وحجّ بالناس فيها هارون الرشيد؛ وكان شخوصه من الرّقة للحجّ في شهر رمضان من هذه السنة، فمرّ بالأنبار، ولم يدخل مدينة السلام؛ ولكنه نزل منزلًا
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١١).
(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١١).
(٣) انظر: تاريخ بغداد [١٢/ ١٢٤].
(٤) أصل الخبر في صحيح تاريخ الطبري أما هذه التفاصيل فلم يؤيدها خليفة ولا البسوي.
[ ١١ / ٢٠٦ ]
على شاطئ الفرات يدعى الدّارَات، بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ، وخلّف بالرّقة إبراهيم بن عثمان بن نَهيك، وأخرج معه ابنيه: محمدًا الأمين وعبد الله المأمون؛ وليّيْ عهده؛ فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية؛ كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانيًا، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثًا، ثم صار إلى مكة فأعطى أهلَها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.
وكان الرّشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد - فيما ذكر محمد بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الحجَبِيّ - يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسماه الأمين بالرّقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولّاه من حدّ همَذان إلى آخر المشرق، فقال في ذلك سَلم بن عمرو الخاسر:
بايَعَ هارونُ الهُدَى لِذِي الحِجى والخُلُقِ الفاضِلِ
المخلِف المُتلفِ أَموالَهُ والضامِن الأَثقالَ للحاملِ
والعالِم النافِذ في علمِهِ والحاكِم الفاضل والعادل
والرَّاتِق الفاتِقِ حلفَ الهدى والقائِل الصادِقِ والفاعِلِ
لِخَير عباس إِذا حُصِّلوا والمفْضل المجدي على العائلِ
أَبَرُّهمْ برًّا وأَولاهُمُ بالعُرفِ عند الحدثِ النازل
لِمُشبهِ المنصورِ في ملكه إِذا تدَجَّتْ ظُلمَةُ الباطل
فتمَّ بالمأمونِ نورُ الهدى وانكشَفَ الجَهلُ عن الجاهِل
وذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد، كان في حِجْر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيدُ لمحمد والمأمون، كتب إليه عبد الملك بن صالح:
يا أيها الملِكُ الّذي لو كان نجمًا كانَ سَعْدا
اعْقِدْ لقاسِمَ بيَعةً واقدَحْ له في المُلكِ زَنْدا
اللهُ فرْدٌ واحدٌ فاجعل ولاةَ العهدِ فرْدَا (١)
فكان ذلك أول ما حضّ الرشيد على البيعة للقاسم. ثم بايع للقاسم ابنه،
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١٢).
[ ١١ / ٢٠٧ ]
وسماه المؤتمن، وولّاه الجزيرة والثغور والعواصم، فقال في ذلك:
حُبّ الخليفةِ حُبٌّ لا يَدينُ بِهِ مَنْ كان لله عاصٍ يَعْمَلُ الفِتَنا
اللهُ قَلَّدَ هارونًا سِياسَتَنا لَمَّا اصطفاهُ فأَحْيَا الدِّينَ والسنَنَا
وَقلَّدَ الأَرضَ هارونٌ لرأفَتِهِ بنَا أَمينًا ومأمُونًا ومؤتمَنا
قال: ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة، قال بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسَهُم بينهم، وعاقبةُ ما صنع في ذلك مخوفةٌ على الرّعية، وقالت الشعراء في ذلك، فقال بعضهم:
أَقولُ لغمَّةٍ في النفسِ مني وَدَمْعُ العَينِ يَطَّردُ اطِّرادَا
خُذِي لِلْهوْلِ عُدّتَهُ بحزْمٍ سنَلْقَى ما سَيَمْنَعُكِ الرُّقَادا
فإِنَّكِ إِنْ بَقيتِ رأَيتِ أَمرًا يُطِيلُ لكِ الكآبةَ والسهادا
رَأى الملكُ المَهذَّبُ شَرَّ رأيٍ بقِسْمَتِهِ الخلافة والبِلادا
رأَى ما لوْ تعَقَّبَهُ بعِلمٍ لبَيَّضِ من مَفارقِهِ السَّوادا
أَرادَ به ليَقطَعَ عن بَنيه خلافهُمُ ويَبتذِلوا الودادا
فقد غَرَسَ العداوةَ غيرَ آلٍ وأَورثَ شَمل أُلفَتِهمْ بَدادا
وَأَلقَحَ بَيْنَهُمْ حرْبًا عَوانًا وَسلَّس لاجتنابِهمُ القيادا
فوَيلٌ لِلرَّعيّةِ عن قليل لقد أَهدى لها الكُرَبَ الشّدادا
وأَلبَسَهَا بلاءً غير فانٍ وأَلزمها التَّضَعْضُعَ والفسادا
سَتجْري من دِمائُهم بحُورٌ زواخِرُ لا يَروْنَ لها نفادَا
فوِزْرُ بلائِهمْ أَبدًا عليه أَغيّا كانَ ذلك أَمْ رشادا
وكانت الشهادة بالبَيْعة والكتاب في البيت الحرام، وتقدّم إلى الحَجبَة في حفظهما، ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما، فذكر عبدُ الله بن محمد ومحمد بن يزيد التميميّ وإبراهيم الحجبيّ، أنّ الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقُوّاد والفقهاء، وأدخلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة مَنْ حضر، ثم رأى أن يعلِّق الكتاب في الكعبة، فلما رُفع ليُعلّق وقع، فقيل إنّ هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه. وكانت نسخة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه
[ ١١ / ٢٠٨ ]
محمد بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله، وجواز من أمره، طائعًا غير مكرَه. إن أمير المؤمنين ولَاني العهدَ من بعده، وصيّر البيعة لي في رقاب المسلمين جميعًا، وولّى عبدَ الله بن هارون العهدَ والخلافةَ وجميع أمور المسلمين بعدي، برضًا مني وتسليم، طائعًا غير مكرَه، وولّاه خُراسان وثغورَها وكُورَها وحربَها وجندَها وخراجَها وطرزها وبَريدها، وبيُوت أموالها، وصدقاتها وعُشْرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعده. وشرطتُ لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضًا مني وطيب نفسي، أنْ لأخي عبد الله بن هارون عليّ الوفاء بما عَقَد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعًا بعدي، وتسليمَ ذلك له؛ وما جعل له من ولاية خُراسان وأعمالها كلّها، ومَا أقطعه أمير المؤمنين من قَطعية، أو جعل له من عُقدة أو ضيْعة من ضياعه، أو ابتاع من الضيّاع والعُقَد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلْي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دوابّ، أو قليل أو كثير؛ فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، موفَّرًا مسلّمًا إليه. وقد عرفت ذلك كله شيئًا شيئًا.
فإن حدث بأمير المؤمنين حدَثُ الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلَى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خُراسان وثغورها ومَنْ ضمّ إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرَمَاسين؛ وأن يمضِي عبد الله ابن أمير المؤمنين إلى خُراسان والرّيّ والكُور التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من مُعسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع مَنْ ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحبّ، من لدُن الريّ إلى أقصى عمل خُراسان. فليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحوّل عنه قائدًا ولا مقودًا ولا رجلًا واحدًا ممن ضُمَّ إليه من أصحابه الذين ضمّهم إلى أمير المؤمنين، ولا يحوّل عبدَ الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التي ولّاها إياها هارون أمير المؤمنين من ثُغور خُراسان وأعمالها كلّها، ما بين عمل الرّيّ مما يلي هَمذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها؛ وما هو منسوب إليها، ولا يشخِصه إليه، ولا يفرق أحدًا من أصحابه وقوّاده عنه، ولا يولي عليه أحدًا، ولا يبعث عليه ولا على أحد من عُمّاله وولاة أموره بُندارًا، ولا محاسبًا ولا عاملًا، ولا يدخل عليه في صغيرٍ من أمره ولا كبير ضررًا،
[ ١١ / ٢٠٩ ]
ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يَعرض لأحد ممن ضمّ إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقُضاته وعمّاله وكتابه وقُوّاده وخدَمه ومواليه وجنده؛ بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم، ولا أحد بسبيل منهم، ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابّهم شيئًا من ذلك صغيرًا ولا كبيرًا، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيصٍ له في ذلك وإدهانٍ منه فيه لأحد من ولد آدم، ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممّن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته.
وإن نزع إليه أحد ممن ضمّ أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصَحابته وقوّاده وعماله وكتّابه وخدمه ومواليه وجنده، ورفض اسمه ومكْتبَه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين عاصيًا له أو مخالفًا عليه؛ فعلى محمد بن أمير المؤمنين ردّه إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين بصغَرٍ له وقَماء حتى ينفذ فيه رأيَه وأمرَه.
فإن أراد محمد بن أمير المؤمنين خلعَ عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده، أو عزلَ عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية خُراسان وثُغورها وأعمالها، والذي من حدّ عملها مما يلي هَمَذان والكور التي سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا أو صرْف أحد من قواده الذين ضمَّهم أمير المؤمنين إليه ممن قدِم قَرْماسين، أو أن ينتقصه قليلًا أو كثيرًا مما جعله أمير المؤمنين له بوجهٍ من الوجوه، أو بحيلة من الحيل؛ صغرت أو كبرت؛ فلعبد الله بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدّم على محمد ابن أمير المؤمنين، وهو وليّ الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خُراسان وأهل العطاء وجميع المسلمين في جميع الأجناد والأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيامُ معه، والمجاهدةُ لمَنْ خالفه، والنصر له والذبّ عنه؛ ما كانت الحياة في أبدانهم. وليس لأحدٍ منهم جميعًا من كانوا، أو حيث كانوا، أن يخالفَه ولا يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين
[ ١١ / ٢١٠ ]
وصرْف العهد عنه من بعده إلى غيره، أو ينتقصه شيئًا مما جعله له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته، واشترط في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام في هذا الكتاب. وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدّق في قوله، وأنتم في حلٍّ من البيعة التي في أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون إن نقض شيئًا مما جعله له أمير المؤمنين هارون، وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقادَ لعبد الله ابن أمير المؤمنين هارون ويسلِّم له الخلافة.
وليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون ولا لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن يخلعَا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون، ولا يقدّما عليه أحدًا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البريّة؛ فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى مَنْ رأى من ولده وإخوته، وتقديم مَنْ أراد أن يقدم قبله، وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد مَن يقدم قبله، يحكم في ذلك بما أحبّ ورأى.
فعليكم معشرَ المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين في كتابه هذا، وشرط عليهم وأمر به، وعليكم السّمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمّته وذمّة رسوله - ﷺ - وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله على الملائكة المقرّبين والنبيين والمرسلين، ووكّدَها في أعناق المؤمنين والمسلمين، لَتَفُنَّ لعبد الله أمير المؤمنين بما سمّى، ولمحمد وعبد الله والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمّى وكتب في كتابه هذا، واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم؛ فإن أنتم بدّلتم من ذلك شيئًا، أو غيّرتم، أو نكثتم، أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين، واشترط عليكم في كتابه هذا، فبرئت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله محمد - ﷺ - وذمم المؤمنين والمسلمين، وكلُّ مالٍ هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة خمسين حجَّة، نذرًا واجبًا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك؛ وكلّ مملوك لأحد منكم - أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة - حرّ، وكلّ امرأة له
[ ١١ / ٢١١ ]
فهي طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرَج، لا مثنويّة فيها. والله عليكم بذلك كفيل وراعٍ، وكفى بالله حسيبًا.
* * *