ولما حمل هرثمة عليًّا إلى الرّشيد، كتب إليه كتابًا يخبره ما صنع؛ نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإن الله ﷿ لم يزل يبلي أمير المؤمنين في كلّ ما قلده من خلافته، واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجملَ البلاء وأكملَه، ويعرّفه في كلّ ما حضره ونأى عنه من خاصّ أموره وعامّها، ولطيفها وجليلها أتمّ الكفاية وأحسن الولاية، ويعطيه في ذلك كلِّه أفضل الأمنيَّة، ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة، امتنانًا منه عليه، وحفظًا لَما جعل إليه، مما تكفّل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته؛ فيستتم الله أحسن ما عوّده وعوّدنا من الكفاية في كلّ ما يؤدّينا إليه، ونسأله توفيقنا لما نقضي به المفترَض من حقِّه في الوقوف عند أمره، والاقتصار على رأيه.
ولم أزل أعزّ الله أمير المؤمنين، مذ فصَلت عن معسكر أمير المؤمنين ممتثلًا ما أمرني به فيما أنهضني له؟ لا أجاوز ذلك ولا أتعدّاه إلى غيره، ولا أتعرّف اليُمْن والبركة إلا في امتثاله؛ إلى أن حللتُ أوائل خُراسان؛ صائنًا للأمر الذي أمرني أمير المؤمنين بصيانته وستِره؛ لا أفضي ذلك إلى خاصتي ولا إلى عامتي، ودبّرتُ في مكاتبة أهل الشاش وفرْغَانة وخزْلهما عن الخائن، وقطع طمعه وطمع مَنْ قِبَله عنهما، ومكاتبة مَنْ ببلْخ بما كنتِ كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسّرت له، فلما نزلت نيسابور عملتُ في أمر الكُور التي اجتزت عليها بتولية مَنْ ولّيت
[ ١١ / ٢٥٠ ]
إليها، قبل مجاوزتي إياها؛ كجرجان ونَيْسَابور ونَسَا وَسَرَخْس، ولم آلُ الاحتياط في ذلك، واختيار الكفاءة وأهل الأمانة والصّحة من ثقات أصحابي، وتقدّمت إليهم في ستر الأمر وكتمانه، وأخذت عليهم بذلك أيمانَ البَيْعة، ودفعت إلى كلّ رجل منهم عهدَه بولايته، وأمرتهم بالمسير إلى كوَر أعمالهم على أخفى الحالات وأسترها، والتَشبّه بالمجتازين في وُرودهم الكُوَر ومقامهم بها إلى الوقت الذي سَمَّيتُ لهم؛ وهو اليوم الذي قدّرت فيه دخولي إلى مَرْو، والتقائي وعليّ بن عيسى، وعملت في استكفائي إسماعيل بن حفص بن مصعب أمرَ جُرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين، فنفذ أولئك العمال لأمري، وقام كلُّ رجل منهم في الوقت الذي وُقِّتَ له بضبط عمله وإحكام ناحيته، وكفى الله أميرَ المؤمنين المؤنةَ في ذلك، بلطيف صنعه.
ولما صرت من مدينة مَرْو على منزل، اخترت عِدّةً من ثقات أصحابي، وكتبت بتسمية ولد عليّ بن عيسى وكتّابه وأهل بيته وغيرهم رقاعًا، ودفعت إلى كلِّ رجل منهم رُقعة باسم مَنْ وكّلتُه بحفظه في دخولي، ولم آمن لو قصّرت في ذلك وأخّرته أن يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار، فعملوا بذلك، ورحلت عن موضعي إلى مدينة مَرْو، فلما صرت منها على ميلين تلقّاني عليّ بن عيسى في وَلدِه وأهل بيته وقوّاده، فلقيته بأحسن لقاء، وآنسته، وبلغتُ من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أوّل ما بصرت به ما ازداد به أنسًا وثقة، إلى ما كان رَكن إليه قبل ذلك؛ مما كان يأتيه من كتبي؛ فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال منّي له والالتماس، لإلقاء سوء الظنّ عنه؛ لئلا يسبق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في أمره، وأمرني به في ذلك. وكان الله ﵎ هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمرَ فيه إلى أن ضمني وإياه مجلسه، وصرت إلى الأكل معه، فلمّا فرغنا من ذلك بدأنِي يسألني المصيرَ إلى منزل كان ارتاده لي؛ فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها. ثم دفع إليه رجاء الخادم كتابَ أمير المؤمنين وأبلغه رسالتَه، فعلبم عند ذلك أن قد حلّ به الأمر الذي جناه على نفسه، وكسبته يداه؛ من سخط أمير المؤمنين، وتغيّر رأيه بخلافِه أمره وتعدّيه سيرته.
ثم صرت إلى التوكيل به، ومضيت إلى المسجد الجامع، فبسطت آمال
[ ١١ / ٢٥١ ]
الناس ممن حضر، وافتتحت القول بما حمّلني أمير المؤمنين إليهم، وأعلمتهم إعظامَ أمير المؤمنين ما أتاه، ووضح عنده من سوء سيرة عليّ، وما أمرني به فيه وفي عمّاله وأعوانه؛ وإني بالغٌ من ذلك ومن إنصاف العامّة والخاصّة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم. وأمرت بقراءة عهدي عليهم، وأعلمتهم أنّ ذلك مثالي وإمامي؛ وأنِّي به أقتدي، وعليه أحتذي؛ فمتى زلتُ عن باب واحد فقد ظلمتُ نفسي، وأحللت بها ما يحلّ بمن خالف رأي أمير المؤمنين وأمرَه؛ فأظهروا السرور بذلك والاستبشار، وعلتْ بالتكبير والتهليل أصواتُهم، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.
ثم انكفأت إلى المجلس الذي كان عليّ بن عيسى فيه، فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتّابه وعماله والاستيثاق منهم جميعًا، وأمرتهم بالخروج إليّ من الأموال التي احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفيء المسلمين، وإعفائي بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب، وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم. فحملوا إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدرًا صالحًا من الوَرق والعيْن، وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قِبلهم، واستنظاف ما وراء ظهورهم، ويسهّل الله من ذلك أفضلَ ما لم يزل يعوّده أمير المؤمنين من الصّنع في مثله من الأمور التي يعنى بها إن شاء الله تعالى.
ولم أدعّ عند قدومي مَرْو التقدّم في توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة في الإعذار والإنذار، والتبصير والإرشاد، إلى رافع ومَنْ قِبَلْه من أهل سَمَرْقَند، وإلى مَنْ ببلْخ، على حسن ظنّي بهم في الإجابة، ولزوم الطاعة والاستقامة؛ ومهما تنصرفْ به رسلي إليّ يا أمير المؤمنين من أخبار القوم في إجابتهم وامتناعهم، أعملْ على حسبه من أمرهم، وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقِّه وصدقه. وأرجو أن يعرّف الله أميرَ المؤمنين في ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته؛ ما لم تزل عادته جارية به عنده، بمنِّه وطوله وقوّته والسلام.