وفي هذه السنة قتل محمد بن هارون (٢).
ذكر الخبر عن مقتله:
ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي أنه قال: لما صار محمد إلى المدينة، وقرَّ فيها، وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم؛ دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى؛ وقد رأينا رأيًا نعرضه عليك؛ فانظر فيه
_________________
(١) لقد اتهم عدد من المؤرخين الأمين باللهو واللعب والعيث كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الأمين إلا أن الناس قد وجدوا في هذه الأحداث مجالًا خصبًا لنسج روايات حول عبث الأمين ولهوه ولو فكر العاقل أدنى تفكير لتبين له زيف هذه الروايات فكيف يستطيع الأمين أن يجلس هذه المجالس وبغداد تضرب بالمنجنيق والعرادات والمعارك والنهب والسلب والحرق والقتل على قدم وساق أما قتله يوم الأحد من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة فسيذكره الطبري لاحقًا. وهذا الخبر الطوبل (٤٧٦ - ٤٧٧) أخرجه ابن عساكر مع بعض الاختلاف من طريق محمد بن راشد الخناق عن إبراهيم (تأريخ دمشق تر ٧١٠٠).
(٢) قال خليفة وفيها (أي ١٩٨ هـ) قتل المخلوع ليلة الأحد لليلتين بقيتا من المحرم (تأريخ خليفة / ٣١٠) وانظر تعليقنا في نهاية الحدث (٨/ ٤٩٩).
[ ١٢ / ١٢١ ]
واعتزم عليه؛ فإنا نرجو أن يكون صوابًا، ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها؛ فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعمائة رجل، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلًا على باب من هذه الأبواب فإن الليل لأهله، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله؛ فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم فتفرض الفروض، وتجبى الخراج، وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجنود، وإلى ذلك ما قد أحدث الله ﷿ في مَكَر الليل والنهار أمورًا. فقال لهم: نعم ما رأيتم، واعتزم على ذلك.
وخرج الخبر إلى طاهر؛ فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السنديّ بن شاهك: والله لئن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد، فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه، فنحن نذكرك الله في نفسك! إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار، وضاق عليهم المذهب، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها؛ ولسنا نأمن إذا برزوا بك، وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرًا، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك، ويجعلوك سبب أمانهم؛ وضربوا له فيه الأمثال.
قال محمد بن عيسى الجلودي: وكان أبي وأصحابه قعودًا في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه. قال: فلما سمعوا كلامهم، ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له، هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه؛ ثم بدا لهم وقالوا: حرب من داخل، وحرب من خارج. فكفوا وأمسكوا.
قال محمد بن عيسى: فلما نكت ذلك في قلب محمد، ووقع في نفسه ما وقع منه، أضرب عما كان عزم عليه، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج؛ فأجاب سليمان والسندي ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك، فقالوا؛ إنما غايتك اليوم السلامة واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويفردك
[ ١٢ / ١٢٢ ]
في موضع، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى؛ وليس عليك منه بأس ولا مكروه. فركن إلى ذلك، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة.
قال محمد بن عيسى: وكان أبي وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة: لأنهم كانوا من أصحابه، وقد عرفوا مذاهبه، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم، ولا يجعل لهم مراتب، فدخلوا على محمد فقالوا له: إذ أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة. قال محمد بن عيسى: فقال لهم: ويحكم! أنا أكره طاهرًا؛ وذلك أني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس وثيق، لم أر حائطًا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعليَّ سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفي؛ وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت، وندرت قلنسوتي من رأسي، وأنا أتطير من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك؛ وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشد أنسًا وأشد ثقة.
وذكر عن محمد بن إسماعيل، عن حفص بن أرميائيل، أن محمدًا لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى - وكان له جسر في ذلك الموضع - أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيَّب. قال: فمكثت ليلتي أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج، ونضعه في البيوت؛ فسهرت ليلتي أنا وأعواني؛ ولما صليت الصبح دفعت إلي عجوز قطعة بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة، وقلت لها: إني سهرت ونعست نعاسًا شديدًا؛ ولا بد لي من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر، فضعي هذا العنبر على الكانون. وأعطيتها كانونًا من فضة صغيرًا عليه جمر، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها، ودخلت حراقة فنمت، فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني، فقالت لي: قم يا حفص؛ فقد وقعت في بلاء، قلت: وما هو؟ قالت: نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين، وبين يديه جماعة وخلفه جماعة؛ فلم أشك أنه هو؛ فأحرقت العنبرة، فلما جاء، فإذا هو عبد الله بن موسى، وهذا أمير المؤمنين قد
[ ١٢ / ١٢٣ ]
أقبل. قال: فشتمتها وعنفتها. قال: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت؛ وكان هذا من أوائل الإدبار.
وذكر علي بن يزيد، قال: لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي ومحمد بن عيسى بن نهيك، ولحقوا جميعًا بعسكر المهدي، ومكث محمد محصورًا في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت. وناظر محمد أصحابه ومن بقى معه في طلب الأمان؛ وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر؛ فقال له السندي: والله يا سيدي؛ لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا؛ وما أرى فرجًا إلا هرثمة. قال له: وكيف بهرثمة؛ وقد أحاط الموت بي من كل جانب! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا: لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوِّض إليه ملكك؛ فلعله كان سيركن إليك. فقال لهم: أخطأتم وجه الرأي، وأخطأت في مشاورتكم؛ هل كان عبد الله أخي لو جهد نفسه وولى الأمور برأيه بالغًا عشر ما بلغه له طاهر! وقد محصته وبحثت عن رأيه، فما رأيته يميل إلى غدر به؛ ولا طمع فيما سواه؛ ولو أجاب إلى طاعتي، وانصرف إليَّ ثم ناصبني أهل الأرض ما اهتممت بأمر؛ ولوددت أنه أجاب إلى ذلك، فمنحته خزائني وفوضت إليه أمري، ورضيت أن أعيش في كنفه؛ ولكني لا أطمع في ذلك منه. فقال له السندي: صدقت يا أمير المؤمنين؛ فبادر بنا إلى هرثمة؛ فإنه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك؛ وقد ضمن إليَّ أنه مقاتل دونك إن همَّ عبد الله بقتلك؛ فاخرج ليلًا في ساعة قد نوِّم الناس فيها؛ فإني أرجو أن يغبى على الناس أمرنا.
وقال أبو الحسن المدائني: لما همّ محمد بالخروج إلى هرثمة، وأجابه إلى ما أراد، اشتد ذلك على طاهر، وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج، وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أخرجته بالحصار والحرب؛ حتى صار إلى طلب الأمان؛ ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني؛ فيكون الفتح له.
ولما رأى هرثمة والقوّاد ذلك، اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم؛ فصار إليهم طاهر وخاصة قواده، وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك، وأداروا الرأي بيثهم، ودبروا الأمر، وأخبروا طاهرًا أنه لا يخرج إليه أبدًا، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الأمر في
[ ١٢ / ١٢٤ ]
أمره مثله في أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان؛ فقالوا له: يخرج ببدنه إلى هرثمة - إذ كان يأمن به ويثق بناحيته، وكان مستوحشًا منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة - وذلك الخلافة - ولا تفسد هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله. فأجاب إلى ذلك ورضي به. ثم قيل: إن الهرش لما علم بالخبر، أراد التقرب إلى طاهر، فخبره أن الذي جرى بينهم وبينه مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة. فقبل طاهر ذلك منه، وظن أنه كما كتب به إليه، فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وفي الشهر السرياني خمسة وعشرون من أيلول.
فذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: أخبرني طارق الخادم، قال: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه، فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده. قال: وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذي كان بينه وبينه؛ ولبس ثياب الخلافة؛ دراعة وطيلسانًا والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة، قال: اسقني من جباب الحرس، فناولته كوزًا من ماء، فعافه لزهوكته فلم يشرب منه؛ وصار إلى هرثمة. فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه في الخلد؛ فلما صار إلى الحراقة؛ خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء، وانكفأت الحراقة؛ فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظن أن غرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخي ومحمد بن حميد هو ابن أخي شكلة أم إبراهيم بن المهدي - وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلًا من أصحابه خراسانيًا ضم إليه قومًا - فعرفه محمد بن حميد وهو المعروف بالطاهري؛ وكان طاهر يقدمه في الولايات، فصاح بأصحابه فنزلوا، فأخذوا، فبادر محمدًا لمًّا، فأخذ بساقيه فجذبه، وحمل على برذون، وألقى عليه إزار من أزر الجند غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان ينزل بباب الكوفة، وأردف رجلًا خلفه يمسكه لئلا يسقط، كما يفعل بالأسير.
فذكر عن الحسن بن أبي سعيد، أن خطَّاب بن زياد حدثه أن محمدًا وهرثمة
[ ١٢ / ١٢٥ ]
لما غرقا، بادر طاهر إلى بستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة. قال: فلما انتهى طاهر - ونحن معه في الموكب والحسن بن علي المأموني والحسن الكبير الخادم للرشيد - إلى باب الشأم، لحقنا محمد بن حميد، فترجل ودنا من طاهر، فأخبره أنه قد أسر محمدًا، ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخي. قال: فالتفت إلينا طاهر، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأموني: (مكن)، أي لا تفعل فعل حسين بن علي. قال: فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد. قال: واتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع.
وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجُلودي، قال: لما تهيأ للخروج - وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد - خرج إلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدخلنا عليه، فقمنا بين يديه بالأعمدة قال: فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيدي، أبو حاتم يقرئك السلام، ويقول: يا سيدي وافيت للميعاد لحملك، ولكني أرى ألا تخرج الليلة، فإني رأيت في دجلة على الشط أمرًا قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخد من يدي أو تذهب نفسك، ولكن أقِم بمكانك حتى أرجع تم استعد ثم آتيك القابلة فأخرجك؛ فإن حوربت حاربت دونك ومعي عدتي. قال: فقال له محمد: ارجع إليه، فقل له: لا تبرح؛ فإني خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد. قال: وقلق وقال: قد تفرق عني الناس ومن على بابي من الموالي والحرس، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علي فيأخدني ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهري ثم دعا بابنيه فضمهما إليه، وشمهما وقبلهما، وقال: أستودعكما الله؛ ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمِّه، ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر؛ حتى ركبنا دوابنا؛ وبين يديه شمعة واحدة. فلما صرنا إلى الطاقات ممايلي باب خراسان، قال لي أبي: يا محمد، أبسط يدك عليه؛ فإني أخاف أن يضربه إنسان بالسيف؛ فإن ضرب كان الضرب بك دونه. قال: فألقيت عنان فرسي بين معرفته، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان، فأمرنا به ففتح، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة، فرقى إليها، فجعل الفرس يتلكأ وينفر، وضربه بالسوط وحمله
[ ١٢ / ١٢٦ ]
عليها، حتى ركبها في دجلة، فنزل في الحراقة، وأخذنا الفرس، ورجعنا إلى المدينة، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق، وسمعنا الواعية، فصعدنا على القبة التي على الباب؛ فوقفنا فيها نسمع الصوت.
فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال: كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة، فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظامًا وجثى هرثمة على ركبتيه، وقال له: يا سيدي، ما أقدر على القيام لمكان النِّقرس الذي بي، ثم احتضنه وصيره في حجره، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، ويقول: يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي. قال: وجعل يتصفح وجوهنا، قال: ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح، فقال له: أيهم أنت؟ قال أنا عبيد الله بن الوضاح، قال: نعم فجزاك الله خيرًا، فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده، وسألته مكافأتك عني. قال: فبينا نحن كذلك - وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع - إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان، فبعض يقطع السكان، وبعض ينقب الحراقة، وبعض يرمي بالآجر والنشاب. قال: فنقبت الحراقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، فأخرجه ملاح؛ وخرج كل واحد منا على حيله؛ ورأيت محمدًا حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه، ورمى بنفسه إلى الماء. قال: فخرجت إلى الشط: فعلقني رجل من أصحاب طاهر؛ فمضى بي إلى رجل قاعد على كرسي من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر، بين يديه نار توقد، فقال بالفارسية: هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة، فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب هرثمة؛ أنا أحمد بن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت فاصدقني، قال: قلت. قد صدقتك، قال: فما فعل المخلوع قلت: قد رأيته حين شق عليه ثيابه، وقذف بنفسه في الماء قال: قدموا دابتي؛ فقدموا دابته، فركب وأمر بي أن أجنب. قال: فجعل في عنقي حبل وجنبت؛ وأخذ في درب الرشدية، فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان، انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو، فقال الذي يجنبني: قد قام هذا الرجل؛ وليس يعدو، قال: انزل فحزَّ رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لم تقتلني وأنا رجل علي من الله نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف
[ ١٢ / ١٢٧ ]
درهم. قال: فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم، قلت: تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلي رسولًا حتى أرسله إلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي. قال: قد أنصفت، فأمر بحملي، فحملت ردفا لبعض أصحابه، فمضى بي إلى دار صاحبه، دار أبي صالح الكاتب؛ فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتقدم إليهم، وأوعز وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره؛ فإذا هو إبراهيم البلخي. قال: فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان أو ثلاث - وفي رواية حصر مدرَّجة - قال: فقعدت في البيت وصيروا فيه سراجًا، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون. قال: فلما ذهب من الليل ساعة؛ إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب؟، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون: (يسر زبيدة) قال: فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، وتقدموا إلى من في الدار في حفظه، وخلفوا معهم قومًا آخرين أيضًا منهم.
قال: فلما استقر في البيت حسر العمامة على وجهه؛ فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، قال: وجعل ينظر إلي، ثم قال: أيهم أنت؟ قال: قلت: أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي؟ قلت: أحمد بن سلام صاحب المظالم، فقال: وأعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة؟ قال: قلت: نعم، قال: كنت تأتيني وتلطفني كثيرًا، لست مولاي بل أنت أخي ومني. ثم قال: يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: ادن مني وضمني إليك، فإني أجد وحشة شديدة. قال: فضممته إليَّ، فإذا قلبه يخفق خفقا شديدًا كاد أن يفرج عن صدره فيخرج. قال: فلم أزل أضمه إلي وأسكنه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قال: قلت: هو حي، قال: قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته، قال: قلت: بل قبح الله وزراءك! قال: لا تقل لوزرائي إلا خيرًا، فما لهم ذنب؛ ولست بأول من طلب أمرًا فلم يقدر عليه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أتراهم يقتلون أو يفون لي بأيمانهم؟ قال: قلت: بل يفون لك يا سيدي. قال: وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة. قال: فنزعت مبطنة كانت علي ثم قلت: يا سيدي، ألق هذه عليك. قال: ويحكَ دعني، هذا من الله ﷿ لي في هذا الموضع خير.
[ ١٢ / ١٢٨ ]
قال فبينا نحن كذلك، إذ دق باب الدار، ففتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه مستثبتًا له، فلما أثبته معرفة، انصرف وغلق الباب؛ وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول قال: وكان بقي علي من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل معه ولم أوتر، قال فقمت أوتر، فقال لي: يا أحمد لا تتباعد مني، وصل إلى جانبي، أجد وحشة شديدة. قال: فاقتربت منه؛ فلما انتصف الليل أو قارب، سمعت حركة الخيل. ودق الباب، ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائمًا، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي في سبيل الله! أما من حيلة! أما من مغيث! أما من أحد من الأبناء قال: وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضًا. قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة وجعل يقول: ويحكم! إني ابن عم رسول الله - ﷺ -، أنا ابن هارون؛ وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي! قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه - غلام لقريش الدنداني مولى طاهر - فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه؛ وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلني قتلني بالفارسية قال: فدخل منهم جماعة؛ فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحًا من قفاه، وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته. قال: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل، وحملوها قال: فأصبحت فقيل لي: هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك. قال: فبعثت إلى وكيلي فأتاني، فأمرته فأتاني بها، فدفعتها إليه. قال: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس وخرج إلى دجلة يوم الأحد.
وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال: قلت لمحمد لما دخل على البيت وسكن: لا جزى الله وزراءك خيرًا، فإنهم أوردوك هذا المورد! فقال لي: يا أخي؛ ليس بموضع عتاب. ثم قال: أخبرني عن المأمون أخي، أحيٌ هو؟ قلت: نعم؛ هذا القتال عمن إذًا هو إلا عنه! قال: فقال لي: أخبرني يحيى أخو عامر بن إسماعيل بن عامر - وكان يلي الخبر في عسكر هرتمة - أن المأمون مات،
[ ١٢ / ١٢٩ ]
فقلت له كذب. قال: ثم قلت له: هذا الإزار الذي عليك إزار غليظ فالبس إزاري وقميصي هذا فإنه لين، فقال لي: من كانت حاله مثل حالي فهذا له كثير. قال: فلقنته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر. قال: وبينا نحن كذلك، إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها، وإذا أصحاب طاهر قد دخلو الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت؛ فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، ثم هجموا عليه، فحزوا رأسه. واستقبلوا به طاهرًا، وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له - وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية - فقال له: أخوك يقرئك السلام، فما خبرك؟ قال: يا غلام؛ هات الطس، فجاءوا به وفيه رأس محمد، فقال: هذا خبري فاعلمه. فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم، وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد.
وذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: شيء يكون في ثياب الناس، فقال: أعوذ بالله من زوال النعمة! فقتل من يومه (١).
_________________
(١) لقد ذكر الطبري روايات عدة عن كيفية مقتل الأمين وذكر جوانب من حوار الأمين هنا أو هناك متنقلًا بين قصور بغداد وبيوتها أو في أزقة المدينة. وبدء تضييق الحصار على الأمين شيئًا فشيئًا وكثير من الحوار الذي دار في كل مرة لم يحضره إلا الأمين وشخص آخر كما يذكر الطبري والله عليم بنجواهم ولا بد من طريق موصول على الأقل للتأكيد من كل ذلك الحوار ولم يأت الطبري بجل هذه التفاصيل والأخبار إلا من طرق معضلة أو بغير إسناد (ذكر) سوى مقطعين صغيرين كما سنذكر في نهاية تعليقنا هذا إن شاء الله إذ ذكرهما عن المدائني ولحديث المدائني عن الأحداث أهمية كبرى إذ أنه إخباري صدوق عاصر تلك الأحداث. وبالنسبة لبقية أجزاء الخبر فلم نجد أحدًا من المؤرخين المتقدمين الثقات من يؤيد تفاصيلها وإنما ذكروا أجزاءً من الخبر أو خلاصته مختصرة جدًّا وبعيدًا عن هذه المبالغات والتفاصيل الدقيقة التي تذهب بذهن القاريء بعيدًا عن أصل الخبر وماهية الواقعة التأريخية وإليك نصوص هؤلاء الأخباريين والمؤرخين المتقدمين. قال ابن قتيبة الدينوري: ولم يزل الأمر على محمد مختلًا حتى لجأ إلى مدينة (أبي جعفر) وبعث إلى هرثمة: إني أخرج إليك الليلة، فلما خرج محمد صار في أيدي أصحاب طاهر فأتوا به طاهرا فقتله من ليلته فلما أصبح نصب رأسه على الباب الجديد ثم أنزله وبعث به إلى =
[ ١٢ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خراسان مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب. ودفنت جثته في بستان مؤنسة سنة ثمان وتسعين ومائة (المعارف/ ٣٨٦). وأما أبو حنيفة الدينوري فقد ذكر فيما سبق بداية حصار طاهر وهرثمة لبغداد وأنهما نصبا المنجنيق على داره حتى ضاق الأمين بذلك ذرعًا، ثم قال أبو حنيفة الدينوري: وكان هرثمة بن أعين يحب صلاح حال محمد، والإبقاء على حشاشة نفسه، فأرسل إليه محمد يسأله القيام بأمره، وإصلاح ما بينه وبين المأمون على أن يخلع نفسه عن الخلافة ويسلم الأمر لأخيه. فكتب إليه هرثمة: (قد كان ينبغي لك أن تدعو إلى ذلك قبل تفاقم الأمر فأما الآن فقد بلغ السيل الزبى، وشغل الحليُ أهله أن يعار، ومع ذلك فإني مجتهد في إصلاح أمرك، فصر إليَّ ليلا، لأكتب بصورة أمرك إلى أمير المؤمنين، وآخذ لك عهدًا وثيقًا ولست آلوا جهدًا ولا اجتهادًا في كل ما عاد بصلاح حالك، وقربك إلى أمير المؤمنين). فلما سمع ذلك محمد استشار نصحاءه ووزراءه، فأشاروا بذلك عليه، وطمعوا في بقاء مهجته. فلما جنَّه الليل ركب في جماعة من خاصته وثقاته وجواريه، يريد العبور إلى هرثمة فأحس طاهر بن الحسين بالمراسلة التي جرت بينهما والموافقة التي اتفقا عليها. فلما أقبل محمد، وركب بمن معه الماء شد عليه طاهر، فأخذه ومن معه، ثم دعا به في منزله، فاحتز رأسه، وأنفذه من ساعته إلى المأمون. وأقبل المأمون حتى دخل مدينة السلام، وصفت له المملكة واستوسقت له الأمور. وكان قتل محمد الأمين ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم، سنة ثمان وتسعين ومائة، وقتل وله ثمان وعشرون سنة، وكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر (الأخبار الطوال/ ٤٠٠). وأما خليفة بن خياط فقد قال: وفيها (أي ١٩٨ هـ) قتل المخلوع ليلة الأحد لليلتين بقيتا من المحرم وولي قتله قريش الدنداني ونصب رأسه طاهر بن الحسين ساعة من نهار وبعث برأسه إلى المأمون (تأريخ خليفة/ ٣١٠). وأما المقطعين الذين أشرنا إليهما في بداية تعليقنا فقد رواه الطبري من مرويات المدائني وهو أخباري صدوق عاصر هذه الأحداث المقطع الأول من قوله وقال أبو الحسن المدائني لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة .. إلى قوله خمسة وعشرون من أيلول (٤٨١/ ٤٨٢) والمقطع الثاني من قوله في (٨/ ٤٨٣) وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي إلى قوله في (٨/ ٤٨٤).
[ ١٢ / ١٣١ ]
وذكر عن الحسن بن أبي سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد، ندموا على قتل محمد لما كانوا يأخذون من الأموال.
وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التي كان فيها رأس محمد ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبي السرايا كانت إليه. قال: فنظرت في رأس محمد؛ فإذا فيه ضربة في وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات منه شيء، ولونه على حاله. قال: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى - وهو من سعف مبطن - مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه، فأمر له بألف ألف درهم، فرأيت ذا الرياستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد (١).
قال الحسن: فأخبرني ابن أبي حمزة، قال: حدثني علي بن حمزة العلوي، قال: قدم جماعة من آل أبي طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة، فوصلهم ووصلنا، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مرو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنؤونا بالنعمة، ولقينا من بها من أهلها وسائر أهلها وسائر أهل المدينة، فوصفنا لهم قتل محمد، وأن طاهر بن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدنداني، وأمره بقتله. قال: فقال لنا شيخ منهم: كيف قلت! فأخبرته، فقال الشيخ: سبحان الله! كنا نروي هذا أن قريشًا يقتله؛ فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم الاسم (٢).
وذكر عن محمد بن أبي الوزير أن علي بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن إبراهيم بن المهدي لما بلغه قتل محمد، استرجع وبكى طويلًا ثم قال:
عُوجا بِمغْنَى طلل داثِرِ بالخُلْدِ ذاتِ الصَّخْرِ والآجُرِ
والمرمَر المسنونِ يُطلَى به والبابِ باب الذَّهبِ النَّاضرِ
عوجا بها فاستَيقِنا عندها على يقينٍ قُدْرَةَ القادرِ
وأَبلِغَا عنِّي مقالًا إلى الـ ـموْلى على المأْمورِ والآمرِ
_________________
(١) = فوقفنا فيها. نسمع الصوت) والمدائني الأخباري الصدوق عاصر تلك الأحداث والله أعلم.
(٢) قال الجهشياري: وذكر علي بن أبي سعيد أنه رأى رأس محمد وقد أدخله ذو الرياستين على ترس بيده إلى المأمون فلما رآه سجد (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).
(٣) سبق أن ذكرنا قول خليفة في تأريخه (٣١٠) وولي قتله قريش الدنداني والله أعلم.
[ ١٢ / ١٣٢ ]
قولا له: يا بنَ وليِّ الهدَى طَهِّر بلادَ اللهِ من طاهِرِ
لم يكفه أَنْ حَزَّ أوداجه ذَبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازِرِ
حتَّى أَتى يَسْحَبُ أَوصاله في شَطَنٍ يُفنِى مَدَى السائرِ
قد بَرَّدَ الموتُ على جَنْبِه وطرفُه منكسِرُ الناظر
قال: وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه.
وذكر عن المدائني أن طاهرًا كتب إلى المأمون بالفتح:
أما بعد، فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال، والملك والسلطان، الذي إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
كان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم، انتكاث المخلوع ببيعته، وانتقاضه بعهده، وارتكاسه في فتنته، وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بظلام للعبيد. وقد كتبت إلى أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد، وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها في دجلة نواحي أزقة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها وحد ري السفن والزواريق بالعرادات والمقاتلة، إلى ما واجه الخلد وباب خراسان، تحفظًا بالمخلوع، وتخوفًا من أن يروغ مراغًا، ويسلك مسلكًا يَجِدْ بِهِ السبيل إلى إثارة فتنة، وإحياء ثائرة أو يهايج قتالًا بعد أن حصره الله ﷿ وخذله، ومتابعة الرسل بما يعرض عليه هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين، ويسألني من تخلية الطريق له في الخروج إليه واجتماعي وهرثمة بن أعين؛ لنتناظر في ذلك، وكراهتي ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق الله إياه، وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلق، وانقطاع المنافع عنه، وحيل بينه وبين الماء؛ فضلا عن غيره؛ حتى همّ به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجا معه إليها، وتحزَّبوا على الوثوب به للدفع عن أنفسهم والنجاة بها، وغير ذلك مما فسرت لأمير المؤمنين أطال الله بقاءه مما أرجو أن يكون قد أتاه.
وإني أخبر أمير المؤمنين أني روّيت فيما دبر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين في المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنة في تخلُّصه من موضعه الذي قد أنزله الله فيه بالذلة والصغار وصيره فيه إلى الضيق والحصار تزداد، ولا يزيد أهل التربص في الأطراف إلا طمعًا وانتشارًا، وأعلمت ذلك هرثمة بن أعين، وكراهتي ما أطمعه فيه وأجابه إليه؛ فذكر أنه لا يرى الرجوع عما
[ ١٢ / ١٣٣ ]
أعطاه، فصادرته - بعد يأس من انصرافه - عن رأيه، على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله - ﷺ - وسيفه وقضيبه قبل خروجه؛ ثم أخلي له طريق الخروج إليه؛ كراهة أن يكون بيني وبينه اختلاف نصير منه إلى أمر يطمع الأعداء فينا، أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشية السبت.
فتوجهت في خاصة ثقاتي الذين اعتمدت عليهم، وأثق بهم، بربط الجأش، وصدق البأس، وصحة المناصحة، حتى طالعت جميع أمر كل من كنت وكَّلت بالمدينة والخلد برًا وبحرًا، والتقدمة إليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حراقات وسفنًا؛ سوى العدة التي كانت لأركبها بنفسي لوقت ميعادي بيني وبين هرثمة، فنزلتها في عدة ممن كان ركب معي من خاصة ثقاتي وشاكريتي، وصيرت عدة منهم فرسانًا ورجالة بين باب خراسان والمشرعة وعلى الشط.
وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدًّا مستعدًّا؛ وقد خاتلني بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة، ليحمله قبل أن أعلم، أو يبعث إليّ بالرداء والسيف والقضيب؛ على ما كان فارقني عليه من ذلك. فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لأمري كان أتاهم، وتقدمي إليهم ألا يدعو أحدًا يجوزهم إلا بأمري. فبادرهم نحو المشرعة، وقرب هرثمة إليه الحراقة، فسبق الناكث أصحابي إليها، وتأخر كوثر، فظفر به قريش مولاي، ومعه الرداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من إرادة أصحابي منع مخلوعهم من الخروج، فبادر بعضهم حراقة هرثمة، فتكفأت بهم حتى أغرقت في الماء ورسبت، فانصرف بعضهم إلى المدينة، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة متخلِّصًا إلى الشط، نادمًا على ما كان من خروجه، ناقضًا للعهد، داعيًا بشعاره، فابتدره عدة من أوليائي الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصراة، فأخذوه عنوة قهرًا بلا عهد ولا عقد؛ فدعا بشعاره، وعاد في نكثه، فعرض عليهم مائة حبة، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم، وإيثارًا للحق
[ ١٢ / ١٣٤ ]
الواجب عليهم، فتعلقوا به، قد أسلمه الله وأفرده؛ كلٌّ يرغبه، ويريد أن يفوز بالحظوة عندي دون صاحبه؛ حتى اضطربوا فيما بينهم، وتناولوه بأسيافهم منازعة فيه، وتشاحّا عليه، إلى أن أتيح له مغيظ لله ودينه ورسوله وخليفته، فأتى عليه وأتاني الخبر بذلك فأمرت بحمل رأس إلي، فلما أتيت به تقدمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح، في لزوم مواضعهم، والاحتفاظ بما يليهم، إلى أن يأتيهم أمري. ثم انصرفت فأعظم الله لأمير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الإسلام به وفيه.
فلما أصبحت هاج الناس واختلفوا في المخلوع، فمصدق بقتله، ومكذب وشاك وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشبهة في أمره، فمضيت برأسه، لينظروا إليه فيصح بعينهم، وينقطع بذلك بعل قلوبهم، ودخل التياث المستشرفين للفساد والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها، وأعطى أهلها الطاعة، واستقام لأمير المؤمنين شرقي ما يلي مدينة السلام وغربيه وأرباعه وأرباضه ونواحيه، وقد وضعت الحرب أوزارها وتلافى بالسلام والإسلام أهله؛ وبعد الله الدغل عنهم، وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والسكون والدعة والاستقامة والاغتباط؛ والصنع من الله جل وعز والخيرة، والحمد لله على ذلك.
فكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله، وليس قبلي داع إلى فتنة؛ ولا متحرك ولا ساع في فساد، ولا أحد إلا سامع مطيع باخع حاضر؛ قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين ودعة ولايته؛ فهو يتقلب في ظلها، يغدو في متجره ويروح في معايشه؛ والله ولي ما صنع من ذلك، والمتمم له، والمانّ بالزيادة فيه برحمته.
وأنا أسأل الله أن تهنئ أمير المؤمنين نعمته، ويتابع له فيها مزيده ويوزعه عليها شكره؛ وأن يجعل منته لديه متوالية دائمًا متواصلة؛ حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة، ولأوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته، إنه وليّ ذلك منهم وفيّه، إنه سميع لطيف لما يشاء.
وكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة.
وذكر عن محمد المخلوع أنه قبل مقتله، وبعد ما صار في المدينة، ورأى الأمر قد تولى عنه، وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر، قعد في الجناح الذي كان عمله على باب الذهب - وكان تقدم في بنائه قبل ذلك - وأمر بإحضار كل من كان
[ ١٢ / ١٣٥ ]
معه في المدينة من القواد والجند، فجمعوا في الرحبة، فأشرف عليهم، وقال:
الحمد لله الذي يرفع ويضع، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط؛ وإليه المصير. أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال، وحلول النوائب، وتوفد المصائب؛ حمدًا يدخر لي به أجزل الجزاء، ويرفدني أحسن العزاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأن محمدًا عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين، - ﷺ -، آمين رب العالمين.
أما بعد يا معشر الأبناء، وأهل السبق إلى الهدى، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير عليَّ ومشير، فمادت به الأيام بما لزمني به من الندامة في الخاصة والعامة، إلى أن نبهتموني فانتبهت، واستعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم، فبذلت لكم ما حواه ملكي، ونالته مقدرتي، مما جمعته وورثته عن آبائي، فقوَّدت من لم يجز، واستكفيت من لم يكف، واجتهدت - علم الله - في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه، واجتهدتم - علم الله - في مساءتي في كل ما قدرتم عليه؛ من ذلك توجيهي إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم فكان منكم ما يطول ذكره؛ فغفرت الذنب، وأحسنت واحتلمت، وعزيت نفسي عند معرفتي بشرود الظفر، وحرصي على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم، ومن على يدي أبيه كان فخركم، وبه تمت طاعتكم: عبد الله بن حميد بن قحطبة، فصرتم من التألب عليه إلى ما لا طاقة له به، ولا صبر عليه. يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفًا، إليَّ عامدين وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد، سامعين له مطيعين. ثم وثبتم مع الحسين عليّ، فخلعتموني وشتمتموني، وانتهبتموني وحبستموني، وقيدتموني؛ وأشياء منعتموني من ذكرها؛ حقد قلوبكم وتلكؤ طاعتكم أكبر وأكثر. فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورضى بقدره؛ والسلام.
وقيل: لما قتل محمد، وارتفعت الثائرة، وأعطى الأمان الأبيض والأسود، وهدأ الناس، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس، وخطبهم خطبة بليغة، نزع فيها من قوارع القرآن؛ فكان مما حفظ من ذلك أن قال:
[ ١٢ / ١٣٦ ]
الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
في آي من القرآن أتبع بعضها بعضًا، وحض على الطاعة ولزوم الجماعة ورغبهم في التمسك بحبل الطاعة. وانصرف إلى معسكره.
وذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة، وحضره من بني هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة، قال:
الحمد لله مالك الملك، يؤتيه من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين؛ إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا، بل اختار الله للخلافة إذ جعلها عمادًا لدينه وقوامًا لعباده، وضبط الأطراف وسد الثغور، وإعداد العدة، وجمع الفيء، وإنفاذ الحكم، ونشر العدل، وإحياء السنة، بعد إذبال البطالات، والتلذذ بموبق الشهوات. والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعي غرورها، محتلب درة نعمتها، ألف لزهرة روضتها كلف برونق بهجتها. وقد رأيتم من وفاء موعود الله ﷿ لمن بغي عليه، وما أحل به من بأسه ونقمته، لمّا نكب عن عهده، وارتكب معصيته، وخالف أمره، وغيره ناهيه، وعظته مردية، فتمسكوا بوثائق عصم الطاعة، واسلكوا مناحي سبيل الجماعة، واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية، الذين قدحوا زناد الفتنة، وصدعوا شعب الألفة، فأعقبهم الله خسار الدنيا والآخرة (١).
* * *
ولما فتح طاهر بغداد كتب إلى أبي إسحاق المعتصم - وقد ذكر بعضهم أنه إنما كتب بذلك إلى إبراهيم بن المهدي، وقال الناس: كتبه إلى أبي إسحاق المعتصم: أما بعد، فإنه عزيز علي أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير، ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي وتصغي بالهوى؛ إلى الناكث المخلوع،
_________________
(١) هذه الرسائل المتبادلة انفرد الطبري بذكر تفاصيلها كعادته ولم يذكر غيره إلا نتفًا أو أشار إلى بعض فحواه والله أعلم.
[ ١٢ / ١٣٧ ]
وإن كان كذلك فكثير ما كتبت به إليك، وإن كان غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات:
ركوبكَ الأَمرَ ما لم تُبْلَ فرْصتُهُ جهل وَرَأيُكَ بالتَّغرِيرِ تَغريرُ
أَقبحْ بِدُنيَا ينالُ المُخطئونَ بها حَظَّ المُصِيبينَ والمَغْرورُ مغْرورُ
* * *