مربّع، وقد جعل عليه البزْماورد الطوال، على هيئة القبة العبدصمديّة، حتى صيّر أعلاها بزماوردة واحدة، فوُضع بين يديه، فتناول واحدةً فأكلها، ثم لم يزل كذلك حتى لم يُبقِ على الخوان شيئًا.
وذكر عن عليّ بن محمد أنّ جابر بن مصعب حدّثه، قال: حدثني مخارق، قال: مرّت بي ليلة ما مرّت بي مثلها قطّ، إني لفي منزلي بعد ليلٍ؛ إذ أتاني رسول
_________________
(١) لهذا الخبر الطويل مع الأبيات الشعرية (٥١٨ - ٥١٩) انظر الوزراء والكتاب (٢٩٦).
[ ١٢ / ١٦٣ ]
محمد - وهو خليفة - فركض بي ركضًا، فانتهى بي إلى داره، فأدخِلت فإذا إبراهيم بن المهديّ قد أرسل إليه كما أرسل إليّ، فوافينا جميعًا، فانتهى إلى باب مُفضٍ إلى صحن، فإذا الصحن مملوء شمعًا من شمع محمد العظام، وكأنّ ذلك الصحن في نهار، وإذا محمد في كُرّج، وإذا الدار مملوءة وصائف وخدمًا، وإذا اللعّابون يلعبون، ومحمد وسطهم في الكرّج يرقص فيه، فجاءنا رسول يقول: قال لكما: قُوما في هذا الموضع على هذا الباب مما يلي الصحن، ثم ارفعا أصواتكما معبّرًا ومقصّرًا عن السورناي، واتبعاه في لحنه قال: وإذا السورناي والجواري واللعابون في شيء واحد:
هذي دنانير تنساني وأذكرها
تتبع الزَّمار. قال: فوالله ما زلتُ وإبراهيم قائمين نقولها، نشقّ بها حلوقنا حتى انفلق الصبح، ومحمد في الكرّج ما يسأمه ولا يملّه حتى أصبح يدنو منا، أحيانًا نراه، وأحيانًا يحول بيننا وبينه الجواري والخدم (١).
وذكر الحسين بن فراس مولى بني هاشم، قال: غزا الناس في زمان محمد على أن يردّ عليهم الخُمس، فرُدّ عليهم، فأصاب الرجل ستة دنانير، وكان ذلك مالًا عظيمًا.
* * *
وذى عن ابن الأعرابيّ، قال: كنت حاضر الفضل بن الربيع، وأتِيَ بالحسن بن هانئ، فقال: رُفع إلى أمير المؤمنين أنك زنديق، فجعل يبرأ من ذلك ويحلف، وجعل الفضل يكرّر عليه، وسأله أن يكلّم الخليفة فيه، ففعل وأطلقه، فخرج وهو يقول:
أَهلي أَتيتكُمُ منَ القبْرِ والناسُ محْتَبسون للحَشرِ
لولا أبو العباسِ ما نظرَتْ عيني إِلى ولدٍ ولا وفرِ
فالله أَلبسني بِه نعمًا شَغَلَتْ حسابَتها يدَيْ شكرِي
_________________
(١) هذا الخبر المنكر (٥٢٣/ ٥٢٤، ١٠٧) رواه الطبري منقطعًا عن علي بن محمد بن إسماعيل عن جابر بن مصعب عن مخارق (راوي الخبر) ولم نجد لمخارق ولا لتلميذه جابر ترجمة والخبر لا يصح.
[ ١٢ / ١٦٤ ]
لقِيتها من مُفهّمٍ فهمِ فمددتها بأَناملٍ عشْرِ
وذكر عن الرياسيّ أن أبا حبيب الموشيّ حدّثه، قال: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال لي مؤنس: لو دخلنا على أبي نواس! فدخلنا عليه السجن، فقال لمؤنس: يا أبا عمران، أين تريد؟ قال: أردت أبا العباس الفضل بن الربيع، قال: فتبلّغه رقعة أعطيكها؟ قال: نعم، قال: فأعطاه رقعة فيها:
ما من يدٍ في الناسِ واحدَةٍ إِلا أَبو العباسِ مولاها
نامَ الثقاتُ على مضاجعهِمْ وسرى إلى نفسي فأحيَاها
قد كنتُ خفتُكَ ثم أَمّنِني من أَن أخافكَ خوفُكَ الله
فَعفوتَ عنِّي عفوَ مُقتدِرٍ وجبَت له نقَمٌ فأَلغَاها
قال: فكانت هذه الأبيات سببَ خروجه من الحبس (١).
وذُكر عن محمد بن خلاد الشروِيّ، قال: حدثني أبي قال: سمع محمد شعر أبي نواس وقوله:
ألا سَقِّنِي خَمْرًا وقل لي هل الخَمْرُ
وقوله:
اسقنيها يا ذُفافهْ مُزَّة الطَّعْم سُلافهْ
ذَلَّ عندِي مَنْ قلاها لِرَجاءِ أَو مخافَهْ
مثلَ ما ذَلَّتْ وضاعَتْ بعد هارونَ الخِلافهْ
قال: ثم أنشد له:
فجاءَ بها زَيتِيَّةً ذَهَبيَّةً فلم تستطِع دُونَ السُّجُودِ لها صبرا
قال: فحبسه محمد على هذا، وقال: إيه! أنت كافر، وأنت زنديق. فكتب فِي ذلك إلى الفضل بن الربيع:
أَنت يا بنَ الرَّبيع علَّمتَني الخير وعوَّدتَنيهِ والخيَرُ عادَهْ
_________________
(١) مخارق راوي الخبر ترجم له ابن عساكر (٥٧/ ١٣٢) وهو من المغنّين ومتى كان المغنى عدلًا عند أئمة الجرح والتعديل حتى يؤخذ بخبره؟ ! ! وأخباره عند الشعوبي أبي الفرج صاحب كتاب (الأغاني/ ١٨/ ٣٣٦).
[ ١٢ / ١٦٥ ]
فارعَوَى باطِلي وأَقصَرَ جَهْـ لي وأَظهرتُ رهبَةً وَزَهادَهْ
لو ترَاني شبَّهْتَ بي الحسَنَ البَصـ ريَّ في حالِ نُسْكِهِ وقتَادَهْ
برُكُوعٍ أَزينُهُ بسُجُودٍ واصفِرارٍ مثلِ اصفرار الجرادهْ
فادعُ بي لا عَدِمتَ تقوِيمَ مثلي فتأَمّل بعينكَ السَّجّاده
لو رآها بعْضُ المُرَائينَ يومًا لاشتَرَاها يُعِدُّها للشَّهادِهْ (١)
* * *
_________________
(١) ذكر الجهشياري هذه الأشعار عنوانًا لتوبته (انظر الوزراء والكتاب/ ٢٩٧).
[ ١٢ / ١٦٦ ]