فمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي.
ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر في مصيره والدخول في طاعة طاهر:
ذكر أن السبب في ذلك كان أن طاهرًا كتب إلى خزيمة يذكر له أن الأمر إن يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر في نصرته، لم يقصر في أمره. فلما وصل كتابه إليه شاور ثقات أصحابه وأهل بيته، فقالوا له: نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتل لنفسك ولنا؛ فكتب إلى طاهر بطاعته، وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول، وأعلمه قلة ثقته بهرثمة، ويناشده ألا يحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه، وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور، ويتبعَ هو أمرًا يؤثر رأيه ورضاه؛ وأنه إن لم يضمن له ذلك؛ فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف. فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وأقطعتها دون أمير المؤمنين ودوني، وفي مثل حاجتي إلى الكلف والنفقات؛ وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم، يسير أمرهم، وقوف المحجم الهائب؛ إن في ذلك جرمًا؛ فاستعد للدخول؛ فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور؛ وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله.
قال: وكتب إليه هرثمة: أنا عارف ببركة رأيك، ويمن مشورتك، فمر بما
_________________
(١) جميع الأخباريين والمؤرخين المتقدمين والمتأخرين على أن طاهرًا استولى على بغداد سنة (١٩٨ هـ) وبعد حصار شديد وقتال متقطع وانظر تعليقنا على الأخبار الآتية.
[ ١٢ / ١١٦ ]
أحببت؛ فلن أخالفك؛ قال: فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة.
وقد ذكر أن طاهرًا لما كاتب خزيمة كتب أيضًا إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك. قيل: فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه، وخلعا محمدًا، ودعوا لعبد الله المأمون؛ وسكن أهل عسكر المهدي ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك؛ ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد، فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروهًا، فقبل ذلك منهم، فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر:
عَلَيْنَا جَمِيعًا من خُزَيمةَ مِنَّةٌ بها أَخمدَ الرحمنُ ثائرةَ الحرْبِ
تولَّى أُمورَ المسلمين بنفسهِ فذَبَّ وحامى عنهمُ أَشرفَ الذَّبِّ
ولولا أَبو العباس ما انفكَّ دَهرُنا يبيتُ على عتبٍ ويَغدُو على عَتْبِ
خزيمةُ لم ينكَرْ له مثلُ هَذِه إذا اضطَرَبَتْ شرْقُ البلاد مع الغرْب
أَناخَ بجِسْرَىْ دجلة القَطعَ والقنا شوارعُ والأَرواحُ في راحةِ الغضبِ
وَأمَّ المَنَايَا بالْمَنَايا مُخيلةً تَفجَّعُ عن خَطْبٍ وتضحكُ عن خطْبِ
فكانت كنارٍ مَا كَرَتهَا سَحَابَةٌ فأَطفأَت اللَّهْبَ المُلفَّف بَاللهْبِ
وما قتلُ نفسٍ فِي نفوسٍ كثيرةٍ إذا صارَت الدُّنيا إِلى الأَمن والخصب
بلاءُ أَبي العباسِ غيرُ مكفَّر إِذا فَزعَ الْكَرْبُ المقيمُ إلى الكربِ (١)
فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهرًا غدا يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة واشتد عندهما القتال، واشتد طاهر على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتل طاهر بباب الكرخ وقصر الوضَّاح، فهزمهم أصحاب محمد ورُدُّوا على وجوههم، ومر طاهر لا يلوي على أحد حتى دخل قسرًا بالسيف. وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضَّاح وسوق الكرخ والأطراف قوادًا وجندًا في كل موضع
_________________
(١) انظر المنتظم (١٠/ ٤٥).
[ ١٢ / ١١٧ ]
على قدر حاجته منهم؛ وقصد إلى مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشأم وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامّة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق، لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وفي ذلك يقول عمرو الوراق (١):
يا طاهر الظَّهر الذي مثالهُ لم يُوجَدِ
يا سيّدَ بن السيدِ بـ ـن السَّيّد بنِ السيدِ
رجَعَتْ إِلى أَعمالها الأُ ولى غُزاةُ محمّد
منْ بينِ نَطَّافٍ وسوّ اطٍ وبَيْنَ مُقرِّدِ
وَمُجَرِّدٍ يأْوِى إِلى عَيَّارةٍ ومُجَرَّدِ
ومُقَيَّدٍ نَقَبَ السّجو ن فعادَ غيرَ مقيَّدِ
ومسوَّدِ بالنَّهب سا دَ وكان غيرَ مسوَّدِ
ذَلُّوا لعزِّك واستكا نوا بعدَ طُول تمرّدِ
وذكر عن علي بن يزيد. أنه قال: كنت يومًا عند عمرو الوراق أنا وجماعة، فجاء رجل، فحدثنا بوقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه، فقال عمرو: ناولني قدحًا، وقال في ذلك:
خُذهَا فلِلخَمْرةِ أَسماءُ لها دواءٌ ولَهَا داءُ
يُصلِحها الماءُ إِذا صُفِّقتْ يومًا وَقَدْ يُفسِدُها الماءُ
وقائل كانت لهم وَقعَةٌ في يومِنا هذا وأَشياءُ
قلتُ له: أَنت امرؤ جاهلٌ فيكَ عن الخَيْرَاتِ إبطاءُ
اشْرَبْ ودَعْنَا مِن أَحاديثِهِمْ يَصْطَلِحُ النَّاس إِذا شاءوا
قال: ودخل علينا آخر، فقال: قاتل فلان الغزاة، وأقدم فلان، وانتهب فلان، قال: فقال أيضًا:
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٤) وانظر تعليقنا (٨/ ٤٩٩).
[ ١٢ / ١١٨ ]
أَيُّ دهْرٍ نحنُ فيهِ مَاتَ فِيهِ الكُبَراءُ
هذهِ السّفْلَةُ والغَوْ غاءُ فينا أُمناءُ
ما لنا شيءٌ من الأَشـ ـياء إلَّا ما يشاءُ
ضجَّت الأَرض وقد ضجَّت إلى الله السَّماءُ
رُفع الدِّينُ وقد ها نت على الله الدِّماءُ
يا أبا مُوسى لك الخيـ راتُ قَدْ حَانَ اللِّقَاءُ
هاكَها صرْفًا عُقارًا قد أتاك النُّدماء
وقال أيضًا عمرو الوراق في ذلك:
إذا ما شِئتَ أن تُغْضِـ ـبَ جنديًّا وتستامرْ
فقل: يا معشر الأَجنا دِ قد جاءَكُمُ طاهِرْ
* * *
قال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.
فذكر عن الحسين بن أبي سعيد أن طارقًا الخادم - وكان من خاصة محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمدًا سأله يومًا من الأيام وهو محصور، أو قال في آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئًا - قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئًا، فجئت إلى جمرة العطارة - وكانت جارية الجوهر - فقلت لها: إن أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء، فإني لم أجد في المطبخ شيئًا؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان: أي شيء عندك؟ فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانة الشراب، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة؛ فما شرب ماء حتى أتى عليه.
وذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم بن المهديّ أخبره أنه كان نازلًا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب، لما حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار - في قرن الصراة، أسفل من قصر الخلد - في جوف الليل، ثم أرسل إليَّ فصرت إليه، فقال: يا إبراهيم، أما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في
[ ١٢ / ١١٩ ]
السماء، وضوءه في الماء! ونحن حينئذ في شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب! فقلت: شأنك، جعلني الله فداك! فدعا برطل نبيذ فشربه، ثم أمر فسقيت مثله. قال: فابتدأت أغنية من غير أن يسألني؛ لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك؛ فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها؛ ونحن في تلك الحال التي هو عليها، فلما صارت بين يديه، قال: تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كُليبٌ لَعمري كان أكثرَ ناصرا وأَيسر ذَنبًا منك ضرّجَ بالدَّم
قال: فاشتد ما غنت به عليه، وتطيَّر منه، وقال لها: غني غير هذا، فتغنت:
أَبكى فِراقهُمُ عَيْني وأَرَّقها إنَّ التفرُّقَ للأَحباب بَكَّاءُ
ما زالَ يَعْدُو عليهمْ ريبُ دهرهمُ حتى تَفَانَوْا وريْبُ الدَّهرِ عَدَّاءُ
فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء شيئًا غير هذا! قالت: يا سيدي، ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه؛ وما أردت ما تكرهه؛ وما هو إلا شيء جاءني. ثم أخذت في غناء آخر:
أَما وَرَبِّ السُّكُون والحَرَكِ إنَّ المنايا كثيرةُ الشّرَكِ
ما اختلفَ الليلُ والنَّهَار ولا دارت نُجوم السّماء في الفَلكِ
إلا لنقل النَّعيم من مَلِك عانٍ بحُبِّ الدُّنيا إلى مَلِكِ
ومُلْكُ ذي العرشِ دائم أَبدًا ليس بفانٍ ولا بمشتَركِ
فقال لها: قومي غضب الله عليك! قال: فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسمية زبّ رُباح، وكان موضوعًا بين يديه فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم: والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك - فقال لي: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية؛ ثم ما كان من أمر القدح! والله ما أظن أمري إلا وقد قرب، فقلت: يطيل الله عمرك، ويعز ملكك ويديم لك، ويكبت عدوك. فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتًا من دجلة (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان) فقال: يا إبراهيم، أما سمعت ما سمعت! قلت: لا والله ما سمعت شيئًا - وقد كنت سمعت - قال: تسمع حسًا! قال: فدنوت من الشط فلم أر شيئًا، ثم عاودنا
[ ١٢ / ١٢٠ ]
الحديث، فعاد الصوت: (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان)، فوثب من مجلسه ذلك مغتمًا، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك يوم الأحد لست - أو لأربع - خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة (١).
وذكر عن أبي الحسن المدائني؛ قال: لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، دخل محمد بن هارون مدينة السلام هاربًا من القصر الذي كان يقال له الخلد، مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة؛ وذلك لأربع عشرة شهرًا، منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثني عشر يومًا.
* * *