ذُكر عن يزيد بن الحارث، قال: لما نزل طاهر شلاشان، وجّه الحسين بن عمر الرستميّ إلى الأهواز، وأمره أن يسير سيرًا مقتصدًا، ولا يسير إلَّا بطلائع، ولا ينزل إلا في موضع حَصِين يأمن فيه على أصحابه. فلما توجّه أتت طاهرًا عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيد المهلبيّ - وكان عاملًا لمحمد على الأهواز - قد توجّه في جمع عظيم يريد نزول جندي سابور - وهو حدّ ما بين الأهواز والجبل - ليحمي الأهواز، ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر، وإنه في عدّة وقوّة، فدعا طاهر عدّةً من أصحابه، منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه والحارث بن هشام وداود بن موسى وهادي بن حفص، وأمرهم أن يكمّشوا السَّير حتى يتّصل أوّلهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرّستميّ، فإن احتاج إلى إمداد أمدّوه، أو لقيه جيش كانوا ظهرًا له. فوجّه تلك الجيوش، فلم يلقهم أحدٌ حتى شارفوا الأهواز.
وبلغ محمد بن يزيد خبرُهم، فعرض أصحابَه، وقوّى ضعفاءهم، وحمل الرجّالة على البغال، وأقبل حتى نزل سوق عسكر مُكرَم، وصيّر العمران والماء وراء ظهره، وتخوّف طاهر أن يعجل إلى أصحابه، فأمدّهم بقريش بن شبل، وتوجّه هو بنفسه حتى كان قريبًا منهم، ووجّه الحسن بن عليّ المأموني، وأمره بمضامّة قريش بن شبل والحسين بن عمر الرستميّ، وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد بعسكر مُكرم، فجمع أصحابه فقال: ما ترون؟ أطاول القوم القتال وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لي أم عليّ؟ فوالله ما أرى أن أرجع إلى أمير المؤمنين أبدًا، ولا أنصرف عن الأهواز، فقالوا له: الرأي أن ترجع إلى الأهواز، فتتحصن بها وتغادي طاهرًا القتال وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفروض، وتستجيش من قدرت عليه وتابعك من قومك. فقبل ما أشاروا عليه، وتابعه قومه، فرجع حتى صار بسوق الأهواز. وأمر طاهر قريش بن شبل أن
_________________
(١) وذكر خليفة هذا الخبر فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٩٦ هـ) وفيها قتل محمد بن يزيد بن حاتم بالأهواز [تأريخ خليفة/ ٣٠٩] وانظر تعليقنا الآتي (٨/ ٤٣٤/ ٧٠).
[ ١٢ / ٨٢ ]
يتبعه، وأن يعاجله قبل أن يتحصّن بسوق الأهواز، وأمر الحسن بن عليّ المأمونيّ والحسين بن عمر الرستميّ أن يسيرا بعقبه، فإن احتاج إلى معونتهما أعاناه. ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد، كلّما ارتحل محمد بن يزيد من قرية نزلها قريش، حتى صاروا إلى سوق الأهواز.
وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها، واستند إلى العمران، فصيّره وراء ظهره، وعبّى أصحابه، وعزم على مواقعتهم، ودعا بالأموال فصبّت بين يديه، وقال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم الجائزة والمنزلة فليعرفني أثره. وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريبًا منه، وقال لأصحابه: الزموا مواضعكم ومصافّكم، وليكن أكثر ما قاتلتموهم وأنتم مريحون فقاتلوهم بنشاط وقوّة، فلم يبق أحدٌ من أصحابه إلّا جمع بين يديه ما قدر عليه من الحجارة، فلم يعبر إليهم محمد بن يزيد، حتى أوهنوهم بالحجارة، وجرحوهم جراحاتٍ كثيرة بالنُّشاب، وعبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد، فأمر قريش أصحابَه أن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى رجعوا، وترادَّ الناس بعضهم إلى بعض. والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه، فقال: ما رأيكم؟ قالوا: في ماذا؟ قال: إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمنُ من خذلانهم، ولا آملُ رجعتهم، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي، حتى يقضي الله ما أحبّ، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف، فوالله لأن تبقوا أحبّ إليّ من أن تعطبوا وتهلكوا. فقالوا: والله ما أنصفناكَ، إذًا تكون أعتقتَنا من الرّق ورفعتنا من الضّعة، ثم أغنيتنا بعد القِلّة، ثم نخذلك على هذه الحال، بل نتقدّم أمامك ونموت تحت ركابك، فلعن الله الدنيا والعيش بعدك. ثم نزلوا فعرقبوا دوابَّهم، وحملوا على أصحاب قريش حملةً منكرَة، فأكثروا فيهم القتل، وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك، وانتهى بعض أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد، فطعنه بالرمح فصرعه، وتبادروا إليه بالضّرب والطعن حتى قتلوه، فقال بعض أهل البصرة يرثيه، ويذكر مقتله:
مَن ذاقَ طعم الرُّقادِ مِن فَرَحٍ فإِنني قد أَضَرَّ بي سَهَرِي
ولَّى فتَى الرُّشدِ فافتَقَدتُ به قلبي وسمعي وغرّني بصري
كانَ غِياثًا لدَى المُحولِ فقد ولَّى غمامُ الرَّبيعِ والمطَر
[ ١٢ / ٨٣ ]
وَفي العُيَيْنِيُّ للإِمامِ ولمْ يُرهِبْهُ وقْعُ المُشَطَّبِ الذَّكَرِ
سَاورَ رَيبُ المَنونِ دَاهِيَةً لولا خُضَوعُ العِبادِ للقَدَرِ
فامضِ حميدًا فكلُّ ذي أَجل يسْعَى إلى ما سَعَيتَ بالأَثرِ
وقال بعض المهالبة، وجرح في تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده:
فما لمتُ نفسي غيرَ أَنِّي لم أُطِقْ حرَاكَا وأَني كنتُ بالضَّرْب مُثخنَا
ولو سَلِمَتْ كفَّاي قاتلتُ دونه وضارَبتُ عنه الطاهِرِيَّ المُلَعَّنا
فتًى لا يَرَى أَنْ يَخذِل السيفَ في الوغى إِذَا ادَّرَعَ الهيجاءَ في النقع واكتَنَى
وذكر عن الهيثم بن عديّ، قال: لما دخل ابن أبي عيينة على طاهر فأنشده قوله:
مَنْ آنسَتْه البلادُ لم يَرِمِ منها ومَن أَوحشَتْهُ لم يُقِم
حتى انتهى إلى قوله:
ما ساءَ ظَنِّي إلا لواحدةٍ في الصَّدرِ محصَورةٍ عنِ الكلِمِ
فتبسمّ طاهر، ثم قال: أما والله لقد ساءني من ذلك ما ساءك، وآلمني ما آلمك، ولقد كنت كارهًا لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بدّ من قَطْع الأواصر والتنكّر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحقّ الطاعة، فظننا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم (١).
وذكر عمر بن أسد، قال: أقام طاهر بالأهواز بعد قتله محمد بن يزيد بن حاتم، وأنفذ عمّاله في كُورها، وولّي على اليمامة والبحرين وعُمان مما يلي الأهواز، ومما يلي عمل البصرة، ثم أخذ على طريق البرّ متوجّهًا إلى واسط، وبها يومئذ السنديّ بن يحيى بن الحَرشيّ والهيثم خليفة خزيمة بن خازم، فجعلت المسالح والعمال تتقوّض، مسلحة مسلحة، وعاملًا عاملًا، كلّما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا عنها، حتى قرب من واسط، فنادى
_________________
(١) أما ابن قتيبة الدينوري فقد ذكر أصل الخبر قائلًا: ولما أتى طاهر الأهواز وجد عليها واليًا من المهالبة لمحمد فقتله واستولى على الأهواز ثم سار إلى واسط وهرثمة إلى حلوان [المعارف / ١٩٦] وانظر الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري (٣٩٩). فقد ذكر مسير طاهر إلى الأهواز وانظر خليفة (٣٠٩).
[ ١٢ / ٨٤ ]
السنديّ بن يحيى والهيثم بن شعبة في أصحابهما، فجمعاهم إليهما، وهمّا بالقتال، وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه، فمرّب إليه فرسًا، فأقبل يقسم طرفه بينها، واستقبلته عدّة، فرأى المراكبيّ التغيّر والفزع في وجهه فقال: إنْ أردت الهرب فعليك بها، فإنها أبسط في الركض، وأقوى على السفر. فضحك ثم قال: قرّب فرس الهرب، فإنّه طاهر، ولا عار علينا في الهرب منه، فتركا واسطًا، وهربا عنها. ودخل طاهر واسطًا، وتخوّف إن سبق الهيثم والسنديّ إلى فم الصِّلح فيتحصنا بها. فوجه محمد بن طالوت، وأمره أن يبادرهما إلى فم الصلح ويمنعهما من دخولها إن أرادا ذلك، ووجّه قائدًا من قوّاده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة. وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادي، فلمّا بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع محمدًا، وكتب بطاعته إلى طاهر وببيعته للمأمون، ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهديّ - وكان عاملًا لمحمد على البصرة - إلى طاهر بطاعته، ورحل طاهر حتى نزل طرنايا، فأقام بها يوميْن فلم يرها موضعًا للعسكر، فأمر بجسر فعقد وخندق له، وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال.
وكانت بيعة المنصور بن المهديّ بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادي بالكوفة؛ وبيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلعهم محمدًا في رجب من سنة ست وتسعين ومائة (١).
وقيل: إنّ الذي كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبَل محمد الفضل بن العباس بن موسى بن عيسى.
ولما كتب من ذكرت إلى طاهر ببيعتهم للمأمون وخلعهم محمدًا، أقرّهم طاهر على أعمالهم، وولّى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة، ويزيد بن جرير البَجَليّ اليَمن، ووجّه الحارث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة.
* * *
_________________
(١) لم يذكر خليفة عن هذه المسائل إلا شيئًا واحدًا وهو قوله: وخلع منصور بن المهدي محمدًا المخلوع ودعا إلى المأمون [تاريخ خليفة/ ٣٠٩] أما البسوي فعلى الدنيا السلام.
[ ١٢ / ٨٥ ]