وفيها حاصر طاهر وهَرْثمة وزهير بن المسيّب محمد بن هارون ببغداد (١).
ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة، وكيف كان الحصار فيها:
ذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبي نزل قصر رقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرّادات واحتفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمى بالعرّادات مَنْ أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار ويجبي السفن، وبلغ من الناس كل مبلغ؛ وبلغ أمرُه طاهرًا وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمده بالجند، وقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقي - لم يعرف اسمه - في زهير وقتله الناس بالمجانيق:
لا تَقْرَبِ المَنجنيقَ والحجَرا فقد رأيْتَ القتيلَ إذ قُبرَا
باكَرَ كيْ لا يفوتَه خبرٌ راحَ قتيلًا وخَلَّفَ الخبرَا
ماذا به كان من نشاطٍ ومنْ صحّةِ جسمٍ به إذا ابتكرَا
أرادَ ألَّا يقال كان له أمر فلم يَدْرِ مَن به أَمرَا
يا صاحبَ المِنجنيق ما فَعَلتْ كفَاكَ، لمْ تُبقيَا ولم تَذَرَا
كانَ هَوَاهُ سوَى الَّذي قُدِرَا هَيْهَاتَ لَنْ يَغلِبَ الهَوى القدَرَا
ونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل عبيد الله بن الوضّاح الشمّاسيّة، ونزل طاهر البُستان بباب
_________________
(١) وأيد خليفة ذلك (تاريخ خليفة/ ٣١٠) وأبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال/ ٣٩٩.
[ ١٢ / ٩٤ ]
الأنبار، فذُكر عن الحسين الخليع أنه قال: لما تولَّى طاهر البُستان بباب الأنبار، دخل محمدًا أمر عظيم من دخوله بغداد، وتفرّق ما كان في يده من الأموال، وضاق ذَرْعًا، وتحرّق صدرًا، فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذّهب والفضّة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفي نفقاته، وأمر حينئذ برمي الحرّبية بالنفط والنيران والمجانيق والعرّادات، يقتل بها المقبل والمدبر، ففي ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العِتْري الوراق:
يا رماةَ المنجنيق كُلُّكمْ غيرُ شَفيقِ
ما تبالونَ صَدِيقًا كانَ أَو غيرَ صدِيقِ
ويلَكم تَدْرونَ ما ترْ مونَ مُرَّارَ الطَّريقِ
رُبّ خَوْدٍ ذَاتِ دَل وهْيَ كالغصنِ الوريقِ
أخرِجَت مِنْ جَوْف دُنيَا هَا وَمِنْ عَيْشٍ أَنيقِ
لم تَجدْ مِن ذَاكَ بُدا أُبْرِزت يومَ الحريقِ (١)
وذكر عن محمد بن منصور الباوَرْديّ، قال: لما اشتدّت شوكة طاهر علي محمد، وهزمت عساكره، وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولاه ناحية البغيِّين والأسواق هنالك وشاطئ دَجْلة؛ وما اتّصل به أمامه إلى جسور دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كلِّ ما غلب عليه من الدّور والدّروب، وأمدّه بالنفقات والفَعلة والسلاح، وأمر الحربيّة بلزومه على النوائب، ووكّل بطريق دار الرقيق وباب الشام واحدًا بعد واحد؛ وأمر بمثل الذي أمر به سعيد بن مالك؛ وكثُر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد؛ ففي ذلك يقول العِتْري:
مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعَينِ أَلَمْ تكُوني زمانًا قُرَّةَ العينِ!
_________________
(١) لم يذكر هذه التفاصيل والتي ستأتي لغاية الصفحة (٤٧٢) سوى الطبري من المؤرخين المتقدمين الثقات المعروفين بحيادهم وعدم انحيازهم الى فرقة معينة أو طائفة أو مذهب من مذاهب المبتدعة. وإنما ذكر خليفة والدينوري أصل الخبر ولبعض هذه التفاصيل وما بعدها انظر المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ٣٦) وما بعدها وقد ذكرها ابن كثير مختصرًا [البداية والنهاية ٨/ ١٤٣ - ١٤٤] والمقطع الأخير رواه الحسين الخليع الشاعر كما ذكره الطبري [٨/ ٤٤٦] فكيف يعتمد على خبره؟ ! ! وهو ماجن خليع؟ !
[ ١٢ / ٩٥ ]
أَلم يَكُنْ فيكِ قومٌ كان مسكنهمْ وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْن!
صَاحَ الغرابُ بهمْ بالْبيْن فَافتَرقُوا مَاذا لقيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْن!
أَستودعُ الله قومًا مَا ذكرتهمُ إلّا تحدَّرَ ماءُ العينِ منْ عَيْنِي
كانوا فَفَرَّقهم دَهْر وصَدَّعَهم والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بينَ الفريقين
قال: ووكّل محمد عليًّا فراهرمد؛ فيمن ضم إليه من المقاتلة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قُصور دجلة وما والاها، فألحّ في إحْرَاق الدُّور والدُّرُوب وهدْمها بالمجانيق والعرّادات على يَدَيْ رجلٍ كان يعرف بالسَّمَرْقنديّ؛ فكان يرمي بالمَنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرْباض من طريق الأنْبَار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهلُ ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحِه وأعلامه، ومَنْ أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقوّداه وفرسانه ورجّالته؛ حتى أوحشت بغداد، وخاف الناس أن تبقى خرابًا؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع:
أَتُسْرعُ الرِّجْلَة إغْذَاذا عَنْ جَانِبيْ بغداذ أَمْ ماذَا!
ألمْ تَرَ الفتنةَ قد ألّفَتْ إلى أُولي الفتنةِ شُذاذا
وانتقضتْ بغدادُ عُمْرَانها عن رأي لا ذاك ولا هذا
هَدْمًا وَحَرْقًا قد أُبِيدَ أهلُها عقوبة لاذَت بمَنْ لاذا
ما أَحسنَ الحالات إن لم تَعُدْ بغداذ في القلَّة بَغْداذا
قال: وسمّى طاهر الأرباضَ التي خالفه أهلها ومدينةَ أبي جعفر الشرقية، وأسواقَ الكرخ والخلد وما والاها دارَ النكث، وقبض ضياع ممَنْ لم ينحز إليه من بني هاشم والقوّاد والموالى وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلُّوا وانكسروا وانقادوا، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرّعاع والطرّارين وأهل السوق. وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النَّهب، وخرج الْهِرْش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفترُ عن ذلك ولا يمَلُّه، ولا يني فيه فقال الخزيمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها:
قالوا: ولم يلعبِ الزمانُ ببغـ ـدادَ وتَعثرْ بها عواثرها
إذ هي مثلُ العروس باطنها مشوّقٌ للفتى وظاهِرُها
جنَّة خُلْدٍ ودارُ مَغبَطَةٍ قلَّ من النائبات وَاترُها
[ ١٢ / ٩٦ ]
دَرَّتْ خُلوفُ الدّنيا لساكنها وقلَّ مَعسورُها وعاسِرُها
وانفرَجَتْ بالنعيمِ وانتجعَتْ فيها بلذاتها حواضِرُها
فالقومُ منها في روضةٍ أُنُفٍ أَشرَقَ غِبَّ القِطارِ زاهرُها
مَن غرَّهُ العيشُ في بُلهْنِيةٍ لو أنَّ دُنيا يدُومُ عامرُها
دارُ ملوك رَسَت قواعدها فيها وقرَّت بها منابرُها
أهلُ العلا والندى وأندِيةُ الـ ـفخرِ إذا عُدّدَت مَفاخرُها
أَفراخُ نُعْمَى في إرْثِ مَمْلَكَةٍ شَدَّ عُراها لها أَكابِرُها
فلمْ يَزل والزَّمان ذُو غِيَرٍ تقدَحُ في مُلكِهَا أَصاغِرُها
حتى تَساقتْ كأسًا مُثَمِّلةً من فتنة لا يقال عاثِرُها
وافترقتْ بعدَ ألفَةٍ شِيَعًا مقطوعةً بينَها أَواصرُها
يا هل رأَيتَ الأَملاكَ ما صنعت إذ لم يَرُعْها بالنصح زاجِرُها
أَوْرَدَ أَملاكُنا نفوسَهُم هُوَّةَ غَي أَعْيَتْ مَصادِرُها
ما ضرها لو وَفَتْ بمَوْثِقِهَا واستحكمت في التُّقَى بصائرها
ولم تسافِك دماءَ شيعتها وتبتعِث فتيةً تكابرها
وأَقنعتها الدنيا التي جُمعَت لها وَرُعْبُ النفوسِ ضائرُها
ما زال حوض الأَملاك يحفره مسجُورها بالهوى وساجِرُها
تبغي فضول الدنيا مكاثَرَةً حتى أُبِيحَت كُرْهًا ذَخائِرُها
تَبيعُ ما جمَّع الأُبُوَّةُ لِلـ ـأبناءَ لا أَربحَت متاجِرُها
يا هل رأيت الجنَان زاهرةً يرُوقُ عينَ البصيرِ زَاهرُها
وهل رأيتَ القُصورَ شارعةً تُكِنُّ مثلَ الدُّمى مقاصرُها
وهل رأيت القُرى التي غَرسَ الـ ـأملاكُ مخضرَّةً دَساكِرُها
محفوفةً بالكرومِ والنخل والرَّ يحانِ ما يستغلُّ طائرُها
فإنها أصبحت خلايا من الـ ـإنسانِ قد أُدْمِيَتْ محاجرها
قَفرًا خَلاءً تعوِى الكلابُ بها ينكرُ منها الرسومَ زائرُها
وأَصبحَ البؤْسُ ما يفارُقها إلفًا لها والسُّرورُ هاجرُها
بِزَندوَرْدٍ واليَاسِرِيَّةِ والشَّطـ ـين حيث انتهت معابرها
ويا ترلحى والخيزُرَانية الـ ـعليا التي أَشرفت قناطرُها
وقَصرِ عَبدوَيْه عبرةٌ وهُدًى لكلِّ نفسٍ زَكَتَ سَرائِرُها
[ ١٢ / ٩٧ ]
فأَين حُرّاسُها وحارسُها وأَين مجبورُها وجابرها!
وأَين خِصيانها وحِشْوَتُهَا وأَين سكَّانُها وعامرُها
أَين الجَرادِيَّةُ الصقالبُ والـ ـأحبُشُ تعدوُ هُدْلًا مَشافرُها
ينصدعُ الجندُ عن مواكبها تعْدُو بها سُرَّبًا ضوامِرُها
بالسِّندِ والهند والصقالِبِ وَالـ ـتوبَةِ شِيبَتْ بها بَرابرُها
طيرًا أَبابيلَ أَرسلَت عَبَثًا يقدُمُ سُودانَها أَحامِرُها
أَين الظِّباءُ الأَبكارُ في روضة الـ ملكِ تَهادَى بها غَرائِرُها!
أَين غَضاراتُها وَلَذَّتها وأَين مَحبُورُها وحابِرُها!
بالمسك والعنبرِ اليمانِ والـ ـيلنجُوجِ مَشبُوبَة مَجامِرُها
يَرفُلْن في الخَزِّ والمجَاسِدِ وَالـ ـموْشيِّ محطومَةً مَزامِرُها
فأَين رقاصها وَزامِرُها يُجِبْنَ حيثُ انتهت حناجرُها
تكادُ أَسماعُهم تُسَكُّ إذا عَارضَ عِيدانَها مَزاهرُها
أَمسَت كَجَوف الحِمار خَاليَةً يَسعَرُها بالجحيم ساعرُها
كأنَّما أَصبحتْ بساحتهمْ عاد ومسَّتْهُمُ صراصرُها
لا تعلمُ النفسُ ما يُبايِتُها من حَادِث الدّهر أَو يُباكرُها
تُضحى وتُمسى دَريَّةً غَرَضًا حيث استقرّت بها شراشرها
لأَسْهُمِ الدّهرِ وهو يَرشُقَها مُحِنطُها مَرَّةً وَباقِرُها
يَا بُؤسَ بَغَدادَ دَار مَملَكَةٍ دارتْ على أَهلها دوائرُها
أَمهلها الله ثم عاقَبها لمّا أَحاطت بها كبائرُها
بالخسف والقَذف والحريق وبالـ ـحربِ التي أَصبحت تساورُها
كم قد رأينا من المعاصي ببغدا د فهل ذو الجلال غافرها!
حلَّت ببَغدادَ وهيَ آمنةٌ داهية لم تكن تحاذِرُها
طالَعَها السوءُ من مَطَالِعِهِ وأَدركت أَهلَها جرائرُها
رَقَّ بها الدينُ واستُخفَّ بذى الـ ـفضل وَعَزَّ النُّسَّاكَ فاجرُها
وخَطَّمَ العبدُ أنفَ سَيّدِهِ بالرّغْم وَاستُعبِدَت حرائرها
وصار رَبّ الجيران فَاسقَهُم وابتزَّ أَمرَ الدُّروب ذَاعُرها
من يَرَ بغدادَ والجنودُ بها قد ربَّقَتْ حَوْلَها عَساكُرها
كلُّ طَحونٍ شهباءَ بَاسِلَةٍ تسْقِطُ أَحْبالها زَماجِرُها
[ ١٢ / ٩٨ ]
تُلقى بغيِّ الرّدَى أَوانِسَها يُرْهِقها للّقاءِ طَاهِرُها
والشيخ يَعدُو حَزمًا كتائبه يُقدِمُ أَعجازَها يعاوِرُها
وَلزُهيرٍ بالفِرْك مأسَدَةٌ مرقومةُ صلبَةٌ مَكاسِرُها
كتائبُ الموتِ تحتَ أَلوِيَةٍ أَبْرَحَ منصورُها وَناصِرُها
يعلم أن الأَقدار واقعة أَبْرَحَ منصورُها وَناصِرُها
فتلكَ بغدادُ ما يُبنَّى من الذ لَّةِ في دُورِها عَصافِرُها
محفوفةً بالرَّدَى مُنَطقَةً بِالصُّغر مَحْصُورَةً جَبابرُها
ما بين شطِّ الفراتِ منه إلى دِجْلةَ حيث انتهت معابِرُها
بارك هادِى الشَّقْراءَ نافِرُه تُرْكضُ من حولها أَشَاقِرُها
يُحْرِقها ذا وذاكَ يهدمها ويَشتِفي بالنهابِ شاطرُها
والكَرْخُ أَسواقِها مُعَطَّلة يَستنّ عَيَّارُها وعائرُها
أَخرجت الحربُ من سواقِطها آسادَ غِيلٍ غُلْبًا تُسَاورُها
من البواري تِرَاسُها ومن الـ ـخُوصِ إذا استلأَمَت مَغافرها
تَغدوُ إلى الحرب في جَواشنِها الـ ـصّوف إذا ما عُدَّت أَساورُها
كَتَائبُ الهِرْشِ تحت رايتهِ ساعَدَ طَرّارَها مُقامِرُها
لا الرزقَ تبغى ولا العطاء ولا يَحشُرُها للَقاء حاشِرُها
في كلّ دَرْبٍ وكلِّ ناحيةٍ خطَّارَةٌ يَستَهلُّ خَاطِرُها
بمثل هَامِ الرجَال من فلَق الصَّـ ـخر يَزُودُ المِقلاع بَائرُها
كأنما فوقَ هَامِها فِرَقٌ من القطا الكُدْرِ هاج نافِرُها
والقومُ من تحتها لهم زَجَلٌ وهي ترامى بها خَواطِرُها
بلْ هل رأَيتَ السيوفَ مُصلَتَةٌ أشهَرَها في الأَسواقِ شاهِرُها
والخيلَ تستَنُّ في أَزِقَّتها بالتُّركِ مسنونةً خَناجِرُها
وَالنّفطَ والنَّارَ في طَرائِقِها وهابِيا للدخَانِ عامِرُها
والنَّهبُ تَعدُو به الرِّجالُ وقَدْ أَبدَتْ خَلاخيلها حَرائِرُها
مُعصوصباتٍ وسطَ الأَزِقَّةِ قَدْ أَبرَزها للعيون ساترها
كلُّ رَقودِ الضُّحَى مخَبَّأةٍ لم تَبدُ في أَهلها محاجرُها
بَيْضةُ خِدرٍ مكنونةٌ بَرَزَت للناس منشورةً غَدائرُها
تَعثرُ في ثوبها وَتُعْجلها كَبَّةُ خَيلِ رِيعَتْ حَوافرُها
[ ١٢ / ٩٩ ]
تسأَلُ أين الطريقُ وَالهةً والنَّارُ من خَلْفها تُبَادرُها
لم تَجتَلِ الشَّمْسُ حُسنَ بَهجَتِها حتى اجتلتها حربٌ تباشرُها
يا هَلْ رأيتَ الثَّكلى مُوَلولَةً في الطُّرْق تسعى والجَهدُ بَاهرُها!
في إثر نَعش عليهِ واحدُها في صَدْرهِ طعنةٌ يُساورُها
فَرغاءُ ينقى الشنار مربَدُها يَهزّها بَالسنان شاجرُها
تنظرُ في وجههِ وتهتف بالثـ ـكلِ وجَارِى الدموع حادِرُها
غَرغَر بالنَّفس ثم أَسلمها مَطلولَةً لا يُخاف ثائرها
وقد رأَيت الفتيان في عَرصَةِ الـ ـمعرَك مَعفورَة مناخرها
كلُّ فتًى مَانعٌ حَقيقَتَهُ تَشقَى بهِ في الوَغَى مسَاعرها
باتَتْ عليهِ الكِلابُ تَنْهَشُهُ مخضُوبةٌ مِنْ دمٍ أَظَافِرُها
أمَا رَأَيتَ الخُيولَ جائلَةً بالقَوْم مَنكُوبَةً دَوَائرُها
تعثرُ بالأَوجُهِ الحِسَانِ منَ الـ ـقتلى وغُلَّتْ دمًا أَشاعِرُهُا
يطأنَ أكبادَ فتيةٍ نُجُدٍ يَفْلِقُ هاماتِهمْ حوافرُها
أمَا رأَيت النساءَ تحتَ المجا نيق تعادَى شُعْثًا ضفائرُها
عقائل القومِ والعجائزَ والـ ـعُنَّسَ لم تحتبَرْ معاصِرُها
يحْمِلن قوتًا من الطْحِينِ على الْـ ـأكتَافِ مَعْصُوبَةً مهاجِرُها
وذاتُ عيش ضنكٍ ومُقعِسَةٌ تشدخُها صَخرةٌ تعاوِرُها
تسأَلُ عنْ أهلها وقد سُلِبتْ وابْتُزَّ عنْ رأسها غفائرُها
ياليتَ شِعْرى والدَّهْرُ ذُو دُولٍ يُرجَى وأُخرَى تُخْشَى بَوادرُها
هل تَرْجعنْ أرضنا كما غنِيَتْ وقد تناهتْ بنا مصايِرُها
منْ مُبلغ ذا الرياستيْنِ رسا لاتٍ تَأتَى للنُّصْحِ شاعِرُها
بأَنَّ خيْرَ الوُلاةِ قدْ علمَ النَّ ـاسُ إذا عُدِّدت مآثِرُها
خليفةُ اللهِ في بريّتِهِ الـ ـمأمُونُ مُنْتَاشُها وجابرُها
سَمَتْ إليه آمالُ أُمّته منقادَةٌ بَرُّها وفاجرُها
شامُوا حيا العدْلِ من مخايلِهِ وأَصْحَرَتْ بالتُّقَى بَصَائرها
وأحمدُوا منك سيرة جلتِ الـ ـشَّكَّ وأخرى صَحَّتْ معاذِرُها
واستجمعتْ طاعة برفقكَ للمَأْ مونِ نجديُّها وغائرها
وأنتَ سمعٌ في العالمينَ له ومُقلةٌ ما يكلّ ناظرُها
[ ١٢ / ١٠٠ ]
فاشكر لذي الْعَرْشِ فضلَ نعمتِهِ أَوجبَ فضلَ المزيدِ شاكرها
واحذَرْ فداءً لك الرّعيةُ والـ ـأجنادُ مأمورها وآمرها
لا تردن غمْرةً بنفسكَ لا يَصْدُرُ عنها بالرأي صادرُها
عليك ضحْضاحها فلا تلجِ الغَمـ ـرة ملتجّةً زواخِرُها
والقصْدَ إنَّ الطريقَ ذو شعبٍ أَشأَمها وَعْثُها وَجَائرُها
أَصْبَحْتَ في أمةٍ أوائلها قد فارقت هَدْيَها أواخُرها
وأنتَ سُرْسُورُها وشائِسُها فَهَلْ على الحق أَنت قاسرها!
أَدِّبْ رجالًا رأَيتَ سِيرتهُم خالفَ حُكْمَ الكِتَابِ سائرها
وامدُدْ إلى الناس كفَّ مَرحَمَةٍ تُسَدُّ منهم بها مفَاقرها
أَمكنكَ الْعَدْلُ إذ هَمَمْتَ به ووافقَتْ مَدَّه مقادرُها
وأَبصر الناسُ قصدَ وجههمُ ومُلِّكَتْ أُمَّةً أخايرُها
تُشْرَعُ أعناقها إليكَ إذ الـ سَّاداتُ يومًا جَمَّتْ عَشائِرُها
كم عندنا من نصيحَة لك في اللـ ـهِ وقُرْبى عَزَّتْ زوافرها
وحرمةٍ قرَّبتْ أَواصِرُها منك، وأخْرى هل أنت ذاكرُها!
سعي رجالٍ في العلم مطلبُهُمْ رائحُها باكرٌ وباكرها
دونك غراءَ كالوَذيلَةِ لا تُفقَدُ في بلدةٍ سوِائرها
لا طمعًا قُلتُها ولا بَطرًّا لكلِّ نفس هوًى يُؤامرها
سيرَها الله بالنصيحَةِ والـ ـخَشيَةِ فاستدمجَت مرائرها
جاءتك تحكي لك الأمور كما ينشر بزَّ التِّجارِ ناشرها
حمَّلتُها صاحبًا أخا ثقةٍ يظلُّ عُجبًا بها يحاضرها (١).
_________________
(١) هذه الأبيات الشعرية التي تزيد على (١٣٠) بيتًا تصور الحالة المأساوية التي آلت إليها بغداد وقد استخدم الطبري الشعر كتوثيق للوقائع والحوادث ولم يكن حينها صحف أو جرائد أو مجلات وغيرها من وسائل الإعلام فكانت القصائد وسيلة سهلة إلى حدّ ما لتصوير الوقائع بصورة مشوقة ونشرها بين الناس وإن كان عدد من الأخباريين قد جمعوا كثيرًا من الأبيات الشعرية منسوبة إلى منظميها دون تثبت من ذلك وجمعها المؤرخون وأودعوها في كتبهم والتأكد من نسبتها إلى قائليها بحاجة إلى موازين علمية دقيقة. ولقد ذكر ابن كثير طرفا من هذه الأبيات ثم علق عليها قائلًا: ولقد أكثر الشعراء من ذلك (أي من وصف أحوال بغداد في تلك المحنة) وقد أورد أبو جعفر بن جرير (أي الطبري) من ذلك =
[ ١٢ / ١٠١ ]
وفي هذه السنة استأمن الموكّلون بقصر صالح من قبلَ محمد.
* * *