وفي هذه السنة استأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة، وشغب الجند على طاهر، ففرّق محمد فيمن صار إليه من أصحاب طاهر مالًا عظيمًا، وقوّد رجالًا، وغلف لحاهم بالغالية، فسمُّوا بذلك قواد الغالية.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه:
ذكر عن يزيد بن الحارث، قال: أقام طاهر على نهر صَرصْر لما صار إليها، وشمّر في محاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتدّ على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال والكُسا، فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خُراسان ومن التف إليهم، فسُرّ بهم محمد، ووعدهم ومناهم، وأثبت أسماءهم في الثمانين. قال: فمكثوا بذلك أشهرًا، وقوّد جماعة
_________________
(١) انظر الخبر في البداية والنهاية [٨/ ١٤٢] وقد أشار ابن قتيبة الدينوري إشارة بسيطة إلى النهروان فقال: وصار هرثمة إلى النهروان ثم زحف إلى نهر تيري [المعارف/ ٣٨٦].
[ ١٢ / ٩١ ]
من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه، وعقد لهم، ووجّههم إلى دسكرة الملك والنهروان، ووجّه إليهم حبيب بن جهم النمري الأعرابيّ في أصحابه؛ فلم يكن بينهم كثير قتال، وندب محمد قوادًا من قواد بغداد، فوجّههم إلى الياسريّة والكوثريّة والسفينتين، وحمل إليهم الأطعمة، وقواهم بالأرزاق، وصيّرهم ردءًا لمن خلفهم، وفرّق الجواسيس في أصحاب طاهر، ودسَّ إلى رؤساء الجند الكتب بالإطماع والترغيب فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى محمد، ومع كل عشرة أنفس منهم طبل، فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا، ودنَوْا حتى أشرفوا على نهر صرصر، فعبَّى طاهر أصحابه كراديس، ثم جعل يمرّ على كل كرِدوس منهم، فيقول: لا يغرنكم كثرة مَنْ ترون، ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم، فإنّ النصر مع الصدق والثبات، والفتح مع الصبر، وربّ فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم أمرهم بالتقدم، فتقدمّوا واضطربوا بالسيوف مليًّا. ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولَّوْا منهزمين، وأخلوا موضع عسكرهم، فانتهب أصحاب طاهر كلّ ما كان فيه من سلاح ومال. وبلغ الخبرُ محمدًا، فأمر بالعطاء فوُضع، وأخرج خزائنه وذخائره، وفرّق الصلات وجمع أهل الأرباض، واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحدًا وسيما حسن الرّواء إلا خلع عليه وقوّده، وكان لا يقوّد أحدًا إلا غلِّفت لحيته بالغالية؛ وهم الذين يسمون قواد الغالية. قال: وفرّق في قواده المحدثين لكل رجلٍ منهم خمسمائة درهم وقارورة غالية، ولم يعط جند القواد وأصحابهم شيئًا. وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهرًا بذلك؛ فراسلهم وكاتبهم، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة، فقال رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك:
قُلْ لِلأَمينِ اللهِ في نَفسِهِ ما شتت الجندَ سِوَى الغاليهْ
وطاهرٌ نفسي تقِى طاهرًا برسلِه والعُدَّةِ الكافيَهْ
أَضحى زمامُ المُلكِ في كفّهِ مُقاتلا للفِئةِ الباغيةْ
يا ناكثًا أَسلَمَهُ نكثُه عُيوبُهُ مِنْ خُبثِهِ فاشِيَهْ
قد جَاءك الليثُ بشَدّاته مُستَكلبًا في أُسْدٍ ضارِيَه
[ ١٢ / ٩٢ ]
فاهرُبْ ولا مَهْرَبَ من مِثْلِهِ إلَّا إلى النارِ أَو الهاوية
قال: ولمّا شغب الجند، وصعب الأمر على محمد شاور قواده، فقيل له: تدارك القوم، فتَلاف أمرك؛ فإنّ بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين، وهم ردّوه عليك، وهم من قد عرفْتَ نجدتَهم وبأسهم. فلجّ في أمرهم وأمر بقتالهم، فوجّه إليهم التنوخيّ وغيره من المستأمنة والأجناد الذين كانوا معه، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه؛ فأخذ رهائنهم على بذْل الطاعة له، وكتب إليهم، فأعطاهم الأمان، وبذلَ لهم الأموال، ثم قدم فصار إلى البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجة، فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه، ونزل مَنْ لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفي الأرباض، وألحقهم جميعًا بالثمانين في الأرزاق، وأضعف للقواد وأبناء القوّاد الخواص، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها، وفُتِن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدُّعار والشطار، فعزّ الفاجر، وذلّ المؤمن، واختلّ الصالح، وساءت حالُ الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرَهم، وأخذه على أيدي سفهائهم وفساقهم، واشتد في ذلك عليهم، وغادى القتال وراوَحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أوّل موسم دُعيَ له فيه بالخلافة بمكة والمدينة (٢).
_________________
(١) هذا الخبر الطويل [٤٤١ - ٤٤٢ - ٤٤٣ - ٤٤٤] عن شغب الجند على طاهر بن الحسين لم يذكره البسوي ولا خليفة ولا الدينوريان ولا الجهشياري ولم نجد ما يؤيد هذه التفاصيل عن مسير طاهير هذا سوى عبارة واحدة ذكرها الجهشياري وهو يصف مسير طاهر الطويل فقال: (ونزل طاهر باب الأنبار) [المعارف/ ٣٨٦] وقال خليفة وفيها قدم طاهر بن الحسين بغداد (٣٠٩).
(٢) وانظر تاريخ خليفة (٣٠٩) والمعرفة والتاريخ للبسوي (١/ ٥٥).
[ ١٢ / ٩٣ ]