وفيها أيضًا كانت وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان وإلى ما آل الأمر فيه:
ذكر عن علي بن يزيد أنه قال: كان ينزل هرثمة نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحيانًا، فيقف بباب خراسان مشفقًا من أهل العسكر، كارهًا للحرب، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه، ويستخف به، فيقف ساعة ثم ينصرف. وكان حاتم بن الصقر من قواد محمد؛ وكان قد واعد أصحابه الغزاة والعيارين أن يوافوا عبيد الله بن الوضاح ليلًا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم؛ فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولى منهزمًا، فأصابوا له خيلًا وسلاحًا ومتاعًا كثيرًا، وغلب على الشماسية حاتم بن الصقر. وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته، وليرد العسكر عنه إلى موضعه؛ فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم، وأسر رجل من الغزاة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل، فقطع يده وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبره أهل عسكره، فتقوض بما فيه، وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب، وما كانوا فيه من النهب والأسر. فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين، وقويت الغزاة بما سار في أيديهم.
[ ١٢ / ١١٠ ]
وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة، فمن ذلك قول عمرو الورّاق:
عُرْيانُ ليس بذِي قَميصِ يَغدُو على طَلبِ القَميصِ
يَعْدُو عَلى ذِي جوشَنٍ يعمي العيونَ من البَصيصِ
في كفِّه طَرَّادَةٌ حمراءُ تلمعُ كالفُصوصِ
حَرِصًا عَلى طَلَب القِتَا ل أَشَدّ من حِرْص الحريصِ
سلِسَ القِيادِ كأَنَّما يَغدُو عَلى أَكلِ الخبيص
لَيْثًا مُغِيرًا لَم يَزَل رَأسًا يعدّ من اللصُوصِ
أَجْرى وأَثبَتَ مَقْدَمًا في الحرْبِ من أَسد رَهيصِ
يدْنو على سَنَنِ الهَوَا نِ وَعِيصُهُ من شَرِّ عيصِ
يَنجُو إِذا كانَ النَّجا ءُ على أَخَفَّ من القَلُوصِ
ما للكَمِيِّ إذا لِمَقْـ ـتَلهِ تعَرّضَ من محيصِ
كَم من شُجاعٍ فارسٍ قد بَاعَ بالثَّمَن الرَّخيصِ
يدعُو: أَلا مَنْ يَشترِي رأسَ الكمي بكَفِّ شيصِ!
وقال بعض أصحاب هرثمة:
يَفنَى الزَّمانُ وما يَفنَى قتالهُمُ والدُّور تُهدَمُ والأموال تَنتَقِصُ
والناس لا يستطيعون الذي طلبوا لا يدفعون الردى عنهم وإن حَرصُوا
يأتوننا بحديثٍ لا ضياءَ لَهُ في كلّ يوم لأَولادِ الزِّنا قصصُ
قال: ولما بلغا طاهرًا ما صنع الغزاة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة اشتد ذلك عليه، وبلغ منه، وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، ووجه أصحابه وعبَّأهم، وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال، وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية، ورد المهاجر عبيد الله بن الوضاح وهرثمة.
قال: وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانية بعد ظفر الغزاة ألفي ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر كلها، وكانت السقوف مذهّبة، وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشرًا كثيرًا، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:
ثَقَلان وطاهر بن الحسين صبَّحونا صبيحةَ الإثنينِ
جمعوا جمعَهم بليل ونادَوا اطلبوا اليومَ ثأركم بالحسين
[ ١٢ / ١١١ ]
ضربوا طبلَهُمْ فثارَ إليهم كلّ صُلبِ القَناة والسَّاعِدَيْنِ
يا قَتِيلا بالقاعِ مُلقًى على الشطِّ هواه بِطَيِّئٍ الجَبَلَيْنِ
ما الَّذِي في يَدْيك أَنت إذا ما أصْـ طلحَ النَّاسُ أَنتَ بالخَلَّتيْنِ
أَوَزيرٌ أَم قائدٌ، بَلْ بعيدٌ أَنْتَ من ذَينِ مَوضع الفَرقَدَينِ
كم بصيرٍ غَدَا بعينَيْنِ كي يُبـ صِرَ ما حالهم فعادَ بعينِ
ليس يُخْطونَ ما يريدون ما يَعمد راميهمُ سِوَى الناظرَينِ
سائلِي عنهمُ همُ شرُّ مَنْ أَبصرتُ في النَّاس ليس غير كذينِ
شرّ باقٍ وشرّ ماض منَ الناس مَضَى أَو رأَيتُ في الثَّقَلَيْنِ
قال: وبلغ ذلك من فعل طاهر محمدًا، فاشتد عليه غمه وأحزنه؛ فذكر كاتب لكوثر أن محمدًا قال - أو قيل على لسانه هذه الأبيات:
مُنيتُ بِأَشْجع الثَّقَلَيْنِ قَلبًا إذا ما طالَ لَيْسَ كما يطولُ
له مَعْ كلِّ ذِي بَدَنٍ رقيبٌ يشاهدُه ويعلمُ ما يَقُولُ
فليس بمُغْفلٍ أَمرًا عنادًا إِذا ما الأَمر ضَيَّعه الغَفُولُ
وفي هذه السنة ضعف أمر محمد، وأيقن بالهلاك، وهرب عبد الله بن خازم بن خزيمة من بغداد إلى المدائن، فذكر عن الحسين بن الضحاك أن عبد الله بن خازم بن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء، فهمَّ على نفسه وماله، فلحق بالمدائن ليلًا في السفن بعياله وولده، فأقام بها ولم يحضر شيئًا من القتال.
وذكر غيره أن طاهرًا كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله، فحذره ونجا من تلك الفتنة وسلم؛ فقال بعض قرائبه في ذلك:
وما جَبنَ ابن خازمَ منِ رَعاعٍ وَأوباشِ الطَّغامِ من الأَنام
ولكنْ خاف صَولةَ ضيغَمي هَصُورِ الشَّدِّ مشهور العُرامِ
فذاع أمره في الناس، ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض، فقالوا: ينبغي لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه، فاجتمعوا وكتبوا كتابًا أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له؛ لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق، والأخذ على يد المريب، وأنهم غير مستحلي النظر إلى الحرب؛ فضلًا عن القتال، وأن الذي يكون حزبه من جانبهم ليس منهم، قد ضاقت بهم
[ ١٢ / ١١٢ ]
طرق المسلمين حتى إن الرجال [الذين بلوا من حربه من جانبهم ليس منهم]، ولا لهم بالكرخ دور ولا عقار؛ وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف، وأهل السجون. وإنما مأواهم الحمامات والمساجد، والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون في محقرات [البيوع، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى إن الرجل ليستقبل، المرأة في زحمة الناس فيلتثان قبل التخلص؛ وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفًا؛ وحتى إن الحامل الكيس في حجزته وكفه ليطر منه، وما لنا بهم يدان ولا طاقة؛ ولا تملك لأنفسنا معهم شيئًا؛ وأن بعضهم يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي - ﷺ -؛ فكيف لو اقتدرنا على من في إقامته عن الطريق، وتخليده السجن، وتنفيته عن البلاد وحسم الشر والشغب ونفي الزعارة والطر والسرق، وصلاح الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد!
فذكر أنهم كتبوا بهذا قصة، واتعد قوم على الانسلال إليه بها، فقال لهم أهل الرأي منهم والحزم: لا تظنوا أن طاهرًا غبي عن هذا أو قصَّر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم؛ حتى كأنه شاهدكم؛ والرأي ألا تشهروا أنفسكم بهذا؛ فإنا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم؛ والخوف من تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفًا، بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وعفوه أقرب، فتوكلوا على الله ﵎ وأمسكوا. فأجابوهم وأمسكوا. وقال ابن أبي طالب المكفوف:
دَعُوا أَهل الطَّريق فَعَنْ قليل تَنالهمُ مخاليبُ الهَصُورِ
فتهتِكُ حُجْبَ أَفئدةٍ شِدادٍ وشيكًا ما تصير إلى القُبُورِ
فإِنَّ الله مُهلكُهُمُ جميعًا بأَسباب التمني والفُجُورٍ
وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعًا للقتال؛ حتى كان الفتح منه؛ وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبي يزيد الشروي. وخاف أهل الأرباض في تلك النواحي مما يلي طريق باب الأنبار؛ فذكر أن طاهرًا لما رأى ذلك وجه إليهم قائدًا من أصحابه،
[ ١٢ / ١١٣ ]
وكان مشتغلًا بوجوه كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد، فأوقع بهم فيها وقعة صعبة، وغرق في الصراة بشر كثير، وقتل آخرون، فقال في هزيمة طاهر في أول [يوم] عمر والوراق:
نَادَى مُنَادِي طَاهِرٍ عِنْدَنَا يا قومُ كُفُّوا واجْلِسُوا في الْبُيُوتْ
فَسَوْفَ يَأْتِيكمْ غَدٌ فاحْذَرُوا [ليتًا هريتَ الشدق فيه عُيُوتْ]
فثارتِ الغوغاءُ في وَجْهِهِ بَعْدَ انتِصَافِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْقُنُوتْ
في يومِ سبتٍ تَرَكُوا جَمْعَهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ سُمودًا خُفُوتْ
وقال في الوقعة التي كانت على أصحاب محمد:
كم قتيل قد رأَينا ما سأَلْنَاهُ لأَيشِ
دَارِعًا يَلْقَاهُ عُرْيَانٌ بجهلِ وِبطيش
إن تلقَّاهُ بِرُمْحٍ يتلقَّاهُ بِفيْش
حَبشيًّا يَقتُلُ النَّاسَ على قِطْعَةِ خَيْشِ
مُرتَدٍ بالشَّمْس راضٍ بالمُنَى مِن كلِّ عيشِ
يَحْمِلُ الْحَمْلَةَ لا يَقْتل إلَّا رَأسَ جَيْش
كعلي أَفَراهَمَرْدٍ أَو عَلاءٍ أَو قُرَيشُ
احْذَرِ الرّميةَ ياطا هرُ من كف الحُبيشِي
وقال أيضًا عمرو الوراق في ذلك:
ذَهَبَتْ بَهْجَةُ بَغْدَا دَ وَكَانَتْ ذَاتَ بَهْجَهْ
فَلَها فِي كلِّ يَوْمٍ رجَّةٌ منْ بَعْدِ رجّهْ
ضجَّتِ الأَرضُ إِلى الله مِنَ المُنْكَرِ ضَجَّهْ
أَيّها المقتولُ مَا أَنت عَلى دِينِ المحَجَّهْ
لَيْتَ شِعْرِى ما الَّذِي نِلتَ ووَقدْ أَدْلجتَ دَلجهْ
أَإِلى الفردوس وُجِّهتَ أَمِ النَّارِ تُوجَّه
حجر أرداك أم أر ديت قسرًا بالأَزِجّه
إِن تكُنْ قَاتَلْتَ بِرًّا فعليْنَا أَلفُ حَجَّهْ
وذكر عن علي بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمدًا أمر ببيع ما بقى في الخزائن التي كانت أنهبت، فكتم ولاتها ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد
[ ١٢ / ١١٤ ]
أمره، وفقد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فقال يومًا وقد ضجر مما يرد عليه: وددت أن الله ﷿ قتل الفريقين جميعًا، وأراح الناس منهم؛ فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا؛ أما هؤلاء فيريدون مالي؛ وأما أولئك فيريدون نفسي. وذكرت أبياتًا قيل إنه قالها:
تَفَرَّقُوا وَدَعونِي يَا مَعْشَرَ الأَعْوَانِ
فكُلُّكُمْ ذُو وُجوهٍ كَخلقة الإِنسان
وما أَرى غيرَ إفكٍ وتُرَّهاتِ الأَمانِي
ولستُ أَملك شيئًا فسائِلوا خُزّانى
فالويلُ لي ما دهاني من ساكنِ البُستانِ
قال: وضعف أمر محمد، وانتشر جنده وارتاع في عسكره، وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به (١).
* * *
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك (٢).
وكان على مكة في هذه السنة داود بن عيسى.
_________________
(١) هذه الوقائع والأخبار والمعارك المتعددة والأبيات الشعرية ذكرها الطبري بتفاصيلها ولم نجد لها ذكرًا عند البسوي أو خليفة أو البلاذري أو الدينوريان أو غيرهم من المؤرخين المتقدمين الثقات والمعروفين بحيادهم العلمي والعقائدي، وانظر المنتظم (١٠/ ٦٣) وما بعدها والبداية والنهاية (٨/ ١٤٣ - ١٤٤) ولقد لخص الحافظ ابن كثير هذه الحوادث التي وقعت (كما ذكر الطبري) سنة (١٩٧ هـ) قائلًا: وانقضت هذه السنة بكمالها والناس ببغداد في قلاقل وزلازل وهيشات وقتال وحصار وحرق وغرق وسرق فإنا لله وإنا إليه راجعون [البداية والنهاية ٨/ ١٤٤].
(٢) وكذلك قال خليفة (٣٠٩) والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٥٥).
[ ١٢ / ١١٥ ]