ذكر العباس بن محمد عن أبيه، عن العباس، قال: كان الرَّشيد يصلِّي في كلِّ يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا؛ إلا أن تعرض له علَّة، وكان يتصدَّق من صُلْب ماله في كلِّ يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حجَّ حجَّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحجَّ أحجَّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة، وكان يقتفي آثار المنصور، ويطلب العمل بها إلَّا في بذل المال؛ فإنه لم يُرَ خليفة قبله كان أعطى منه للمال، ثم المأمون من بعده. وكان لا يضيع عنده إحسان محسنٍ، ولا يؤخَّر ذلك في أوَّل ما يجب ثوابه. وكان يحبُّ الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويقول: هو شيء لا نتيجة له، وبالحري ألا يكون فيه ثواب، وكان يحب المديح؛ ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن الغالي.
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٤/ ٥) سير أعلام (٨/ ٢٨٦).
(٢) تأريخ بغداد [١٤/ ٥]، وسير أعلام [٨/ ٢٨٦].
[ ١١ / ٢٦٠ ]
وذكر ابن أبي حفصة أنَّ مروان بن أبي حفصة دخل عليه في سنة إحدى وثمانين ومائة يوم الأحد لثلاث خلوْن من شهر رمضان، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
وَسُدَّتْ بِهارونَ الثُّغورُ فأُحكِمَتْ به مِنْ أُمورِ المُسْلِمينَ المَرائِرُ
وما انفَكَّ مَعْقودًا بنَصْرٍ لواؤُه له عسكرٌ عنْهُ تُشَظَّى العَساكِرُ
وكلُّ مُلوك الرومِ أَعطاهُ جِزْيَةً على الرغم قسْرًا عَنْ يَدٍ وهْوَ صاغرُ
لقد تَرَكَ الصَّفْصافَ هارونُ صَفْصَفًا كأَنْ لم يُدَمِّنْهُ مِنَ الناسِ حاضرُ
أَناخَ على الصَّفْصافِ حتى اسْتباحَهُ فكابَرَهُ فيها أَلجُّ مُكابرُ
إِلى وجْهه تسمو العُيُون ومَا سمَتْ إِلى مثلِ هارونَ العيونُ النَّواظرِ
ترى حَوْلهُ الأَملاكَ مِنْ آل هاشِمٍ كما حَفَّتِ البَدْرَ النجومُ الزَّواهرُ
يَسُوقُ يَدَيْهِ مِنَ قُرَيْش كِرَامُها وكِلتاهُما بَحْرٌ على الناس زاخرُ
إِذا فقدَ الناسُ الغمامَ تتابَعَتْ عليْهمْ بكَفَّيْكَ الغُيُومُ المواطِرُ
على ثِقَةٍ أَلقَتْ إِليْكَ أُمورَها قُرَيْش، كما ألقى عَصاهُ المُسافِرُ
أُمورٌ بِميراثِ النبيِّ وَليتَها فَأَنتَ لها بالْحَزمِ طاوٍ وَناشِرُ
إِليكُم تناهَتْ فاستَقَرَّتْ وَإِنَّما إِلى أَهلهِ صارَتْ بِهِنَّ المَصايرُ
خلَفْتَ لنا المَهْدِيَّ في العَدْلِ وَالنَّدى فلا العُرْفُ منزُورٌ ولا الحُكْمُ جائِرُ
وَأَبناءُ عَبَّاسٍ نُجومٌ مضيئَة إذا غابَ نجْمٌ لاحَ آخَرُ زاهرُ
عليَّ بَنِي ساقي الحَجِيج تتابعَتْ أَوَائلُ منْ مَعْروفكمْ وأَواخِرُ
فأَصْبحْتُ قد أَيْقَنْتُ أَنْ لسْتُ بالغًا مَدَى شُكْر نُعْماكُمْ وَإني لَشاكِرُ
وما الناسُ إلا وَارِدٌ لحِياضكم وَذُو نَهَل بالرِّيِّ عنهنَّ صادرُ
حُصُونُ بَنِي العَباسِ في كلِّ مَأْزِق صُدور العوالي والسُّيوفُ البَواتِرُ
فَطَوْراُ يَهُزُّونَ القَواطِعَ والقَنا وَطَوْرًا بأَيدِيهِمْ تُهَزُّ المَخَاصِرُ
بَأَيْدِي عظام النَّفْعِ والضَّر لاتَنِي بِهْم للعَطايا والمَنايا بَوادِرُ
لِيَهنِكُمُ المُلكُ الذي أَصبحَتْ بِكمْ أَسِرَّتُهُ مُخْتالَةً والمَنابرُ
أَبوكَ وَليُّ المُصْطَفى دونَ هاشِمٍ وِإنْ رَغَمتْ مِنْ حاسِدِيك المَناخِرُ
فأعطاه خمسة آلاف دينار، فقبضها بين يديه وكساه خلعته، وأمر له بعشرة من رقيق الروم، وحمله على برْذون من خاصِّ مراكبه.
[ ١١ / ٢٦١ ]
وذُكر أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدنيُّ، وكان مضحاكًا له محداثًا فكيهًا، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يملُّ محادثته، وكان ممَّن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجَّان، فبلغ من خاصَّته بالرَّشيد أن بوَّأه منزلًا في قصره، وخلطه بحُرَمه بطانته ومواليه وغلمانه؛ فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائمًا، فكشف اللحاف عن ظهره، ثم قال له: كيف أصبحت؟ قال: يا هذا ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ويلك! قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي. فمضى وتركه نائمًا، وتأهَّب الرشيد للصلاة، فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام فألقى عليه ثيابه، ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، فانتهى إليه وهو يقرأ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله! فما تمالك الرَّشيد أن ضحك في صلاته، ثم التفت إليه وهو كالمغضب، فقال: يابن أبي مريم، في الصلاة أيضًا! قال: يا هذا وما صنعتُ؟ قال: قطعتَ عليَّ صلاتي، قال: والله ما فعلتُ؛ إنما سمعت منك كلامًا غمَّني حين قلت: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقلت: لا أدري والله! فعاد فضحك، وقال: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما (١).
وذكر بعضُ خدم الرَّشيد أن العباس بن محمد أهدى غاليةً إلى الرشيد، فدخل عليه وقد حملها معه، فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! قد جئتك بغالية ليس لأحد مثلها، أما مِسْكها فمن سُرَر الكلاب التَبَّتية العتيقة، وأما عَنْبرها فمن عنبر بحر عَدَن، وأما بانُها فمن فلان المدنيَّ المعروف بجودة عَملِه، وأما مركِّبها فإنسان بالبصرة عالم بتأليفها، حاذق بتركيبها، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يمنَّ عليَّ بقبولها فعل، فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه: يا خاقانُ، أدخلْ هذه الغالية؛ فأدخلها خاقان، فإذا هي في بَرْنيَّة عظيمة من فضة، وفيها مِلعقة، فكشف عنها وابن أبي مريم حاضر، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْها لي، قال: خذها إليك. فاغتاظ العباس، وطار أسفًا، وقال:
_________________
(١) هذا خبر منكر وكيف نعتمد على خبر هذا إسناده (وذُكِرَ)؟ ! ! وما كان أصحاب الرشيد وسمّاره يجرؤون على هذا وقد عرف بتقواه وخشيته وبكائه مع هيبته في صدور الناس.
[ ١١ / ٢٦٢ ]
ويلك! عمَدت إلى شيء منعتُه نفسي، وآثرتُ به سيدي فأخذتَه! فقال: أمَّه فاعلة إن دهن بها إلا استه! قال: فضحك الرشيد، ثم وثب ابن أبي مريم، فألقى طرف قميصه على رأسه، وأدخل يده في البَرْنيَّة، فجعل يخرج منها ما حملت يده، فيضعه في استه مرَّة وفي أرفاغه ومغابنه أخرى، ثم سوَّد بها وجهَه ورأسه وأطرافه، حتى أتى على جميع جوارحه، وقال لخاقان: أدخل إليَّ غلامي، فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك، ادعُ غلامه، فدعاه، فقال له: اذهب بهذه الباقية، إلى فلانة، امرأته، فقل لها: ادهني بهذا حِرَك إلى أن أنصرف فأنيكك. فأخذها الغلام ومضى، والرَّشيد يضحك، فذهب به الضحك. ثم أقبل على العبَّاس فقال: والله أنت شيخ أحمق، تجيء إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية! أما تعلم أنَّ كلَّ شيء تمطر السماء وكلَّ شيء تخرج الأرض له، وكلَّ شيء هو في الدُّنيْا فملك يده، وتحت خاتمه وفي قبضته! وأعجبُ من هذا أنه قيل لملك الموت: انظر كلَّ شيء يقول لك هذا فأنفذه، فمثل هذا تُمْدح عنده الغالية، ويخطب فيِ ذكرها، كأنه بقَّال أو عطار أو تمَّار! قال: فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نَفسهُ، ووصل ابن أبي مريم في ذلك اليوم بمائة ألف درهم (١).
وذكر عن زيد بن عليّ بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: أراد الرشيد أن يشرب الدَّواء يومًا، فقال له ابن أبي مريم: هل لك أن تجْعلَني حاجبك غدًا عند أخذك الدواء؛ وكل شيء أكسبه فهو بيني وبينك؟ قال: أفعلُ، فبعث إلى الحاجب: الزمْ غدًا منزلك؛ فإني قد ولَّيت ابن أبي مريم الحجابة. وبكَرَ بن أبي مريم، فوضع له الكرسيَّ، وأخذ الرَّشيد دواءه، وبلغ الخبر بِطانتَه، فجاء رسول أم جعفر يسأل عن أمير المؤمنين وعن دوائه، فأوصله إليه، وتعرَّف حالَه وانصرف بالجواب، وقال للرسول: أعلْمِ السيدة ما فعلتُ في الإذن لك قبل الناس؛ فاعلمَها، فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد، ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل، ففعل كذلك، فبعث إليه كلَّ واحد من البرامكة بصلَة جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فردَّه ولم يأذن له، وجاءت رسلُ القواد والعظماء؛ فما أحد سهَّل إذنه إلا بعث إليه بصلة
_________________
(١) كيف نعتمد على هذا الإسناد (ذكر بعض الخدم) في إثبات هذا الحوار الخاص ؟ .
[ ١١ / ٢٦٣ ]
جزيلة؛ فما صار العصر حتى صار إليه ستون ألف دينار، فلما خرج الرشيد من العلَّة، ونقيَ بدنه من الدواء دعاه، فقال له: ما صنعت في يومك هذا؟ قال: يا سيدي، كسبت ستين ألف دينار، فاستكثرها وقال: وأين حاصلي؟ قال: معزول، قال: قد سوَّغناك حاصلنا؛ فأهد إلينا عشرة آلاف تفاحة، ففعل، فكان أربح مَن تاجره الرشيد (١).
وذكر عن إسماعيل بن صَبيح، قال: دخلتُ على الرشيد، فإذا جارية على رأسه، وفي يدها صحيفة ومِلْعقة في يدها الأخرى، وهي تلعقه أولًا فأولًا، قال: فنظرت إلى شيء أبيض رقيق فلم أدر ما هو! قال: وعلم أنِّي أحبُّ أن أعرفَه، فقال: يا إسماعيل بن صَبيح، قلت: لبيك يا سيدي، قال: تدري ما هذا؟ قلت: لا، قال: هذا جشيش الأرز والحنطة وماء نُخالة السميد؛ وهو نافع للأطراف المعوجَّة وتشنيج الأعصاب ويصفِّي البشرة، ويذهب بالكلَف، ويسمِّن البدن، ويجلُو الأوساخ. قال: فلم تكن لي همَّة حين انصرفت إلا أن دعوت الطباخ؛ فقلت: بكِّرْ عليَّ كلَّ غداة بالجشيش، قال: وما هو؟ فوصفت له الصِّفة التي سمعتها. قال: تضجر من هذا في اليوم الثالث، فعمِله في اليوم الأول فاستطبتُه، وعمله في اليوم الثاني فصار دونه، وجاء به في اليوم الثالث، فقلت: لا تُقدِّمه.
وذُكر أنَّ الرشيد اعتلَّ علة، فعالجه الأطباء، فلم يجد من عِلَّته إفاقة، فقال له أبو عمر الأعجميُّ: بالهند طبيب يقال له مَنكه، رأيتهم يقدِّمونه على كلِّ من بالهند؛ وهو أحد عُبَّادهم وفلاسفتهم، فلو بعث إليه أمير المؤمنين لعلَّ الله أن يبعث له الشفاء على يده! قال: فوجَّه الرَّشيد من حمله، ووجَّه إليه بصلة تعينه على سفره. قال: فقدم فعالج الرشيد فبرئ من علته بعلاجه، فأجرى له رزقًا واسعًا وأموالًا كافية، فبينا مَنْكَه مارًا بالخُلْد؛ إذا هو برجل من المانيِّين قد بسط كساءه، وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء عنده معجونًا، فقال في صفته: هذا دواء للحمَّى الدائمة وحمَّى الغِبِّ وحمَّى الربع، والمثلثة؛ ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح، ولوجع المفاصل ووجع العينين، ولوجع
_________________
(١) خبر لا يصح كسابقاته.
[ ١١ / ٢٦٤ ]
البَطْن والصُّداع والشقيقة ولتقطير البول والفالج والارتعاش؛ فلم يدَعْ عِلة في البَدَن إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاء منها، فقال مَنْكهَ لترجمانه: ما يقول هذا؟ فترجم له ما سمع، فتبسَّم مَنْكَه، وقال: على كلِّ حال ملك العرب جاهل؛ وذاك أنه إنْ كان الأمر على ما قال هذا، فلمَ حملني من بلادي، وقطعني عن أهلي، وتكلَّف الغليظَ من مؤنتي، وهو يجد هذا نصب عينيه وبإزائه! وإن كان الأمر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله! فإن الشريعة قد أباحت دمه ودم مَنْ أشبهه؛ لأنه إن قُتل، فإنما هي نفس يحيا بقتلها خلْق كثير؛ وإن ترك هذا الجاهل قَتلَ في كلِّ يوم نفسًا، وبالحَري أن يقتل اثنتين وثلاثًا وأربعًا في كلِّ يوم؛ وهذا فساد في التدبير، ووهن في المملكة.
وذُكر أنَّ يحيى بن خالد بن برمك ولَّى رجلًا بعض أعمال الخراج بالسَّوَاد، فدخل إلى الرشيد يودِّعه؛ وعنده يحيى وجعفر بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى وجعفر: أوصياه، فقال له يحيى: وَفِّرْ واعمرْ، وقال له جعفر: أنصِفْ وانتصف، فقال له الرشيد: اعدْل وأحسنْ.
وذكر عن الرشيد أنه غضب على يزيد بن مزيد الشيبانيِّ، ثم رضي عنه، وأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ الحمد لله الذي سهَّل لنا سبيل الكرامة، وحلَّ لنا النِّعمة بوجه لقائك، وكشف عنا صُبابة الكرب بإفضالك، فجزاك الله في حالِ سخطك رضا المنيبين، وفي حال رضاك جزاء المنعمين الممتنِّين المتطوِّلين؛ فقد جعلك الله وله الحمد، تتثبَّتُ تحرُّجًا عند الغضب، وتتطوَّل ممتنًا بالنعم، وتعفو عن المسيء تفضُّلًا بالعفو.
وذكر مصعب بن عبد الله الزبيري أن أباه عبد الله بن مصعب أخبره أنَّ الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، طعن عليه ناس؛ وكان معه ناس؛ فأما الذين طعنوا عليه فتفرَّقوا عنه؛ فهم أنواع الشِّيَع، وأهل البِدعَ، وأنواع الخوارج؛ وأما الذين كانوا معه فهم أهلُ الجماعة إلى اليوم. فقال لي: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا.
قال مصعب: وقال أبي - وسألني عن منزلة أبي بكر وعمر كانت من رسول الله - ﷺ -؛ فقلت له: كانت منزلتهما في حياته منه منزلتَهما في ممَاته، فقال: كفيتني ما أحتاج إليه.
[ ١١ / ٢٦٥ ]
قال: وُوُلِّيَ سلَام، أو رشيد الخادم - بعض خدَّام الخاصة - ضياعَ الرَّشيد بالثغور والشأمات، فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوفيره وحمد الناس له، فأمر الرَّشيد بتقديمه والإحسان إليه، وضمِّ ما أحب أن يضمَّ إليه من ضياع الجزيرة ومصر. قال: فقدم فدخل عليه وهو يأكل سَفَرْجلًا قد أتى به من بلْخ؛ وهو يقشِّرهُ ويأكل منه، فقال له: يا فلان، ما أحسن ما انتهى إلى مولاك عنك، ولك عنده ما تحبُّ، وقد أمرت لك بكذا وكذا، ووليتك كذا وكذا، فسل حاجَتك، قال: فتكلَّم وذكر حسنَ سيرته، وقال: أنسَيْتُهم والله يا أمير المؤمنين سيرةَ العُمرين، قال: فغضبط واستشاط، وأخذ سفرجلة فرماه بها، وقال: يابن اللخناء، العمريْن، العمريْن، العمرين! هبنا احتملناها لعمر بن عبد العزيز، نحتملها لعمر بن الخطاب!
وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حدَّثه، عن الضَّحاك بن عبد الله، وأثنى عليه خيرًا؛ قال: أخبرني بعضُ ولد عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال الرَّشيد: والله ما أدري ما آمُر في هذا العُمَريُّ! أكره أن أقدم عليه وله خلَف أكرههم؛ وإني لأحبُّ أن أعرف طريقَه ومذهبه، وما أثق بأحد أبعثه إليه، فقال عمر بن بزيع والفضل بن الربيع: فنحن يا أمير المؤمنين، قال: فأنتما، فخرجا من العَرْج إلى موضع من البادية يقال له خلْص، وأخذا معهما أدلاء من أهل العرْج؛ حتى إذا ورد عليه في منزله أتَيَاه مع الضحى؛ فإذا هو في المسجد، فأناخا راحلتيهما ومَنْ كان معهما من أصحابهما، ثم أتياه على زيِّ الملوك من الريح والثياب والطِّيب؛ فجلسا إليه وهو في مسجد له، فقالا له؛ يا أبا عبد الرحمن، نحن رسل مَنْ خلْفنا من أهل المشرق، يقولون لك: اتقِّ الله ربك؛ فإذا شئت فقم. فأقبل عليهما، وقال: ويحكما! فيمن ولمن! قالا: أنت، فقال: والله ما أحبُّ أني لقيت الله بمحجمة دم امرئ مسلم، وأنَّ لي ما طلعت عليه الشمس؛ فلما أيسا هـ قالا: فإن معنا شيئًا تستعين به على دهرك، قال: لا حاجة لي فيه، أنا عنه في غنىً، فقالا له: إنها عشرون ألف دينار، قال: لا حاجة لي فيها، قالا: فأعطها مَنْ شئت، قال: أنتما، فأعطياها مَنْ رأيتما، ما أنا لكما بخادم ولا عَوْن. قال: فلما يئسا منه ركبا
[ ١١ / ٢٦٦ ]
راحلتيهما حتى أصبحا مع الخليفة بالسُّقيا في المنزل الثاني، فوجدا الخليفة ينتظرهما؛ فلما دخلا عليه حدثاه بما كان بينهما وبينه، فقال: ما أبالي ما أصنع بعد هذا فحجَّ عبدُ الله في تلك السنة، فبينا هو واقف على بعض أولئك البَاعة يشتري لصبيانه؛ إذا هارون يسعَى بين الصَّفا والمروة على دابَّة، إذ عرض له عبد الله وترك ما يريد، فأتاه حتى أخذ بلجام دابته، فأهوتْ إليه الأجناد والأحراس، فكفَّهم عنه هارون فكلمه. قال: فرأيتُ دموعَ هارون؛ وإنها لتسيل على مَعْرَفة دابته، ثم انصرف.
وذكر محمد بن أحمد مولَى بني سليم قال: حدثني الليث بن عبد العزيز الجوزجانيَّ - وكان مجاورًا بمكة أربعين سنة - أن بعض الحَجبَة حدَّثه أنَّ الرشيد لما حجَّ دخل الكعبة، وقام على أصابعه، وقال: يا مَنْ يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين، فإنَّ لكل مسألة منك ردًّا حاضرًا، وجوابًا عتيدًا، ولكلِّ صامت منك علمٌ محيط ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة. صلِّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا. يا مَنْ لا تضرُّه الذنوب، ولا تخفَى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا. يا من كبس الأرض على الماء، وسدَّ الهواء بالسَّماء، واختار لنفسه الأسماء، صلِّ على محمد، وخِرْ لي في جميع أمري. يا من خشعت له الأصوات بألوان اللغات يسألونك الحاجات؛ إنَّ من حاجتي إليك أن تغفر لي إذا توفَّيتني، وصرتُ في لحدي، وتفرَّق عني أهلي وولدي. اللهمَّ لك الحمد حمدًا يفضلُ على كلِّ حمد كفضلك على جميع الخلق. اللهم صلِّ على محمد صلاة تكون له رضًا، وصلِّ على محمد صلاةً تكون له حرزًا، واجْزه عنَّا خيرَ الجزاء في الآخرة والأولى. اللهمَّ أحينا سُعداء وتوفَّنا شُهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين!
وذكر عليُّ بن محمد عن عبد الله، قال: أخبرني القاسم بن يحيى، قال: بعث الرشيد إلى ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن عليٍّ في الحَيْر، قال: فأُتىَ بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد، وقال: ما لك؟ قال: بعث إليَّ هذا الرجل - يعني الرشيد - فأحضرني، ولست آمنه على نفسي، قال له: فإذا دخلتَ عليه فسألك، فقل له: الحسن بن راشد وضعَني في ذلك الموضع. فلمَّا دخل
[ ١١ / ٢٦٧ ]
عليه قال هذا القول، قال: ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن! أحضروه، قال: فلما حَضَر قال: ما حمَلك على أن صيَّرت هذا الرجل في الحَيْر؟ قال: رحم الله مَنْ صيَّره في الحَيْر، أمرتني أم موسى أن أصيِّره فيه، وأن أجري عليه في كل شهر ثلاثين ردهمًا. فقال: ردُّوه إلى الحَيْر، وأجروا عليه ما أجْرَتْه أم موسى، وأم موسى هي أمُّ المهدي ابنة يزيد بن منصور.
وذكر علي بن محمد أن أباه حدَّثه قال: دخلت على الرشيد في عوْن العِبادي فإذا هو في هيئة الصيف، في بيت مكشوف؛ وليس فيه فرش على مقعد عند باب في الشق الأيمن من البيت، وعليه غُلالة رقيقة، هازار رشيديٌّ عريض الأعلام، شديد التَّضْريج؛ وكان لا يخيِّش البيت الذي هو فيه، لأنه كان يؤذيه؛ ولكنه كان يدخل عليه برد الخَيش؛ ولا يجلس فيه. وكان أوَّل من اتخذ في بيت مقيله في الصيف سقفًا دون سقف، وذلك أنه لمَّا بلغه أن الأكاسرة كانوا يطيِّنون ظهورَ بيوتهم في كلِّ يوم من خارج ليكفَّ عنهم حرَّ الشمس؛ فاتخذ هو سقفًا يلي سقف البيت الذي يقيل فيه.
وقال عليٌّ عن أبيه: خُبرت أنه كان في كل يوم القيظ تغار من فِضَّة يعمل فيها العطار الطَّيب والزعفران والأفاويه وماء الورد، ثم يدخل إلى بيت مقيله، ويدخل معه سبع غَلائل قصب رشيدية تقطيع النساء، ثم تغمس الغلال في ذلك الطِّيب، ويؤتَى في كل يوم بسبع جوار، فتخلع عن كل جارية ثيابها ثم تخلع عليها غُلالة، وتجلس على كرسيٍّ مثقب، وترسل الغُلالة على الكرسي فتجلله، ثم تبخَّر من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر أمدًا حتى يجف القميص عليها، يفعل ذلك بهنَّ، ويكون ذلك في بيت مقيله، فيعبق ذلك البيت بالبخور والطيب.
وذكر عليٌّ بن حمزة أن عبد الله بن عباس بن الحسن بن عبيد الله بن عليِّ بن أبي طالب قال: قال لي العباس بن الحسن: قال لي الرَّشيد: أراك تكثر من ذكر يَنْبُع وصفتها، فصفها لي وأوجز، قال: قلت: بكلام أو بشعر؟ قال: بكلام وشعر، قال: قلت: جِدَتُها في أصل عِذْقها، وعِذْقها مسرَّح شأنها، قال: فتبسَّم، فقلت له:
يا واديَ القصرِ نِعم القصرُ والوادي مِن مَنزِلٍ حاضرٍ إِن شئت أَو بادِي
[ ١١ / ٢٦٨ ]
ترى قراقيره والعِيسَ وَاقفةً وَالضبَّ وَالنونَ والملّاح والحادِي
وذكر محمد بن هارون، عن أبيه، قال: حضرت الرشيد، وقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، قد أحضرتُ ابنَ السَّماك كما أمرتني، قال: أدخله، فدخل، فقال له: عظني، قال: يا أميرَ المؤمنين، اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدًا بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما؛ جنة أو نار. قال: فبكى هارون حتى اخضلت لحيته، فأقبل الفضلُ على ابن السَّماك، فقال: سبحان الله! وهل يتخالَج أحدًا شكٌّ في أنَّ أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله! لقيامه بحق الله وعدله في عباده، وفضله! قال: فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله، ولم يلتفت إليه، وأقبل على أمير المؤمنين، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتَّق الله وانظر لنفسك. قال: فبكى هارون حتى أشفقنا عليه. وأفحِم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرْف حتى خرجنا (١).
قال: ودخل ابن السَّماك على الرَّشيد يومًا؛ فبينا هو عنده إذ استسقى ماء، فأُتيَ بقلَّة من ماء؛ فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها، قال له ابن السماك: على رِسْلك يا أميرَ المؤمنين؛ بقرابتك من رسول الله - ﷺ -، لو مُنعتَ هذه الشَّرْبة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شربها، قال له أسألك بقرابتك من رسول الله - ﷺ -، لو مُنِعتَ خروجها من بدنك فبماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي؛ قال ابن السَّماك إن ملكًا قيمته شربة ماء، لجدير ألا ينافس فيه. فبكى هارون؛ فأشار الفضلُ بن الربيع إلى ابن السَّماك بالانصراف فانصرف.
قال: ووعظ الرشيد عبدُ الله بن عبد العزيز العمريُّ، فتلقَّى قوله بنعم يا عم، فلما ولَّى لينصرف؛ بعث إليه بألفي دينار في كيس مع الأمين والمأمون فاعترضاه بها، وقالا: يا عمّ؛ يقول لك أمير المؤمنين: خذها وانتفع بها أو فرِّقها، فقال: هو أعلم بمَنْ يفرقها عليه، ثم أخذ من الكيس دينارًا، وقال: كرهت أن أجمع
_________________
(١) مختصر تأريخ دمشق/ ابن منظور [٢٧/ ٢٠].
[ ١١ / ٢٦٩ ]
سوء القول وسوء الفعل وشخص إليه إلى بغداد بعد ذلك، فكره الرشيد مصيرَه إلى بغداد، وجمع العُمَرِيين، فقال: ما لي ولابن عمِّكم! احتملتُه بالحجاز، فشخص إلى دار مملكتي؛ يريد أن يفسد عليَّ أوليائي! ردُّوه عني، فقالوا: لا يقبل منا؛ فكتب إلى موسى بن عيسى أن يرفُق به حتى يردَّه، فدعا له عيسى ببُنيِّ عشر سنين، قد حفظ الخطب والمواعظ، فكلَّمه كثيرًا، ووعظه بما لم يسمع العمريُّ بمثله، ونهاه عن التعرُّض لأمير المؤمنين، فأخذ نعله، وقام وهو يقول: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
وذكر بعضهم أنه كان مع الرشيد بالرَّقة بعد أن شخص من بغداد، فخرج يومًا مع الرشيد إلى الصَّيْد، فعرض له رجل من النساك، فقال: يا هارون، اتق الله، فقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف، فلما رجع دعا بغذائه، ثم أمر أن يطعم الرجل من خاصِّ طعامه، فلما أكل وشرب دعا به، فقال: يا هذا، أَنْصفني في المخاطبة والمسألة، قال: ذاك أقلَّ ما يجب لك، قال: فأخبِرْني: أنا شرٌّ وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، قال: صدقت، فأخبِرني فمن؟ خير أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيَّه، اصطنعه لنفسه، وأتمنه على وحيه، وكلَّمه من بين خلقه، قال: صدقت؛ أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يَكْنِيَاه؛ وهذا وهو في عُتوِّه وجبَريّته؛ على ما قد علمتَ، وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم، أؤدي أكثر فرائض الله عليَّ، ولا أعبد أحدًا سواه، أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه؛ فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأشنعها وأخشن الكلام، وأفظعه؛ فلا بأدب الله تأدَّبْتَ، ولا بأخلاق الصالحين أخذْت، فما كان يؤمنك أن أسطوَ بك! فإذًا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيًّا. قال الزاهد: أخطأتُ يا أمير المؤمنين؛ وأنا أستغفرك؛ قال: قد غفر لك الله؛ وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها، وقال: لا حاجة لي في المال؛ أنا رجل سائح. فقال هرثمة - وخزَره -: تردُّ على أمير المؤمنين يا جاهل صِلتَه! فقال الرَّشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك هذا المال لحاجَتِك إليه؛ ولكن مِنْ عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحدٌ ليس من أوليائه
[ ١١ / ٢٧٠ ]
ولا أعدائه إلا وصله ومنحه؛ فاقبل من صِلتنا ما شئت؛ وضعها حيث أحببت. فأخذ من المال ألفَيْ درهم، وفرَّقها على الحجَّاب ومَنْ حضر الباب.
* * *