فما قيل في هجائه:
لِمْ نُبَكِّيك لِماذا؟ للطَّربْ! يا أبا موسى وَتَرْوِيج اللَّعِبْ
وَلتَرْكِ الخمْسِ في أوقاتِهَا حَرَصًا مِنكَ على ماء العِنَبْ
وَشَنيفٍ أَنا لا أَبكي لَهُ وعَلى كوثرَ لا أَخشى الْعَطَبْ
لَمْ تكُنْ تَعرفُ ما حدّ الرِّضا لا ولا تَعْرفُ ما حَدُّ الغَضَبْ
لم تكن تَصلُحُ للمُلكِ ولَمْ تُعطكَ الطاعةَ بالمُلك الْعَرَبْ
أَيُّها الباكِي عَلَيْهِ لا بكتْ عينُ مَنْ أَبكاكَ إلَّا لِلعَجَبْ
لِمْ نُبَكِّيكَ لمِا عَرَّضتَنا للمجانيق وَطَوْرًا للسَّلَبْ
ولقومٍ صَيَّرونَا أَعبُدًا لهمُ يَنزو على الرأس الذَّنَب
فِي عذابٍ وحصارٍ مُجهدٍ سَدَّد الطُرقَ فَلَا وَجْهَ طَلَبْ
زَعمُوا أَنَّكَ حيٌّ حاشِرٌ كُلُّ مَنْ قَالَ بهذَا قَدْ كَذَبْ
لَيْتَ مَنْ قَدْ قَالهُ في وَحْدَةٍ مِنْ جميع ذاهب حيثُ ذَهَبْ
أَوجَب اللهُ عَلَيْنَا قَتلَه فإذا ما أَوْجَبَ الأَمرَ وَجَبْ
كانَ والله عَلينا فتنة غَضِبَ الله عَلَيْهِ وَكَتَبْ
وقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكي بغداد، ويهجو طاهرًا ويعرض به:
مَنْ ذا أصابكِ يا بَغدادُ بالعينِ أَلمْ تكُونِي زَمانًا قرّة العينِ!
ألم يكن فِيكِ أقوامٌ لهم شرف بالصالحات وبالمعروف يلقوني
ألم يكن فيك قومٌ كان مسكنُهمْ وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْنِ
صاحَ الزمانُ بهمْ بالبيْن فانقرضُوا ماذَا الَّذِي فَجعَتْني لوعةُ الْبَينِ
أَستوْدِعُ اللهَ قومًا ما ذكرتهُمُ إلا تحَدَّرَ ماءُ العيْن مِنْ عَيْنِي
كانُوا ففرَّقَّهم دهرٌ وصدَّعهمْ والدَّهرُ يصدعُ ما بينَ الفريقينِ
كم كانَ لِي مسعدٌ منهم على زمني كمْ كان منهم على المعروف من عونِ
[ ١٢ / ١٤٣ ]
لله درُّ زمانٍ كان يجمعنُا أينَ الزمانُ الَّذي ولَّى ومِنْ أينِ!
يا مَنْ يُخَرّبُ بغدادًا ليعْمرَها أهلكتَ نفسكَ ما بين الطريقيْن
كانت قلوبُ جميعِ الناس واحِدَةً عيْنًا، وليس لكون العيْن كالدَّينِ
لمَّا أَشَتَّهُمُ فرَّقتهُمُ فرقًا والنَّاُس طُرًا جميعًا بينَ قلبيْن
وذكر عمر بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمي حدثه، أن لبانة ابنة علي بن المهدي قالت:
أَبكيكَ لا للنَّعيم والأنْس بلِ للمعَالي والرُّمح والتُّرس
أبكِي على هالكٍ فجعْتُ بهِ أَرْملني قبلَ ليْلة العُرس
وقد قيل إن هذا الشعر لابنة عيسى بن جعفر، وكانت مملكة بمحمد.
وقال الحسين بن الضحاك الأشقر، مولى باهلة، يرثي محمدًا، وكان من ندمائه، وكان لا يصدق بقتله، ويطمع في رجوعه:
يا خيرَ أسرتِهِ وإنْ زعمُوا إِنِّي عليْكَ لمُثْبَتٌ أسِفُ
اللهُ يعلمُ أنَّ لي كبدًا حَرَّى عليك ومُقلَةً تكِفُ
ولئنْ شَجِيتُ بما رُزئتُ به إنِّي لأضمِرُ فوق ما أصِفُ
هلَّا بَقيتَ لسَدِّ فاقتنا أبدًا، وكان لغيركَ التلَفُ!
فلقد خلَفْتَ خلائفًا سلَفُوا ولَسوفَ يُعْوزُ بعَدكَ الخَلَفُ
لا باتَ رهطُكَ بَعدَ هفوتِهمْ إنِّي لِرهطكَ بعدها شَنِفُ
هَتكوا بحُرمتكَ التي هُتكتْ حرمَ الرَّسولِ ودونَها السُّجفُ
وثبتْ أقَاربكَ التي خذلَت وجميعها بالذُّلِّ معترفُ
لم يفعلوا بالشَّطِّ إذ حضرُوا ما تفعلُ الغيرانةُ الأنفُ
ترَكوا حَريمَ أبيهمُ نفلًا والمحصناتُ صوارخٌ هتفُ
أبدتْ مُخلخلها على دَهش أبكارهنَّ وَرَنَّتِ النَّصفُ
سلبتْ معاجرهنَّ واجتليتْ ذاتُ النقابِ ونوزعَ الشَّنفُ
فكأنهنَّ خلالَ منتهبٍ درٌّ تكشَّفَ دونهُ الصدفُ
ملكٌ تخوَّنَ ملكهُ قدرٌ فوهَى وصرفُ الدَّهر مختلفُ
هيهاتَ بعدَك أن يدُومَ لنا عزٌّ وأن يَبقى لنا شرفُ
لا هيَّبُوا صُحُفًا مُشرَّفةً للغادرينَ وتحتْها الجدَف
[ ١٢ / ١٤٤ ]
أفبعدَ عهدِ اللهِ تقتله والقتلُ بعد أمانِهِ سرفُ
فَسَتَعْرِفون غدًا بعاقبةٍ عزَّ الإله فأَورِدوا وَقِفُوا
يا من يخون نومه أرق هدت الشجون وقلبه لهف
قد كنتَ لي أملًا غنِيتُ به فمضَى وحلّ محلّهُ الأَسَفُ
مرِجَ النظامُ وعادَ منكَرُنا عُرْفًا وأنكِر بَعدَكَ العُرُفُ
فالشملُ مُنتشرٌ لفَقدكَ والدّ نْيا سُدًى والبالُ مُنكسِفُ
وقال أيضًا يرثيه:
إذا ذُكِرَ الأمينُ نعَى الأَمينا وإن رقَدَ الخلِيُّ حمَى الجُفونَا
وما برحت منازلُ بين بُصرَى وكلواذى تهيّجُ لي شُجُونَا
عراصُ المُلك خاويةٌ تهادَى بها الأَرواحُ تَنسُجُها فُنُونا
تخوَّن عزَّ ساكِنها زمانٌ تلَعَّبَ بالقُرونِ الأوَّلينَا
فشتَّتَ شَمْلَهُمْ بعدَ اجتماعٍ وكُنتُ بِحُسْنِ ألفتِهِمْ ضَنِينا
فلم أَرَ بعدَهمْ حُسْنًا سواهُمْ ولمْ تَرَهُمْ عُيُونُ النَّاظِرينَا
فَوَ أسفا وإن شَمَتَ الأعادِي وآهِ عَلى أمير المُؤمِنينا
أضلَّ العُرْفَ بعدَكَ مُتبِعُوهُ وَرُفِّهَ عَنْ مَطَايَا الرَّاغِبينَا
وكنَّ إلى جَنابِكَ كلَّ يومٍ يَرُحْنَ على السُّعودِ ويغتَدِينا
هُوَ الجبَلُ الَّذي هَوَتِ المعالي لِهَدَّتِه وَرِيعَ الصَّالحُونَا
ستندُبُ بعدَكَ الدنيا جوارًا وتندُبُ بعْدكَ الدينَ المصُونَا
فَقَدْ ذهَبَتْ بشَاشَةُ كلّ شيءٍ وعادَ الدِّينُ مطرُوحًا مَهينَا
تعقَّد عِزُّ متصل بكِسْرى ومِلَّتِهِ وَذَلَّ المسلُمونَا
وقال أيضًا يرثيه:
أسفًا عليكَ سلاكَ أقربُ قربَةً مِنِّي وأحزَاني عليكَ تزيدُ
وقال عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثي محمدًا:
يا غرْبُ جودي قد بُتَّ من وذَمِهْ فَقَدْ فَقَدْنَا العزِيزَ من دِيَمِهْ
أَلوَت بِدُنْياك كفُّ نائبةٍ وصِرْتَ مُغضًى لنا على نِقمهْ
أصْبَحَ للموتِ عندنا علَمٌ يَضْحَكُ سِنُّ المَنُونِ من عَلَمِهْ
[ ١٢ / ١٤٥ ]
ما استنزَلَت دَرَّةُ المنونِ على أكرمِ من حلَّ في ثرَى رَحِمِةْ
خليفةُ الله في بريَّتِه تَقصُر أيدي المُلوكِ عن شِيمه
يفترّ عَنْ وجهِهِ سَنَا قمرٍ ينشقّ عن نُورِهِ دُجَى ظُلمِهْ
زُلزِلَتِ الأرضُ مِنْ جَوَانِبها إذْا أولِغَ السَّيْف من نجِيع دَمِهْ
مَن سكَتَتْ نفسهُ لمصرعهِ من عُمُم النَّاس أو ذوِي رحمهْ
رأيتُهُ مثلَ ما رآهُ به حَتى تذوقَ الأمَرَّ مِنْ سقَمِهْ
كَمْ قَدْ رأينا عزيزَ مملكَةٍ يُنقَلُ عن أهلِهِ وعَنْ خَدَمِه
يا مَلِكًا لَيْسَ بَعْدَهُ ملِكٌ لخاتَمِ الأَنبياءِ في أمَمِهْ
جادَ وحيَّا الذي أقمتَ به سَحٌّ غزيرُ الوكيفِ من دِيَمِهْ
لو أحجَمَ الموتُ عن أخي ثقَة أسْوِىَ في العِزِّ مستَوَى قَدَمِهْ
أو ملِكٍ لا تُرَامُ سطوَتُهُ إلَّا مُرامَ الشَّتيمِ في أجمِهْ
خلَّدَكَ العزُّ ما سَرَى سَدَفٌ أو قامَ طِفلُ العشيِّ في قدَمهْ
أصبحَ مُلكٌ إذا اتَّزرْتَ به يقرَعُ سِنّ الشُّقاةِ من ندمه
أثر ذو العرش في عِدَاكَ كما أثّر في عادِهِ وفي إرَمِه
لا يبعدِ الله سُورَةً تليتْ لخير داعٍ دعاه في حرمِه
ما كنت إلا كحُلم ذي حُلمٍ أولَج بابَ السُّرورِ في حُلمِه
حتَّى إذا أطلَقتْهُ رَقدَته عادَ إلى ما اعتراهُ من عَدَمِه
وقال أيضًا يرثيه:
أقولُ وَقَدْ دنوتُ منَ الفرارِ سُقيتَ الغيثَ يا قصرَ القرارٍ
رمتكَ يدُ الزمانِ بسهم عين فصرتَ ملوَّحًا بدخانِ نارِ
أبنْ لي عَنْ جميعكَ أينَ حلُّوا وأينَ مزارُهم بعدَ المزارِ
وأينَ محمدٌ وابناهُ ما لي أرَى أطلالهُمْ سودَ الديارِ!
كأن لم يؤنَسُوا بأَنيس مُلكٍ يصونُ على المُلُوك بخيْر جارِ
إمامٌ كان في الحِدثانِ عونًا لَنَا والغيثَ يَمْنَحُ بالقِطَارِ
لَقَدْ تَرَكَ الزَمَانُ بني أبِيهِ وقد غمرتهمُ سُودُ البِحَارِ
أضاعُوا شمسهمْ فجرت بنَحْسٍ فصارُوا في الظَّلَام بلا نهارِ
وأجْلَوْا عنهمُ قمرًا مُنيرًا وداستهمْ خيُولُ بني الشِّرار
[ ١٢ / ١٤٦ ]
ولو كانُوا لهم كفوًا وَمثلًا إذَّا مَا تُوِّجُوا تِيجانَ عارِ
ألا بانَ الإِمامُ ووارثاه لَقَدْ ضرَما الحشَا منَّا بنار
وقالوا الخُلدُ بيعَ فقلتُ ذلًا يَصيرُ ببائعيهِ إلى صَغَارِ
كذاكَ المُلكُ يتبع أوّليهِ إذا قُطعَ القرَارُ منَ القرَارِ
وقال مقدِّس بن صيفي يرثيه:
خليلي ما أتتكَ به الخطوبُ فقد أعطتكَ طاعتهُ النحيبُ
تدلَّتْ مِنْ شماريخِ المنايَا مَنَايا ما تقومُ لها القلوبُ
خلال مقابرِ البستانِ قبرٌ يجاورُ قبرهُ أسدٌ غريبُ
لقد عَظمَتْ مُصيبتُه عَلى مَنْ له في كلِّ مَكْرُمَةٍ نصيبُ
على أمثالهِ العبراتُ تذرَى وتهتكُ في مآتمِهِ الجيوبُ
وما اذَّخرَتْ زبيدةُ عنهُ دمعًا تخصُّ به النَّسيبةُ والنَّسيبُ
دعُوا مُوسى ابنَه لِبكَاءِ دَهرٍ على مُوسى ابنِهِ دَخَلَ الخريب
رأيتُ مشاهدَ الخلفاء منهُ خلاءً ما بساحتِها مجيبُ
ليهنِكَ أنَّني كهلٌ عليه أذوبُ وفي الحشا كبدٌ تذوبُ
أصيبَ به البعيدُ فخرَّ حُزْنًا وعاين يومَهُ فيهِ المريبُ
أنادى مِنْ بطونِ الأرضِ شخصًا يحرِّكُهُ النِّدَاءُ فما يُجيبُ
لئن نعتِ الحُرُوبُ إليه نفسًا لقَدْ فُجِعَتْ بمصرعِهِ الحروبُ
وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر:
لخيْرِ إمامٍ قامَ من خيْر عُنصرِ وأفضَل سامٍ فوقَ أعوادِ منْبر
لوارِثِ علمِ الأولينَ وفهمِهِم وللملِكِ المأمونِ من أمِّ جعفرِ
كتبْتُ وعينِي مُستَهِلٌّ دموعُها إليك ابنَ عمِّي من جُفوني ومَحجري
وقد مسَّني ضرٌ وذلٌّ كآبةٍ وأرَّقَ عيني يا بنَ عمِّي تفكري
وهِمتُ لما لاقيْتُ بعدَ مُصابِه فأَمري عظيم منكر جدَّ منكر
سأشكو الذي لا قيتُهُ بعدَ فقدِهِ إليْكَ شكاةَ المستهامِ المقَهَّر
وأرجُو لما مرَّ بي مُذْ فَقَدْته فأنت لبثي خيرُ ربٍّ مغير
أتى طاهرٌ لا طهَّرَ اللهُ طاهرًا فما طاهر فيما أتَى بمطَهَّرِ
فأخرجني مكشوفَةَ الوجهِ حاسرًا وأنهَبَ أموالي وأحرقَ آدرِي
[ ١٢ / ١٤٧ ]
يعزُّ على هارونَ ما قَدْ لقيتُهُ وما مَرَّ بي من ناقِص الخلقِ أعور
فإن كَانَ ما أسدَى بأمرٍ أمرتَه صَبرتُ لأمرٍ مِنْ قَدِير مقدِّر
تَذَكَّر أميرَ المؤمنينَ قرابتي فديتك من ذي حرمةٍ متذكِّر
وقال أيضًا يرثيه:
سُبحانَ ربِك رب العزَّة الصمدِ ماذا أصبنَا بِهِ في صُبْحَةِ الأحَدِ
وَمَا أُصيبَ به الإسلامُ قاطبةً من التَّضعضع في ركنَيْهِ والأَوَدِ
مَنْ لم يُصَبْ بأمير المؤمنين وَلَمْ يُصبِحْ بمهلُكةٍ والهَمُّ في صُعُد
فَقَدْ أصِبتُ به حتى تبين في عَقلِي وديني وفي دنيايَ والْجَسَدِ
يا ليلةً يشتكي الإسلامُ مُدَّتها والعالَمون جميعًا آخر الأبدِ
غدرت بالملك الميمون طائرهُ وبالإمام وبالضرغامةِ الأَسدِ
سارتِ إلَيْهِ المنايا وهْي تَرْهبُه فواجهتْهُ بأوغادٍ ذوي عددِ
بشُورجينَ وأغتامٍ يقودُهُم قريش بالبيضِ في قُمْصٍ من الزَّرَدِ
فصادَفُوه وحيدًا لا مُعينَ لَهُ عليهمُ غائبَ الأنصار بالمددِ
فجرَّعوه المنَايَا غيرَ ممتنِعٍ فردًا فيا لكَ من مستسلم فردِ
يلقَى الوجوهَ بوجهٍ غير مبتذلٍ أبهَى وأنقَى من القوهيةِ الجدُدِ
واحسرتَا وقريشٌ قد أحاطَ به والسيفُ مُرتعِدٌ في كفِّ مرتعِد
فما تَحَرَّكَ بَلْ مازالَ منتصبًا منكَّسَ الرّأَس لم يبدِي ولمْ يُعِدِ
حتى إذا السيف وافى وسطَ مفرقِه أذرتْهُ عنهُ يداه فعلَ متَّئد
وقام فاعتلقتْ كَفَّاُه لبَّته كضيغمٍ شرسٍ مستبسلٍ لبدِ
فاحتزَّهُ ثم أهوىِ فاستقلَّ به للأرضِ من كفِّ ليثٍ محرجٍ حردِ
فكادَ يقتلُهُ لَوْ لمْ يكاثِرهُ وقام منفلتًا منْه ولمْ يكدِ
هذا حديثُ أمير المؤمنينَ وما نقصتُ من أمرهِ حرفًا ولَمْ أزدِ
لا زلتُ أندُبه حتَّى المماتِ وإن أخنَى عليه الَّذي أخنَى على لبدِ (١).
_________________
(١) هذه القصائد في مراثي الأمين استغرقت الصفحات (٥٠١ - ٥٠٢ - ٥٠٣ - ٥٠٤ - ٥٠٥ - ٥٠٦ - ٥٠٧) ذكر المسعودي بعضها في تأريخه وكذلك ابن الأثير في الكامل، وقال الحافظ ابن كثير وقد ذكر ابن جرير مراثي كثيرة للناس في الأمين وذكر من أشعار الذين هجوه طرفًا (البداية والنهاية ٨/ ١٤٦).
[ ١٢ / ١٤٨ ]
وذكر عن الموصلي أنه قال: لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرياستين، وقال: سلَّ علينا سيوف الناس وألسنتهم؛ أمرناه أن يبعث به أسيرًا فبعث به عقيرًا! وقال له المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه؛ فكتب الناس فأطالوا، وجاء أحمد بن يوسف بشبر من قرطاس فيه:
أما بعد؛ فإن المخلوع كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصم الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين؛ يقول الله ﷿ حين اقتص علينا نبأ ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فلا طاعة لأحد في معصية إذا كانت القطيعة في جنب الله. وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وردّاه رداء نكثه، وأحْصد لأمير المؤمنين أمرَه، وأنجز له وعده، وما ينتظر من صادق وعده حين ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها (١).
* * *
_________________
(١) هذا الخبر الذي ذكره الطبري عن الموصلي ويعني به إسحاق أو أبوه إبراهيم ذكره الجهشياري بروايتين إذ قال في الأولى دون إسناد: ولما قتل طاهر محمدًا المخلوع، أنفذ رأسه إلى المأمون؛ فقال الفضل بن سهل: ما فعل بنا طاهر؟ سَلَّ علينا سيوف النّاس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به أسيرًا، فبعث به عَقِيرًا! (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤). وأخرج الجهشياري قال: وذكر عليّ بن أبي سعيد أنه رأى رأس محمد وقد أدخله ذو الرياستين على تُرْس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد، ثم أمره المأمون أن ينشى كتابًا عن طاهر بخبره، ليقرأه على الناس؛ فكتب عدة كتب لم يرضها واستطالها، فكتب أحمد بن يوسف في ذلك كتابًا نُسْخَتُه: "أما بعد، فإِن المخلوع وان كان قَسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرّق حكم الكتاب والسُّنة بينه وبينه في الولاية والحُرْمة، لمفارقته عِصْمة الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين، تقُولُ الله ﷿ فيما اقتصّ علينا من نَبَأ نوح: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، ولا صِلَة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، ورَدَّأَهُ رِدْءَ نكْثه، وأحصَدَ لأمير المؤمنين أمره، وأَنجز له ما كان ينتظره من وعده؛ فالحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلومَ حقه، الكائد له مَنْ خَتَرَ عَهْدَه، ونقض عَقْدَه، حتى ردّ اللهُ به الألفة بعد فرقتها، وأحيا به الأعلام بعد دُرُوسها، وجمع به الأمة بعد فرقتها، والسلام" (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).
[ ١٢ / ١٤٩ ]