قال: وفيهم يقول الرّقاشيّ، وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس:
الآنَ استرحنا واستراحت ركابُنَا وأَمسَكَ من يُجْدِي ومن كانَ يَجْتَدِي
فَقُلْ لِلمَطَايا قد أَمِنتِ من السُّرَى وطَيّ الفيافي فَدْفَدًا بعدَ فَدفَدِ
وقُلْ للمَنايا: قد ظَفِرتِ بجَعْفرٍ ولن تَظفَرِي من بعدهِ بمُسَوَّدِ
وقُلْ للعطايا بَعدَ فضلٍ تَعَطَّلِي وقُلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجَدَّدي
ودُونَكِ سيفًا برمكيًّا مُهَنَّدًا أُصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مُهَنَّدِ
وفيهم يقول في شعر له طويل:
إِن يغدُر الزَّمَنُ الخَؤون بنا فَقدْ غَدَرَ الزَّمَان بجعفرٍ ومُحَمَّدِ
حَتَّى إِذا وضح النهارُ تكشَّفَتْ عن قتلِ أَكْرَمِ هَالك لم يُلحَدِ
والبيضُ لوْلا أَنَّهَا مأْمُورةٌ ما فُلَّ حدُّ مُهَنَّدٍ بمهنَّد
يا آلَ برمَكَ كَمْ لكُمْ من نائِلٍ ونَدىً، كَعَدِّ الرَّملِ غيْرَ مُصَرَّدِ
[ ١١ / ٢٢٩ ]
إِنَّ الخليفةَ - لا يُشكُّ - أَخوكُمُ لكنَّه في برمَكٍ لم يُولَدِ
نازعتموه رضاعَ أَكرم حُرَّةٍ مخلوقَةٍ من جَوْهرٍ وزبرجدِ
مَلكٌ له كانت يدٌ فَيَّاضَةٌ أَبدًا تَجودُ بطارفٍ وبمُتلَدِ
كانت يدًا للجودِ حتى غلَّها قَدَرٌ فأَضحى الجود مغلولَ اليدِ
وفيهم يقول سيف بن إبراهيم:
هوَت أَنجُمُ الجَدوَى وشَلَّت يدُ النَّدَى وغاضَت بُحورُ الجودِ بعدَ البرامِكِ
هوت أَنجمٌ كانت لأَبناء برمكٍ بها يعرِفُ الحادي طريقَ المسالكِ
وقال ابن أبي كريمة:
كلُّ مُعيرٍ أعِيرَ مَرتَبَةً بعدَ فتى برمكٍ على غَرَرِ
صالَت عليه من الزمان يدٌ كان بها صائلًا على البَشرِ
وقال العطويّ أبو عبد الرحمن:
أَمَا والله لولَا قولُ واشٍ وعَينٌ للخليفة لا تنامُ
لطُفْنَا حَوْلَ جِذعكَ واستلَمْنا كما للنَّاس بالحَجِر اسْتلامُ
علَى الدنيا وَساكنِها جميعًا وَدَوْلَةِ آل برمكٍ السّلامُ
وفي قتل جعفر قال أبو العتاهة:
قُولا لمنْ يَرْتَجِي الحياةَ أمَا في جَعْفرٍ عِبرَةٌ وَيَحياهُ!
كانَا وَزيرَيْ خليفة الله ها رونَ همَا ما هما خليلَاهُ
فذاكُم جعفرٌ برُمَّتِهِ في حالق رَأسُهُ ونِصفاهُ
والشيخُ يحيى الوزيرُ أَصبحَ قد نحَّاهُ عن نفْسِه وَأَقصاهُ
شُتِّتَ بعدَ التجميع شملُهُمُ فأَصْبَحُوا في البلاد قد تاهُوا
كذاكَ مَن يُسْخِطِ الإِلَه بما يُرضِي به العبدَ يَجزهِ اللهُ
سبْحانَ من دانَتِ الملوك له أَشهدُ أَن لا إله إِلا هُو
طُوبَى لمن تابَ بعدَ غِرَّتِهِ فتابَ قبلَ المماتِ، طُوبَاهُ!
* * *
قال: وفي هذه السنة هاجت العصبيّة بدمشق بين المضريَّة واليمانية، فوجَّه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم.
وفيها زُلزلت المَصِّيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة الليل.
[ ١١ / ٢٣٠ ]
وفيها خرج عبد السلام بآمِد، فحكّم، فقتله يحيى بن سعيد العُقَيْليّ.
وفيها مات يعقوب بن داود بالرّقَّة.
وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه.
* ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه:
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن، كان من رجال الناس، وكان عبد الملك يكنى به؛ وكان لابنه عبد الرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبد الملك وقُمامة، فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع؛ فذُكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه، فقال له الرّشيد: أكفرًا بالنعمة، وجحودًا لجليل المنّة والتكرمة! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لقد بؤتُ إذًا بالندم، وتعرّضت لاستحلال النِّقم؛ وما ذاك إلا بغيُ حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله - ﷺ - في أمَّته، وأمينُه على عِترته، لك فيها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدْل في حكمها والتثبّت في حادثها، والغفران لذنوبها. فقال له الرشيد: أتَضع لي من لسائك، وترفع لي من جنانك! هذا كاتبك قُمامة يخبر بغلّك، وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده؛ ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني. وأحضِر قُمامة، فقال له الرشيد: تكلَّم غير هائب ولا خائف، قال: أقول: إنه عازم على الغدْر بك والخلاف عليك، فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة! قال قمامة: نعم، لقد أردتَ ختْل أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: كيف لا يكذِب عليّ من خلفي وهو يبهتني في وجهي! فقال له الرّشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك وفساد نيَّتك، ولو أردتُ أن أحتجّ عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك، فبم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بن صالح: هو مأمور، أو عاقّ مجبور؛ فإن كان مأمورًا فمعذور، وإن كان عاقًّا ففاجر كفور؛ أخبر الله ﷿ بعداوته، وحذّر
[ ١١ / ٢٣١ ]
منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١).
قال: فنهضَ الرشيد، وهو يقول: أمّا أمرك فقد وَضح؛ ولكني لا أعجَل حتى أعلم الذي يُرضي الله فيك؛ فإنه الحكم بيني وبينك. فقال عبد الملك: رضيتُ بالله حكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكمًا؛ فإني أعلم أنه يُؤثر كتابَ الله على هواه، وأمرَ الله على رضاه.
قال: فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلَّم لما دخل، فلم يردّ عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يومًا أحتجّ فيه، ولا أجاذب منازعًا وخصمًا. قال: ولمَ؟ قال: لأنّ أوله جرى على غير السنَّة؛ فأنا أخاف آخره. قال: وما ذاك؟ قال: لم تردّ عليّ السلام، أنصفْ نَصفة العوام. قال: السلام عليكم؛ اقتداء بالسنة، وإيثارًا للعدل، واستعمالًا للتحية. ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:
أريدُ حيَاتَهُ ويُريدُ قتلى البيت.
ثم قال: أما والله لكأني أنظرُ إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع؛ وكأني بالوعيد قد أورى نارًا تَسْطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم؛ فمهلًا؛ فَبِي والله سُهِّل لكم الوعْر، وصفاْ لكمِ الكدر، وألقت إليكم الأمورُ أثناء أزمَّتها، فنذار لكم نذار، قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرِّجْل. فقال عبد الملك: اتقّ الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلتُ لك النصيحة، ومحضتُ لك الطاعة، وشددت أواخِيَ ملكك بأثقل من رُكْنيْ يَلمْلَم، وتركتُ عدوّك مشتغلًا فالله اللهَ في ذي رحمِك أن تقطَعه، بعد أن بللتَه بظنّ أفصح الكتابُ لي بعضَه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويالَغُ الدم، فقد والله سهّلتُ لك الوعور، وذَلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من ليلِ تمام فيك كابدْتُه، ومقام ضيّق قمته؛ كنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:
وَمَقامٍ ضَيّق فَرَجتُه بِبَناني وَلساني وَجَدَلْ
_________________
(١) سورة التغابن: ١٤.
[ ١١ / ٢٣٢ ]
لو يقومُ الفيلُ أَو فَيَّالهُ زَلَّ عن مِثلِ مقامي وزَحَلْ
قال: فقال له الرّشيد: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقَك.
وذكر زيد بن عليّ بن الحسين العلويّ، قال: لمّا حبس الرشيد عبد الملك بن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك - وهو يومئذ على شُرطه - فقال: أفي إذن أنا فأتكلم؟ قال: تكلم، قال: لا، والله العظيم يا أمير المؤمنين، ما علمتُ عبدَ الملك إلا ناصحًا، فعلام حبستَه! قال: ويحك! بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابنيَّ هذين - يعني الأمين والمأمون - فإن كنتَ ترى أن نطلِقه من الحبس أطلقناه. قال: أمّا إذْ حبستَه يا أمير المؤمنين، فلست أرى في قرِب المدة أن تطلقه؛ ولكن أرى أن تحبسه محبسًا كريمًا يشبه محبس مثلِك مثله. قال: فإني أفعل. قال: فدعا الرّشيد الفضلَ بن الربيع، فقال: امضِ إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسِه، فقل له: انظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمُرْ به حتى يقام لك؛ فذكر قصته وما سأل.
قال: وقال الرّشيد يومًا لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلَّمه: ما أنت لصالح! قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان الجعديّ، قال: ما أبالي أيّ الفحْلين غلب عليّ؛ فحبسه الرّشيد عند الفضل بن الربيع، فلم يزل محبوسًا حتى تُوُفّي الرشيد، فأطلقه محمد، وعقد له على الشأم؛ فكان مقيمًا بالرّقة، وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه: لئن قتِل وهو حيّ لا يعطي المأمون طاعةً أبدًا. فمات قبل محمد، فدُفن في دار من دور الإمارة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له: حوّل أباك من داري، فنُبشَتْ عظامه وحُوّلت، وكان قال لمحمد: إن خفتَ فالجأ إليّ، فولله لأصوننَّك.
وذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بن خالد: إن عبد الملك بن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك، وقد علمتَ ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتُك إلى حالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما اطّلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطّلعت عليه لكنت صاحبه دونك؛ لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشرّ كان فيه عليّ ولي؛ فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمَع في ذلك مني! وهل كنتُ إذا فعلْتُ ذلك به يَفعل بي أكثر من فعلك! أعيذك بالله أن تظنّ بي هذا الظنّ؛ ولكنَّه كان
[ ١١ / ٢٣٣ ]
رجلًا محتملًا، يسرّني أن يكون في أهلك مثله، فوليتَه، لما أحمدت من مذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله. قال: فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه، فقال: إن أنت لم تقرّ عليه قتلتَ الفضل ابنك، فقال له: أنت مسلّط علينا فافعل ما أردت، على أنه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي، فبمَ يدخل الفضل في ذلك! فقال الرسول للفضل: قم؛ فإنه لا بدّ لي من إنفاذ أمير المؤمنين فيكَ؛ فلم يشكّ أنه قاتله، فودّع أباه، وقال له: ألستَ راضيًا عني؟ قال: بلى، فرضي الله عنك. ففرّق بينهما ثلاثة أيام؛ فلما لم يجد عنده من ذلك شيئًا جمعهما كما كانا.
وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل، لمَا كان أعداؤهم يقرِفونهم به عنده، فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما أعلمه، بلغ من يحيى، فأخرج ما في نفسه، فقال له: قل له: يُقتَل ابنُك مثله. قال مسرور: فلما سكن عن الرشيد الغضب، قال: كيف قال؟ فأعدت عليه القول، قال: قد خفت والله قولَه، لأنه قلَّما قال لي شيئًا إلا رأيتُ تأويله.
وقيل: بينما الرّشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح، إذ هتف به هاتف وهو يُساير عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، طأطئ من إشرافه وقصِّر من عنانه، واشدُدْ من شكائمه؛ وإلّا أفسد عليك ناحيته. فالتفت إلى عبد الملك، فقال: ما يقول هذا يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: مقال باغٍ ودسيس حاسد؛ فقال له هارون: صدقت، نَقَصَ القوم ففضلتَهم، وتَخَلَّفُوا وتقدّمتَهم؛ حتى برز شأوك، فقصّر عنه غيرُك؛ ففي صدورهم جَمرات التخلّف، وحزازات النقص. فقال عبد الملك: لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدًا دائمًا أبدًا.
وقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مرّ بمنبج وبها مستقر عبد الملك:
هذا منزلك؟ قال: هو لك يا أمير المؤمنين! ولي بك. قال: كيف هو؟، قال: دون بناء أهلي وفوق منازل منبج، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحرو كله.
وفي ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:
إِمامَ الهُدَى أَصبَحْتَ بالدِّينِ مَعْنِيًّا وأَصبَحتَ تسْقِي كلَّ مُسْتمطِرٍ رِيَّا
لك اسْمانِ شُقَّا مِنْ رَشادٍ وَمِنْ هُدىً فأَنْتَ الذِي تدعى رَشيدًا ومَهْدِيًّا
إِذا ما سَخِطْتَ الشَّيءَ كانَ مُسَخَّطًا وإنْ تَرْضَ شيئًا كانَ في الناس مَرْضِيًّا
[ ١١ / ٢٣٤ ]
بَسَطتَ لنا شَرْقًا وَغَرْبًا يَدَ العُلا فأَوْسَعْتَ شَرقِيًّا وَأَوْسعْتَ غَرْبِيًا
ووشَّيتَ وجْه الأَرضِ بالجُودِ والنَّدَى فأصبح وجْهُ الأَرضِ بالجودِ مَوْشيَّا
قَضَى اللهُ أَنْ يَصفُو لهارونَ مُلكُهُ وكَانَ قَضاءُ اللهِ في الخَلق مَقضِيّا
تحَلَّبَتِ الدنيا لهارونَ بالرِّضا فأَصبَحَ نِقْفُورٌ لهارونَ ذِمَيّا (١)
* ذكر الخبر عن سبب مقتله (٢).
ذُكر عن صالح الأعمى - وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نَهيك - قال: كان إبراهيم بن عثمان كثيرًا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعًا عليهم، وحبًّا لهم، إلى أن خَرج من حدّ البكاء، ودخل في باب طالبي الثأر والإحَن، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ، قال: يا غلام، سيفي ذا المنيّة - وكان قد سمى سيفه ذا المنيَّة - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه، ثم يقول: واجعفراه! واسيّداه! والله لأقتلنّ قاتلك، ولأثأرنّ بدمك عن قليل! فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عُثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله، فدخل الفضلَ فأخبر الرشيد، فقال: أدخله، فدخل، فقال: ما الذي قال الفضل عنك؟ فأخبره بقول أبيه وفعله، فقال الرشيد: فهل سمع هذا أحدٌ معك؟ قال: نعم خادمه نوال، فدعا خادمه سرًّا فسأله، فقال: لقد قال ذاك غير مرّة ولا مرتيْن، فقال الرّشيد: ما يحلّ لي أن أقتل وليًّا من أوليائي بقول غلام وخَصِيّ، لعلهما تواصَيا على هذه المنافسة؛ الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم لطول الصحبة، فترك ذلك أيامًا، ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تُزيل الشكَّ عن قلبه، والخاطر عن وهمِه، فدعا الفضلَ بن الربيع، فقال: إني أريد محنَة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه؛ فإذا رُفع الطعام فادع بالشراب، وقل له: أجب أميرَ المؤمنين فينادمك؛ إذْ كنت منه بالمحلّ الذي أنت به، فإذا
_________________
(١) هذه الأبيات مقحمة هنا وهي منسوبة لأبي العتاهية زورًا فالمعروف عن أبي العتاهية أنه شاعر زاهد ناسك والوعظ ظاهر في شعره وما كان يخشى أن يعظ الخليفة في مجلس نعيمه وعلى مائدة طعامه فكيف يقول في الرشيد هذه الأبيات التي تصفه بصفات تكاد تخرجه من البشرية والعياذ بالله راجع ما ذكر قي سيرة المنصور وما كاد الرشيد ليقبل بهذا التملق والمدح الخارج عن الحد ومن قرأ لأبي العتاهية يعلم أن هذه الأبيات ليست له. والله تعالى أعلم.
(٢) أي مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وأصل الخبر مذكور في القسم الصحيح.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
شرب فاخرج وخلِّنِي وإياه، ففعل ذلك الفضل بن الربيع؛ وقعد إبراهيم للشراب، ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام، فقال له الرشيد: مكانك يا إبراهيم، فقعد، فلما طابت نفسه، أومأ الرّشيد إلى الغلمان فتنحّوْا عنه، ثم قال: يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السرّ منك؟ قال: يا سيّدي إنما أنا كأخصّ عبيدك، وأطوع خدمك؛ قال: إنّ في نفسي أمرًا أريد أن أودعَكه، وقد ضاق صدري به، وأسهرتُ به ليلي، قال: يا سيدي إذًا لا يرجع عني إليك أبدًا، وأخفيه عن جنبي أن يَعلمه، ونفسي أن تذيعه. قال: ويحك! إني ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامةً ما أحسن أن أصفَها، فوددت أني خرجت من مُلْكِي وأنه كان بقي لي؛ فما وجدت طعم النوم منذ فارقتُه، ولا لذّة العيش منذ قتلته! قال: فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه، وأذرى عبرته، وقال: رحم الله أبا الفضل، وتجاوز عنه! والله يا سيدي لقد أخطأتَ في قتله، وأوطِئت العَشْوة في أمره! وأين يوجد في الدنيا مثله! وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين دينًا. فقال الرشيد: قم عليك لعنة الله يا بن اللخناء! فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمه، فقال: يا أمّ، ذهبت والله نفسي، قالت: كلّا إن شاء الله، وما ذاك يا بنيّ؟ قال: ذاك أنّ الرشيد امتحننِي بمحنة والله، ولو كان لي ألف نفسي لم أنجُ بواحدة منها. فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه - فضربه بسيفه حتى مات - إلا ليالٍ قلائل.
وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي.
* * *