وفيها جعل طاهر قوادًا من قواده بنواحي بغداد، فجعل العلاء بن الوضاح الأزدي في أصحابه ومن ضم إليه بالوضاحية على المحول الكبير، وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلي ربض أبي أيوب على شاطئ الصراة، ثم غادى القتال وراوح أشهرًا، وصبر الفريقان جميعًا؛ فكانت
[ ١٢ / ١٠٧ ]
لهما فيها وقعة بالكناسة؛ باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بن عبد الملك:
وَقْعَةُ يومِ الأَحَد صارت حَدِيثَ الأبد
كَمْ جسدٍ أَبصرتَهُ مُلقًى وكَمْ مِن جَسَدِ
وناظرٍ كانت له مَنِيَّةٌ بالرَّصَد
أَتاهُ سَهْمٌ عائرٌ فشكَّ جَوفَ الكَبِد
وصائحٍ يا والدي وصائحٍ يا ولدي!
وكم غريقٍ سابح كان متينَ الجَلَدِ!
لم يَفتقدْه أَحدٌ غَيرُ بناتِ البلد
وكم فقيدٍ بَئِسٍ عزَّ على المفتقِد
كَانَ مِن النَّظارةِ الـ ـأولى شديد الحَرَدِ
لو أَنه عايَن ما عاينَه لم يَعُد
لم يبقَ من كهلِ لهُمْ فَاتَ وَلا مِنْ أَمْرَدِ
وطاهرٌ ملتهِمٌ مثلَ التهامِ الأَسد
خيَّمَ لا يبرَح في الـ ـعرصَةِ مثلَ اللُّبَد
تقذِفُ عيناه لَدَى الـ ـحربِ بنارِ الوَقَد
فقائلٌ قد قتلوا أَلفًا ولمَّا يزدِ
وقائلٌ أكثر بل ما لهُمُ من عدد
وهاربٌ نحوهُمُ يرهَبُ من خوفِ غدِ
هيهات لا تبصرُ مِمّـ ـن قَدْ مَضَى من أَحَدِ
لا يرجع الماضي إلى الْـ ـبَاقِي طَوَالَ الأَبد
قلتُ لمطعونٍ وفيـ ـه رُوحُهُ لَمْ تبد
مَنْ أَنَت يا وَيْلكَ يا مِسكينُ من مُحَمَّدِ
فقالَ لا من نَسب دانٍ ولا منْ بَلد
لم أَره قطّ ولم أَجدْ لهُ من صَفدِ
وقال لا لِلغيِّ قَا تَلتُ ولا للرَّشَد
إلَّا لشيءٍ عاجلٍ يصيرُ مِنهُ فِي يدِي
[ ١٢ / ١٠٨ ]
وذكر عن عمرو بن عبد الملك أن محمدًا أمر زريحًا غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلًا، ويأخذ بالظنة، فجبى بذلك السبب أموالًا كثيرة، وأهلك خلقًا، فهرب الناس بعلة الحج، وفر الأغنياء، فقال القراطيسي في ذلك:
أَظهروا الحجّ وما ينوونَهُ بل من الهِرش يُريدون الهربْ
كم أُناسٍ أصبحوا في غبطة وكلَ الهرشُ عليهم بالعطب
كلُّ من راد زُريحٌ بيتَهُ لقِىَ الذُّلَّ وَوَافاهُ الحرَبْ
* * *