ذكر الفضل بن سليمان بن عليّ أن الرشيد حجّ في سنة ست وثمانين ومائة.
وأنه انصرف من مكة، فوافى الحِيرة في المحرّم من سنة سبع وثمانين ومائة عند انصرافه من الحجّ، فأقام في قصر عون العِباديّ أيامًا، ثم شخص في السّفن حتى نزل العُمْر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرّم، أرسل مسرورًا الخادم ومعه حمّاد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند،
_________________
(١) = خليفة، محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول وعمومته وإمامة الملة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها، قريبة عهد ببداوة العروبة وسذاجة الدين، البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها؟ أو أين توجد الطهارة والزّكاء، إذا فقد من بيتها؟ يقول ابن خلدون أيضًا: وغايته إن جذبت دولتهم في ضَبْعه وَضَبْعِ أبيه، واستخلصتهم ورقَتهم إلى منازل الأشراف وكيف يسوغ من الرّشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همته وعظم (إبائه)؟ ولو نظر المتأمّل في ذلك نظر المنصف، وقاس العباسة بابنة ملك من (أعاظم) ملوك زمانه، لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها، وفي سلطان قومها، واستنكره ولجّ في تكذيبه. وأين قدر العبّاسة والرّشيد من النّاس؟ [مقدمة ابن خلدون/ ٤٤]. قلت: وإضافة إلى ما قاله ابن خلدون فإن الطرف الآخر كذلك كان لا يسمح لنفسه ارتكاب هذا القبح فالوزير البرمكي (جعفر بن يحيى) تعلّم عند قاضي القضاة أبي يوسف وكان رجلا شهمًا ذا خلق رفيع ينفق سرًّا على علماء أهل السنة والجماعة كسفيان بن عيينة فكيف لمثل هذا الرجل أن يرتكب ما ذكرته هذه الرواية المنكرة؟ ! وسامح الله الطبري كيف ينقل هذه التهمة والقذف بسندٍ يظنه ظنًّا ويشك فيه بقوله (أحسبه عن عمه زاهر بن حرب) وزاهر هذا مجهول - والله أعلم -.
[ ١١ / ٢٢٤ ]
فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلًا، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبّب وأبو زكّار الأعمى المغنِّي الكلوذانيّ، وهو في لهوه، فأخرجه إخراجًا عنيفًا يقوده، حتى أتى به المنزل الذي فيه الرّشيد، فحبسه وقيَّده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به، فأمر بضرب عنقه، ففعل ذلك.
وذكر عن عليّ بن أبي سعيد أن مسرورًا الخادم، حدثه قال: أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لَمَّا أراد قتله، فأتيته وعنده أبو زكّار الأعمى المغنّي وهو يغنيّه:
فلا تَبْعَد فكلُّ فتىً سيأْتي عليه الموتُ يَطرق أَو يغادِي
قال: فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك، أجبْ أمير المؤمنين. قال: فرفع يديْه، ووقع على رجليّ يقبلهما، وقال: حتى أدخل فأوصي، قلت: أما الدّخول فلا سبيل إليه، ولكن أوْصِ بما شئت، فتقدّم في وصيَّته بما أراد، وأعتق مماليكه، ثم أتتني رسلُ أمير المؤمنين تستحثُّني به، قال: فمضيتُ به إليه فأعلمته، فقال لي وهو في فراشه: ائتني برأسه، فأتيت جعفرًا فأخبرته، فقال: يا أبا هاشم، الله الله! والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران؛ فدافعْ بأمري حتى أصبح أؤامِره فيّ ثانية، فعدت لأؤامره، فلما سمع حسّي، قال: يا ماصّ بَظْر أمّه، ائتني برأس جعفر! فعدتُ إلى جعفر، فأخبرته، فقال: عاوده فيّ ثالثة، فأتيته، فحذفني بعمود ثم قال: نُفيت من المهديّ إن أنت جئتَني ولم تأتني برأسه، لأرسلنّ إليك مَنْ يأتيني برأسك أولًا، ثم برأسه آخرًا. قال: فخرجت فأتيته برأسه.
قال: وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، ومن كان منهم بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضرًا، وحوّل الفضل بن يحيى ليلًا فحُبس في ناحية من منازل الرّشيد، وحُبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجّه من ليلته رَجَاء الخادم إلى الرَّقة في قبض أموالهم وما كان لهم؛ وأخذ كل ما كان من رقيقهم وحشمهم، وولاه أمورهم، وفرّق الكتب من ليلته إلى جميع العمَّال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأخذ وكلائهم. فلمّا أصبح بعث بجُثَّة
[ ١١ / ٢٢٥ ]
جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتانيّ وهَرْثمَة بن أعْيَن وإبراهيم بن حميد المَرْورُّوذيّ، وأتبعهم عدّةً من خدمه وثقاته؛ منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى، وجعل معه هرثمة بن أعين، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السنديّ الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصْب رأسه على الجسر الأوسط وقطْع جثّته، وصلْب كلّ قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل. ففعل السنديّ ذلك، وأمضى الخدم ما كانُوا وجّهوا فيه، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرّشيد، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداء في جميع البرامكة: ألّا أمان لمن آواهم إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه؛ فإنه استثناهم؛ لما ظهر من نصيحة محمد له، وعَرَفَ براءته ممَّا دخل فيه غيره من البرامكة. وخلّى سبيل يحيى قبل شخوصه من العُمْر، ووكَّل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى، وبأبي المهديّ صهرهم حَفظةً من قِبل هَرْثمَة بن أعين، إلى أن وافَى بهم الرّقة، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيْخ يوم قدِم الرّقة، وتولَّى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب. وحُبِس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دَير القائم، وجعل عليهم حفظة من قِبل مسرور الخادم وهَرْثمة بن أعين، ولم يفرّق بينهم وبين عدّة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه، وصيّر معهم زُبيدة بنت مُنير أمّ الفضل ودَنانير جارية يحيى وعدّة من خَدَمهم وجواريهم. ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمّهم بالتثقيف بسخطه، وجُدّد له ولهم التّهمة عند الرّشيد، فضيّق عليهم.
وذكر الزبير بن بكار أنّ جعفر بن الحسين اللِّهبِيّ حدثه أن الرشيد أُتِيَ بأنس بن أبي شيخ صبح الليلة التي قتل فيها جعفر بن يحيى، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج الرشيد سيفًا من تحت فراشه، وأمر أن تضرَب عنقه، وجعل يتمثَّل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك:
تَلَمَّظَ السَّيْفُ من شوْق إِلى أَنسٍ فَالسيف يَلحَظُ وَالأَقدارُ تَنْتَظِرُ
قال: فضرب عنقه، فسبق السيف الدم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. وقال الناس: إن السيف كان سيف الزبير بن العوام.
[ ١١ / ٢٢٦ ]
وذكر بعضهم أن عبد الله بن مُصعب كان على خَبر الناس للرشيد، فكان خبره عن أنس أنه على الزندقة، فقتله لذلك، وكان أحد أصحاب البرامكة.
وذكر محمد بن إسحاق أنّ جعفر بن محمد بن حكيم الكوفيّ، حدّثه قال: حدّثني السنديّ بن شاهك، قال: إني لجالسٌ يومًا، فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد، ودفع إليَّ كتابًا صغيرًا، ففضضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: يا سنديّ، إذا نظرت في كتابي هذا، فإن كنت قاعدًا فقم، وإن كنت قائمًا فلا تقعد حتى تصير إليّ. قال السنديّ: فدعوت بدوابي، ومضيت، وكان الرشيد بالعُمر؛ فحدّثني العباس بن الفضل بن الربيع، قال: جلس الرّشيد في الزوّ في الفرات ينتظرك، وارتفعت غبرةٌ، فقال لي: يا عباس، ينبغي أن يكون هذا السنديّ وأصحابه! قلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبهه أن يكون هو! قال: فطلعت. قال: السنديّ: فنزلت عن دابتي، ووقفت، فأرسل إليّ الرشيد فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم: قوموا، فقاموا فلم يبقَ إلّا العباس بن الفضل وأنا، ومكث ساعة، ثم قال للعباس: اخرج ومُرْ برفع التخاتج المطروحة على الزّوّ، ففعل ذلك، فقال لي: ادنُ مني: فدنوت منه، فقال لي: تدري فيمَ أرسلت إليك؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: قد بعثت إليك في أمر لو علم به زرّ قميصي رميتُ به في الفرات، يا سندي مَنْ أوثق قوَّادي عندي؟ قلت: هرثمة، قال: صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟ قلت: مسرور الكبير، قال: صدقت، امض من ساعتك هذه وجدّ في سيرك حتى توافي مدينةَ السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومُرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الزُّجَل، فصر إلى دور البرامكة، فوكل بكلّ باب من أبوابهم صاحب ربع، ومرْه أن يمنع مَنْ يدخل ويخرج - خلا باب محمد بن خالد - حتى يأتيَك أمري. قال: ولم يكن حرّك البرامكة في ذلك الوقت. قال السنديّ: فجئت أركض، حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي، وفعلت ما أمرني به. قال: فلم ألبث أن أقدم عليّ هرثمة بن أعين، ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف، مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أشطره باثنين؛ وأن أصلبه على ثلاثة جسور. قال: ففعلت ما أمرني به.
[ ١١ / ٢٢٧ ]
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل جعفر مصلوبًا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خُراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلما صار بالجانب الشرقيّ على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جُشم الشاري من الحبْس، وأمر أحمد بن الجنيد الخُتّليّ - وكان سيّافه - فضرب عنقه، ثم التفت إلى السنديّ، فقال: ينبغي أن يحرق هذا - يعني جعفرًا - فلما مضى، جمع السنديّ له شوكًا وحطبًا وأحرقه.
وقال محمد بن إسحاق: لما قتل الرّشيد جعفر بن يحيى، قيل ليحيى بن خالد: قتل أمير المؤمنين ابنَك جعفرًا، قال: كذلك يُقتَل ابنُه، قال: فقيل له: خربت ديارك، قال: كذلك تُخرَب دورهم.
وذكر الكرمانيّ أن بشارًا التركيّ حدّثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعُمْر في اليوم الذي قتل جعفرًا في آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر بن يحيى معه، قد خلَا به دون ولاة العهد، وهو يسير معه، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلَّفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب، فلما أراد الدخول ضمَّه إليه، وقال له: لولا أني على الجلوس الليلة مع النّساء لم أفارقك، فأقم أنت في منزلك، واشرب أيضًا واطرب؛ لتكون أنت في مثل حالي، فقال: لا والله ما أشتهي ذلك إلّا معك، فقال له: بحياتي لما شربت؛ فانصرف عنه إلى منزله؛ فلم تزل رسُل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسرورًا فحبس عنده، وأمر بقتله وحَبْس الفضل ومحمد وموسى، ووكَّل سلامًا الأبرش بباب يحيى بن خالد، ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لأحدٍ من ولده وحَشمه.
قال: فحدثني العباس بن بزيع عن سلّام، قال: لمّا دخلت على يحيى في ذلك الوقت - وقد هُتكت الستور وجُمع المتاع - قال لي: يا أبا سلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلّام: فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه، فأطرق مفكّرًا (١).
قال: وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن عليّ، قال: كان سكني إلى يحيى، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشيَّة التي كان آخر أمره،
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١٤).
[ ١١ / ٢٢٨ ]
وقد صار إلى أمير المؤمنين في حَرّاقته، فدخل إليه من باب صاحب الخاصّة، فكلَّمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاخ الثغور وغزو البحر، ثم خرج، فقال للناس: قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم، وبعث إلى أبي صالح يحيى بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدّثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب، ووافانا في وقت السّحَر خبرُ مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه، فكتب إليّ: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد. وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد.
وفي ذلك يقول الرّقاشيّ:
أَيا سَبْتُ يا شرّ السُّبوتِ صَبيحةً ويا صفَرُ الَمشْؤُوم ما جئتَ أَشأَما
أَتَى السَّبْتُ بالأَمْرِ الَّذي هَدَّ ركنَنا وفي صَفَرٍ جاءَ البلاءُ مُصَمّما
قال: وذُكر عن مسرور أنه أعلم الرّشيد أن جعفرًا سأله أن تقع عينه عليه، فقال: لا، لأنه يعلم إن وقعت عيني عليه لم أقتله.
* * *