وفي هذه السنة خُلع محمد بن هارون، وأخِذت عليه البيعة لأخيه عبد الله المأمون ببغداد.
وفيها حُبس محمد بن هارون في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جحفر بن أبي جعفر.
* ذكر الخبر عن سبب خلعه:
ذُكر عن داود بن سليمان أنّ عبد الملك بن صالح لما تُوُفِّيَ بالرّقة، نادى الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان في الجند، فصيّر الرّجَالة في السفن
_________________
(١) هذا الخبر الطويل الذي استغرق الصفحات (٤٢٤ - ٤٢٥ - ٤٢٦ - ٤٢٧ لم يذكر البسوي ولا خليفة ولا الجهشياري ولا الدينوريان وانظر الخبر مختصرًا في البداية والنهاية [٨/ ١٤٢].
(٢) وقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٩٦ هـ) وفيها وثب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد فخلع محمدًا المخلوع ودعا الناس إلى بيعة المأمون وأخذ محمدًا المخلوع يوم الثلاثاء في رجب فحبسه ووثب الجند على حسين بن علي فقتلوه وأخرجوا المخلوع من الحبس [تأريخ خليفة/ ٣٠٩] وانظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٤٣٢).
[ ١٢ / ٧٧ ]
والفرسان على الظهر ووصلهم، وقوّى ضعفاءهم، ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة.
وذكر أحمد بن عبد الله، أنه كان فيمن شهد مع عبد الملك الجزيرة لمّا انصرف بهم الحسين بن عليّ، وذلك في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. وذكر أنه تلقاه الأبناء وأهل بغداد بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القِباب، واستقبله القوّاد والرؤساء والأشراف، ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة، فلما كان في جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: والله ما أنا بمغَن ولا بمسامر ولا مضحك، ولا وليتُ له عملًا، ولا جرى له على يدي مال، فلأيّ شيء يريدني في هذه الساعة! انصرف، فإذا أصبحتُ غدوتُ إليه إن شاء الله.
فانصرف الرسول، وأصبح الحسين فوافى بابَ الجسر، واجتمع إليه النّاس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبد الله بن عليّ وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونِعَمه لا تستصحَب بالتجبر والتكبر، وإن محمدًا يريد أن يوتغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرّق جمعكم، وينقل عزّكم إلى غيركم، وهو صاحب الزّواقيل بالأمس، وبالله إن طالت به مدّة وراجعه من أمره قوة، ليرجعن وبال ذلك عليكم، وليعرَفنّ ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم، فاقطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزّه قبل أن يضع عزَّكم، فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خُذِل، ولا يمنعه مانع إلا قُتِل، وما عند الله لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنْث بأيمانه. ثم أمر الناس بعبُور الجسر فعبروا، حتى صاروا إلى سكة باب خُراسان، واجتمعت الحربية وأهل الأرْباض ممّا يلي باب الشام، [وباب الأنبار وشطّ الصراة مما يلي باب الكوفة]. وتسرّعت خيول من خيول محمد من الأعراب وغيرهم إلى الحسين بن عليّ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا مليًّا من النهار، وأمر الحسين مَنْ كان معه من قوّاده وخاصة أصحابه بالنزول فنزلوا إليهم بالسّيوف والرماح، وصدَقوهم القتال، وكشفوهم حتى تفرّقوا عن باب الخلد.
قال: فخلع الحسين بن عليّ محمدًا يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلَت من
[ ١٢ / ٧٨ ]
رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيْعة لعبد الله المأمون من غد يوم الإثنين إلى الليل، وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء، فوثب بعد الوقعة التي كانت بين الحسين وبين أصحاب محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشميّ على محمّد، ودخل عليه فأخرجه من قصر الخُلْد إلى قصر أبي جعفر، فحبسه هناك إلى صلاة الظهر، ثم وثب العباس بن موسى بن عيسى على أمّ جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبي جعفر، فأبت، فدعا لها بكرسيّ، وأمرها بالجلوس فيه، فقنعها بالسوْط وساءها، وأغلظ لها القول، فجلست فيه، ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها. فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن عليّ الأرزاق وماجَ الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد بباب الشام، فقال: أيها الناس، والله ما أدري بأي سبب يتأمّر الحسين بن عليّ علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا! ما هو بأكبرنا سنًّا، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا مَنْ لا يرضى بالدنيّة، ولا يقاد بالمخادعة، وإني أوّلكم نقض عهده، وأظهر التغيير عليه، والإنكار لفعله، فمن كان رأيه رأي فليعتزل معي.
وقام أسد الحربيّ، فقال: يا معشر الحربيّة، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم وطال نومكم، وتأخرّتم فقدِّم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خَلْع محمد وأسره، فاذهبوا بذكر فكّه وإطلاقه.
فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فَرَس، فصاح بالناس: اسكتوا، فسكتوا، فقال: أيّها الناس، هل تعتدون على محمد بقطعٍ منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدًا من قوّادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك! قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتُم عدوّه على اضطهاده وأسره! أما والله ما قَتَلَ قومٌ خليفتَهم قطّ إلا سلّط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف، انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه، وقاتلوا مَنْ أراد خلعه والفتك به. ونهضت الحربيَة، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض في المشهّرات والعُدّة الحسنة. فقاتلوا الحسين بن عليّ وأصحابَه قتالًا شديدًا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، وأكثروا في أصحابه الجِراح، وأسِر الحسين بن عليّ، ودخل أسد الحربيّ على محمد، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب
[ ١٢ / ٧٩ ]
والجند، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من السلاح الذي في الخزائن حاجتَهم ووعدهم ومنّاهم، وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحًا كثيرًا ومتاعًا من خَزّ وغير ذلك، وأتِيَ بالحسين بن عليّ، فلامه محمد على خلافه وقال له: ألم أقدّم أباك على الناس، وأُوَلِّهِ أعنّة الخيل وأملأ يده من الأموال، وأشرّف أقداركم في أهل خراسان، وأرفع منازلَكم على غيركم من القوّاد! قال: بلى، قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلع طاعتي، وتؤلّب الناس عليّ، وتندبهم إلى قتالي! قال: الثقة بعفو أميرِ المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله. قال: فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، وولَاك الطلب بثأرِك، ومن قتِل من أهل بيتك. ثم دعا له بخِلعة فخلعها عليه، وحمله على مراكب، وأمره بالمسير إلى حُلوان، وولّاه ما وراء بابه.
وذُكر عن عثمان بن سعيد الطائي، قال: كانت لي من الحسين بن عليّ ناحية خاصّة، فلما رضي عنه محمد، وردّ إليه قيادتَه ومنزلتَه، عبرت إليه مع المهنئين، فوجدته واقفًا بباب الجسر، فهنّاته ودعوت له، ثم قلت له: إنكَ قد أصبحتَ سيّد العسكرين، وثقة أميرّ المؤمنين، فأشكر العفو والإقالة، ثم داعبتُه ومازحته، ثم أنشأت أقول:
همُ قتَلوه حين تَمَّ تمامُه وصار مُعَزًّا بالنَّدَى والتَّمَجُّدِ
أَغَرُّ كأَنَّ البدرَ سُنَّةُ وَجْهِه إِذا جاءَ يمشي في الحديد المُسرّد
إذا جَشَأَت نفسُ الجَبانِ وَهَلَّلتْ مَضَى قُدُمًا بالمَشرَفيّ المُهَنَّدِ
حليمٌ لدَى النادِي جَهُولٌ لَدى الوغَى عَكورٌ على الأَعدَاء قليلُ التَّزَيدِ
فثَأرَكَ أَدرِكْهُ مِنَ القَوم إنَّهمْ رَموكَ على عَمْدٍ بِشَنعضا مُزَنّدِ
فضحك، ثم قال: ما أحرصتني على ذاك إن ساعدني عُمْر، وأيِّدت بفتْح ونَصْر. ثم وقف على باب الجسر، وهرب في نفر من خدمه ومواليه، فنادى محمد في الناس، فركبوا في طلبه، فأدركوه بمسجد كوثر، فلما بصر بالخيل نزل وقيّد فرَسه، وصلى ركعتين وتحرّم، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في محلِّها يهزمهم ويقتل فيهم. ثم إنّ فرسه عثر به وسقط، وابتدره الناس طعنًا وضربا وأخذوا رأسه، وفي ذلك يقول عليّ بن جبلة - وقيل الخرَيميّ:
أَلا قاتَلَ اللهُ الأُلَى كفروا به وفازوا برأس الْهَرْثمِيِّ حُسَيْنِ
[ ١٢ / ٨٠ ]
لقد أَورَدُوا منهُ قناةً صليبةً بشَطبٍ يَمانيَّ ورمحِ رُدَيْني
رَجا في خِلافِ الحقِّ عِزًّا وِإمْرَةً فأَلبسهُ التأْمِيلُ خُفَّ حُنَين
وقيل: إن محمدًا لما صفح عن الحسين استوزره ودفع إليه خاتمه.
وقتل الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه السنة في مسجد كوثر، وهو على فرسخ من بغداد في طريق النّهرين.
وجدّد البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة، وكان حبس الحسين محمدًا في قصر أبي جعفر يومين.
وفي الليّلة التي قتِل فيها حسين بن عليّ هرب الفضل بن الربيع (١).
وفي هذه السنة توجّه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هَرْثمة من حُلوان إلى الأهواز، فقتَل عامل محمد عليها، وكان عامله عليها محمد بن يزيد المهلبيّ بعد تقديم طاهر جيوشًا أمامه إليها قبل انفصاله إليه لحربه.
_________________
(١) هذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (٤٢٨ - ٤٢٩ - ٤٣٠ - ٤٣١ - ٤٣٢) ولبعضه ما يؤيده فقد ذكره غير واحدٍ مختصرًا فقد قال ابن قتيبة الدينوري: (ووثب الحسين بن علي بن عيسى) في جماعة بـ (بغداد)، فدخل على (محمد) وهو في (الخُلد) وأخذه وحبسه في بُرج من أبراج مدينة (أبي جعفر)، فتقوّضت عساكر (محمد) من جميع الوجوه، وتغيّب (الفضلُ بن الربيع) يومئذ فلم يُرَ له أثر. حتى دخل (المأمون) (بغداد) فأرسل (الحُسين بن عليّ) إلى (هَرثمة) و(طاهِر) يحثُهما على الدخول إلى (بغداد) ووثب: (أسدٌ الحربيّ) وجماعة، فاستخرجوا (محمدًا) وولده، واعتذروا إليه. وأخذوا (الحُسين بن علي) فأَتوه به، فعفا عنه بعد أن اعترف بذنبه وتاب منه. وأقرّ أنه مَخدوع مَغرور، فأطلقه. فلما خرج من عنده وعبَر الجسر، نادى: يا مأمون! يا منصور! وتوجه نحو (هرثمة) وتوجهوا في طلبه فأدركوه بقرب نهر (تِير)، فقتلوه وأتوا (محمدًا) برأسه. [المعارف/ ١٩٦ - ١٩٧]. وكذلك أخرجه ابن عساكر مختصرًا جدًّا في [ترجمة الأمين/ تأريخ دمشق/ تر ٧١٠٠]. وأما هرب الفضل بن الربيع واختفاؤه بعد مقتل الحسين بن علي فكذلك ذكره الجهشياري إذ قال في كتابه [الوزراء والكتاب:]. ولما رأى الفضل بن الربيع قوة أمر المأمون، واتصال ضعف محمد وتخليطه، وانفلال الناس عنه، وتَمَزق الأموال التي كانت في يده استتر في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. [الوزراء والكتاب/ ٣٠٢].
[ ١٢ / ٨١ ]