وفي هذه السنة ولّي محمد بن هارون عبد الملك بن صالح بن عليّ على الشام وأمره بالخروج إليها، وفرض له من رجالها جنودًا يقاتل بها طاهرًا وهرثمة (٢).
* ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك:
ذكر داود بن سليمان أنّ طاهرًا لما قويَ واستعلى أمرُه، وهَزَمَ مَن هزم من قوّاد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد - وكان عبد الملك محبوسًا في حبس الرشيد، فلما تُوُفِّيَ الرشيد، وأفضى الأمر إلى محمد أمر بتخلية سبيله، وذلك في ذي القعدة سنة ست وتسعين ومائة، فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته - فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلتَ سماحتك، فإن أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتَهم وأغضبتَهم، وليس تُملك الجنود بالإمساك، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف، ومع هذا فإن جندك قد رعِبتْهم الهزائم، ونهكتْهم وأضعفتهم الحرب والوقائع، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوّهم، ونكولًا عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليل مَنْ معه كثيرَهم، وهزم بقوّة نيّتِه ضَعْف نصائحهم ونيّاتهم، وأهلُ الشام
_________________
(١) لبعض هذا الخبر ما يؤيده فقد قال الجهشياري: ولَقَّب المأمون الفضل بن سهل (ذا الرّياستين). ومعنى ذلك رياسة الحرب، ورياسة التدبير، وعقد له على سنانٍ ذي شُعْبتين، وأعطاه مع العقد عَلَما قد كُتِب عليه لقبه، فحمل العَقْد عليّ بن هشام، وحمل العَلَم نُعَيْم بن حازم. وكان الفضل يُؤَمّر مع الوزارة، وهو أوّل وزير لُقّب، وأوّل وزير اجتمع له اللَّقَب والتأمير [الوزراء والكتاب/ ٣٠٦].
(٢) انظر تعليقنا على الخبر (٨/ ٤٢٧/ ٦٦) الآتي.
[ ١٢ / ٧٤ ]
قوم قد ضرّستهم الحروب، وأدّبتهم الشدائد، وجلُّهم منقاد إليّ، مسارع إلى طاعتي، فإن وجّهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندًا تَعظم نكايتهم في عدوّه، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته. فقال محمد: فإني موليك أمرَهم، ومقوّيك بما سألت من مال وعُدّة، فعجّل الشخوص إلى ما هُنالك، فاعمل عملًا يَظهر أثرُه، وُيُحمَد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله، فولّاه الشام والجزيرة، واستحثّه بالخروج استحثاثًا شديدًا، ووجّه معه كنَفًا من الجند والأبناء.
وفي هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشام، فلما بلغ الرقة أقام بها. وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشام بجمع الرّجال بها، وإمداد محمد بهم لحرب طاهر.
* ذكر الخبر عن ذلك:
قد تقدّم ذكرى سببَ توجيه محمد إياه لذلك، فذكر داود بن سليمان أنه لما قدم عبد الملك الرّقة، أنفذ رسلَه، وكتب إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فلم يبقَ أحد ممّن يرجَى ويذكر بأسه وغناءه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته، فقدموا عليه رئيسًا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فكان لا يدخل عليه أحدٌ إلا أجازه وخلع عليه وحمله، فأتاه أهلُ الشام: الزواقيل والأعراب من كلّ فَجّ، واجتمعوا عنده حتى كثروا. ثم إن بعضَ جند أهل خُراسان نظر إلى دابَّةٍ كانت أخذِت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل، فتعلّق بها، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا، واجتمعت جماعة من الزّواقيل والجند، فتلاحموا، وأعان كلّ فريق منهم صاحبَه، وتلاطموا وتضاربوا بالأيدي، ومشى بعض الأبناء إلى بعض، فاجتمعوا إلى محمد بن أبي خالد، فقالوا: أنت شيخنا وفارسنا، وقد ركب الزواقيلَ منّا ما قد بلغك، فاجمع أمرنا وإلا استذلُّونا، وطمعوا فينا، وركبوا بمثل هذا في كلّ يوم. فقال: ما كنت لأدخل في شَغْب، ولا أشاهدكم على مثل الحالة. فاستعدّ الأبناء وتهيؤوا، وأتوا الزواقيل وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذبحوهم في رحالهم، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولَهم، ولبسوا أسلحتهم، ونشبت الحرب بينهم. وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح، فوجّه إليهم رسولًا يأمرهم بالكفّ ووضع السلاح، فرموْه بالحجارة، واقتتلوا يومهم ذلك قتالًا شديدًا،
[ ١٢ / ٧٥ ]
وأكثرت الأبناء القتل في الزوافيل: فأخبِر عبد الملك بكثرةِ مَنْ قتل - وكان مريضًا مدنَفًا - فضرب بيده على يد، ثم قال واذلّاه! تستضام العرب في دارها ومحلّها وبلادها! فغضب من كان أمسك عن الشرّ من الأبناء، وتفاقم الأمر فيما بينهم، وقام بأمر الأبناء الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، واصبح الزّواقيل، فاجتمعوا بالرَّقة، واجتمع الأبناء وأهل خُراسان بالرافقة، وقام رجل من أهل حمْص، فقال: يا أهلَ حمْص، الهرب أهْوَنُ من العطب، والموتُ أهونُ من الذّل، إنكم بعُدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة والعزّة بعد الذلة! ألا وفي الشرّ وقعتم، وإلى حَوْمة الموت أنختم. إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم. النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل! .
وقام رجل من كلب في غَرْز ناقته، ثم قال:
شُؤبُوبُ حَرْبٍ خابَ من يَصْلاها قَدْ شَرَّعَتْ فُرْسانُها قَناها
فأَوْرَدَ اللهُ لظىً لظاها إن غُمِرَت كلبٌ بها لحَاها
ثم قال: يا معشَر كلْب، إنها الرّاية السوداء، والله ما ولّت ولا عدَلْت ولا ذلّ ناصرها، ولا ضعف وليُّها، وإنكم لتعرفون مواقعَ سيوف أهل خُراسان في رقابكم، وآثار أسنَّتهم في صدوركم. اعتزلوا الشرّ قبل أن يعظم، وتخَطَوْه قبل أن يضطرم. شأمَكم شأمكم، داركم داركم! الموت الفلسطينيّ خير من العيش الجزَريّ. ألا وإني راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي.
ثم سار وسار معه عامة أهل الشام، وأقبلت الزّواقيل حتى أضرموا ما كان التّجار جمعوا من الأعلاف بالنار، وأقام الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان مع جَماعة أهل خراسان والأبناء على باب الرافقة تخوّفًا لطوق بن مالك. فأتى طوقًا رجل من بني تَغْلِب، فقال: ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء! انهض فإنّ مثلك لا يقعد عن هذا الأمر، قد مدّ أهلُ الجزيرة أعينَهم إليك، وأمّلوا عونَك ونصرَك. فقال: والله ما أنا من قيسها ولا يمنِها، ولا كنت في أوّل هذا الأمر لأشهدَ آخره، وإني لأشدّ إبقاء على قومي، وأنظرُ لعشيرتي منْ أن أعرِّضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال قيس، وما أرى السّلامة إلا في الاعتزال.
[ ١٢ / ٧٦ ]
وأقبل نصر بن شبث في الزّواقيل على فرس كُمَيت أغرّ، عليه درّاعة سوداء قد ربطها خَلْف ظهره، وفي يده رُمح وترْس، وهو يقول:
فُرْسانَ قَيْسٍ أصْمُدُنّ للموت لا تُرْهِبُني عَن لِقاء الفَوتْ
* دَعى التَّمَنِّي بِعَسَى وَلَيْتْ *
ثم حمل هو وأصحابُه، فقاتل قتالًا شديدًا، فصبر لهم الجند، وكثر القتل في الزّواقيل، وحملت الأبناء حملاتٍ، في كلِّها يقتلون ويجرحون، وكان أكثر القتل والبلاء في تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبي الفيل وداود بن موسى بن عيسى الخُراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو السلميّ والعباس بن زفر (١).
وتوفِّيَ في هذه السنة عبد الملك بن صالح.