ذُكر عن جبريل بن بختيشوع أنه قال: كنت مع الرَّشيد بالرَّقة، وكنت أوَّل من يدخل عليه في كلِّ غداة، فأتعرَّف حاله في ليلته؛ فإن كان أنكر شيئًا وصفه، ثم ينبسط فيحدّثني بحديث جواريه وما عمل في مجلسه، ومقدار شربه، وساعات
_________________
(١) انظر: المنتظم [٩/ ٢١٦].
(٢) انظر تعليقنا [٨/ ٣٤٤/ ١].
[ ١١ / ٢٥٧ ]
جلوسه، ثم يسألني عن أخبار العامَّة وأحوالها؛ فدخلتُ عليه في غداة يوم، فسلَّمت فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابسًا مفكِّرًا مهمومًا، فوقفت بين يديه مليًّا من النهار، وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمتُ عليه، فقلت: يا سيدي، جعلني الله فداك! ما حالك هكذا، أعلَّة فأخبرني بها؛ فلعله يكون عندي دواؤها، أو حادثة في بعض من تحبُّ فذاك ما لا يُدفع ولا حيلة فيه إلا التسليم والغمّ، لا درك فيه، أو فَتْق ورد عليك في مُلْكك، فلم تخلُ الملوك من ذلك؛ وأنا أولى من أفضْيتَ إليه بالخبر، وتروَّحت إليه بالمشورة. فقال: ويحك يا جبريل! ليس غمي وكربي لشيء مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتُها في ليلتي هذه، وقد أفزَعَتْني وملأت صدري، وأقرْحت قلبي، قلت: فرَّجتَ عني يا أمير المؤمنين، فدنوتُ منه، فقبَّلت رجله، وقلت أهذا الغمُّ كله لرؤيا! الرؤيا إنما تكون من خاطر أو بخارات رديئة أو من تهاويل السوداء؛ وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله. قال: فأقصُّها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذا؛ إذ بدتْ من تحتي ذراع أعرفها وكفٌّ أعرفها، لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكفِّ تربة حمراء، فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تُدفن فيها، فقلت: وأين هذه التربة؟ قال: بطوس. وغابت اليد وانقطع الكلام، وانتبهت. فقلت: يا سيِّدي، هذه والله رؤيا بعيدة ملتبسة، أحسبك أخذت مضجعكَ، ففكَّرت في خُراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها. قال: قد كان ذاك، قال: قلت: فلذلك الفكر خالطَك في منامك ما خالطك، فولَّد هذه الرؤيا، فلا تحْفِل بها جعلني الله فداك! وأتبع هذا الغئمَ سرورًا، يخرجه من قلبك لا يولد علة. قال: فما برحت أطيِّب نفسه بضروب من الحيل، حتى سلا وانبسط، وأمر بإعداد ما يشتهيه، ويزيد في ذلك اليوم في لهوه. ومرَّت الأيام فنَسي، ونسينا تلك الرؤيا، فما خطرت لأحد منا ببال، ثم قدَّر مسيره إلى خُراسان حين خرج رافع، فلما صار في بعض الطريق، ابتدأت به العلَّة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طُوس، فنزلنا في منزل الجنيد بن عبد الرحمن في ضَيْعة له تعرف بسنَاباذ، فبينا هو يمرض في بستان له في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملًا يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه، كلّ يقول: يا سيِّدي ما حالك؟ وما دهاك؟ فقال: يا جبريل، تذكر رؤياي بالرَّقة في طُوس؟ ثم رفع رأسه إلى مسرور، فقال: جئني من تربة هذا البستان، فمضى مسرور، فأتى بالتربة في
[ ١١ / ٢٥٨ ]
كفه حاسرًا عن ذراعه، فلما نظر إليه قال: هذه والله الذِّراع التي رأيتُها في منامي، وهذه والله الكفُّ بعينها، وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئًا؛ وأقبل على البكاء والنحيب. ثم مات بها والله بعد ثلاثة، ودفن في ذلك البستان (١).
وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به، كان سبب منيَّته؛ فكان الرَّشيد همَّ ليلة مات بقتله، وأن يفصّله كما فصَّل أخا رافع، ودعا بجبريل ليفعل ذلك به، فقال له جبريل: أنظرني إلى غدٍ يا أمير المؤمنين، فإنك ستصبح في عافية. فمات في ذلك اليوم (٢).
وذكر الحسن بن عليٍّ الرَّبَعي أنَّ أباه حدَّثه عن أبيه - وكان جمالًا معه مائة جمل، قال: هو حمل الرشيد إلى طُوس - قال: قال الرشيد: احفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفروا له، قال: فحملتُه في قبَّة أقود به؛ حتى نظر إليه. قال، فقال: يابن آدم تصير إلى هذا!
وذكر بعضهم لما اشتدَّت به العلَّة أمر بقبره فحفر في موضع من الدار التي كان فيها نازلًا، بموضع يسمى المثقَّب، في دار حميد بن أبي غانم الطائيِّ، فلما فرغ من حفر القبر، أنزل فيه قومًا فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفَّة على شفير القبر (٣).
وذكر محمد بن زياد بن محمد بن حاتم بن عبيد الله بن أبي بكرة، أنَّ سهل بن صاعد حدَّثه، قال: كنت عند الرَّشيد في بيتِه الذي قبض فيه، وهو يجود بنفسه، فدعا بِملْحفة غليظة فاحتبى بها، وجعل يقاسي ما يقاسي؛ فنهضت فقال لي: اقعد يا سهل، فقَعدت وطال جلوسي لا يكلِّمني ولا أكلمه، والمِلْحفة تنحلُّ فيعيد الاحتباء بها، فلما طال ذلك نهضت، فقال لي: إلى أين يا سهل؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما يسع قلبي أن أرى أميرَ المؤمنين يعاني من العلَّة ما يعاني، فلو اضطجعتَ يا أمير المؤمنين كان أروَح لكَ! قال: فضحك
_________________
(١) كيف نعتمد على خبر انفرد بروايته نصراني زعم أن هذا الحوار دار بينه وبين الخليفة الرشيد.
(٢) هذا غير مستبعد وللأسف الشديد فإن الخليفة الرشيد اعتمد على طبيب غير مسلم وفتح على نفسه والخلافة بابًا مغلقًا سامحه الله وإيانا.
(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٢٨].
[ ١١ / ٢٥٩ ]
ضحْك صحيح، ثم قال: يا سهل إني أذكر في هذه الحال قول الشاعر:
وَإنِّيَ مِنْ قوْمٍ كِرامٍ يَزيدُهُمْ شِماسًا وَصَبْرًا شدةُ الحَدَثانِ
وذُكر عن مسرور الكبير، قال: لما حضرت الرشيد الوفاة، وأحسَّ بالموت، أمرني أن أنشر (١) الوشْيَ فآتيَه بأجود ثوب أقدر عليه وأغلاه قيمة، فلم أجد ذلك في ثوب واحد، ووجدت ثوبيْن أغلَى شيء قيمة، وجدتهما متقاربين في أثمانهما، إلَّا أنَّ أحدهما أغلَى من الآخر شيئًا، وأحدهما أحمر والآخر أخضر، فجئته بهما، فنظر إليهما وخبَّرته قيمتهما، فقال: اجعل أحسنَهما كفني، وردَّ الآخر إلى موضعه.
وقيل: كان سنُّه يوم توفِّيَ سبعًا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، أولها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، وآخرها يومان مضيا من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وكان جميلًا وسيمًا أبيض جَعْدًا، وقد وَخطَه الشيب (٢).
* * *