وكان بدء علّته - فيما ذكر - من ثقل أصابه في لسانه وشقّه؛ وكان يقول: ما أحبّ أن يموت الرشيد، فيقال له: أما تحب أن يفرّج الله عنك! فيقول: إن أمري قريب من أمره. ومكث يعالَج أشهرًا، ثم صلح، فجعل يتحدّث، ثم اشتدّ عليه فعُقد لسانه وطرفه، ووقع لمآبه، فمكث في تلك الحال يوم الخميس ويوم الجمعة، وتُوفِّي مع أذان الغداة، قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو في خمس وأربعين سنة، وجزع الناس عليه، وصلّى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أخرِج فصلّى الناس على جنازته (١).
* * *
وفيها مات سعيد الطبريّ المعروف بالجوهريّ (٢).
* * *
وفيها وافى هارون جرجان في صَفر، فوافاه بها خزائن عليّ بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير، ثم رحل من جُرجان - فيما ذكر - في صفر، وهو عليل، إلى طُوس؛ فلم يزل بها إلى أن تُوفِّيَ - واتّهم هرثمة، فوجّه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مَرْو، ومعه عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسنديّ بن الحرَشيّ ونعيم بن حازم؛ وعلى كتابته ووزارته أيّوب بن أبي سُمَيْر، ثم اشتدّ بهارون الوجع حتى ضعف عن السير (٣).
_________________
(١) أما أصل الخبر فقد ذكرناه في قسم الصحيح ولم نجد لهذه التفاصيل أيّ تأييد في مصدر موثوق متقدم انظر تاريخ بغداد (١٢/ ٢٣٤) والمنتظم (٩/ ٢٠٨).
(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٢٧).
(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٢٧].
[ ١١ / ٢٥٦ ]
وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة، فَتح فيها بخارى، وأسر أخا رافع بشير بن الليث، فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس؛ فذُكِر عن ابن جامع المروزيِّ، عن أبيه، قال: كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع. قال: فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذّراع، وعليه فرْش بقدر ذلك - أو قال أكثر - وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه. قال: فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ونظر إلى أخي رافع، فقال: أما الله يا بن اللَّخناء؛ إني لأرجو ألَّا يفوتني خامل - يريد رافعًا - كما لم تَفُتْنِي. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كنت لك حربًا، وقد أظفرك الله بي فافْعَلْ ما يحبُّ الله، أكن لك سلمًا؛ ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ! فغضب وقال: والله لو لم يبق من أَجَلي إلَّا أن أحرِّك شفتيَّ بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصَّاب، فقال: لا تشحذ مُداك، اتركها على حالها، وفصِّل هذا الفاسق ابن الفاسق، وعجِّل؛ لا يحضرنَّ أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه. ففصَّله حتى جعله أشلاء. فقال: عُدَّ أعضاءه، فعددت له أعضاءه، فإذا هي أربعة عشر عضوًا، فرفع يديه إلى السماء، فقال: اللهمَّ كما مكَّنْتَني من ثأرك وعدُّوك، فبلغت فيه رضاك، فمكِّني من أخيه. ثم أغْمِيَ عليه، وتفرَّق مَن حضره (١).
* * *