فيها في المحرم كان وفاء النيل المبارك وقد أوفى في سادس عشر مسرى (^٣)، فنزل السلطان بنفسه وتوجه إلى المقياس ثم نزل في الحراقة وأتى إلى السد ففتحه على العادة، وركب من هناك في موكب حافل حتى طلع إلى القلعة، وكان ذلك آخر مواكبه بل وآخر ركوبه ولم يركب بعدها أبدًا، فلما طلع إلى القلعة حم في جسده ولزم الفراش، وقيل إنه سم في السماط الذي صنع له بالمقياس، وقيل بل من الماء الذي قدم إليه في الطاسة من فسقية المقياس، وهذا كله تخيلات فاسدة وإنما انتهى أجله على هذا الوجه وقد كبر سنه، واستمر في ذلك المرض حتى مات في ربيع الأول كما سيأتي الكلام على
_________________
(١) توفى في شهر ذي الحجة - الضوء اللامع ج ٣ ص ٦٠ - ٦١ رقم ٢٤٥، وانظر النجوم الزاهرة ص ٨٢٠ - ٨٢١، وحوادث الدهور ص ٦٠١ - ٦٠٢، Wiet، Manhal Sâfi; p. ١١٩، no. ٨١٧
(٢) انظر الضوء اللامع ج ٣ ص ٢١٩ رقم ٨٢١
(٣) في النجوم الزاهرة ص ٧٤٧، وحوادث الدهور ص ٥٤٧ أن وفاء النيل ونزول السلطان كانا في يوم السبت سابع المحرم الموافق لخامس عشر مسرى.
[ ١٧٧ ]
ذلك في موضعه. وفيه توفى برهان الدين إبراهيم قاضي عجلون (^١)، وكان عالمًا فاضلا وناب في الفضاء، وكان شافعى المذهب دمشقى الأصل، وكان حسن السيرة. وفيه (^٢) جاءت الأخبار من حلب بأن شاه سوار قويت شوكته، والتف عليه جماعة كثيرة من التركمان، وقد زحف على بلاد السلطان، فلما جاء هذا الخبر كان السلطان مريضا على غير استواء فلم يلتفت لهذا الخبر واشتغل بما هو فيه، فكتب خاير بك الدوادار مراسيم للنواب عن لسان السلطان بأن يخرجوا لمحاربة سوار، وهذا أول عسكر خرج لمحاربة سوار، فلما ترادفت الأخبار بأمر عصيان سوار جلس السلطان بالدهيشة، وأحضر أبو الفضل بن جلود كاتب الماليك، وعين تجريدة إلى سوار وكتب جماعة من الجند، وعين من الأمراء المقدمين الأتابكي يلباى وقرقماس الجلب أمير سلاح وتمر بغا الظاهري أمير مجلس وقاتباى المحمودي ومغلباي طاز المؤيدى، وين عدة من الأمراء الطبلخانات والعشرات، وكتب من الجند جماعة كثيرة، وهذا أول تجريدة عينت لسوار من مصر. وفيه (^٣) جاءت الأخبار بأن العربان خرجوا على الإقامات التي أرسلت إلى العقبة بسبب الحجاج، فنهبوها عن آخرها، وقتلوا جماعة ممن كانوا معها، فخرج الإذن عن لسان السلطان للأمير أزبك من ططخ رأس نوبة النوب بأن يخرج إلى العقبة بسبب فساد العربان، وعين أيضًا الأمير جانى بك قلقسيز حاجب الحجاب، وعدة أمراء عشرات، وجماعة كثيرة من الجند، فخرجوا على الفور مسرحين. وفيه (^٤) دخل الحاج إلى القاهرة، ودخل القاضى كاتب السر أبو بكر بن مزهر وقد تقدم أنه خرج.
_________________
(١) برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد قاضي عجلون، توفى بدمشق يوم الأحد ٢٢ من المحرم - الضوء اللامع ج ١ ص ٦٤.
(٢) في يوم الخميس ١٢ منه - النجوم الزاهرة ص ٧٤٧ - ٧٤٨، وحوادث الدهور ص ٥٤٨.
(٣) في يوم الخميس ١٩ منه - النجوم الزاهرة ص ٧٤٨ - ٧٤٩ و٧٥٠، وحوادث الدهور ص ٥٤٨ - ٥٤٩.
(٤) في يوم الأحد ٢٢ منه - النجوم الزاهرة ص ٧٤٩، وحوادث الدهور ص ٥٤٩.
[ ١٧٨ ]
في جمادى الآخرة وأقام بمكة حتى رجع مع الحاج. وفيه خرجت التجريدة المعينة إلى العقبة ولاقاهم من هناك نائب الكرك بلاط ونائب غزة أينال الأشقر.
وفى صفر ثقل السلطان فى المرض ولزم الفراش، فلما كان يوم الجمعة (^١) خرج إلى صلاة الجمعة غصبًا وقد ظهر عليه غبرة الموت، فخطب القاضي ولي الدين الأسيوطي خطبة مختصرة وخفف في الصلاة، فلما فرع من الصلاة وقام كاد أن يقع في أثناء صحن الجامع حتى أدركوه وحملوه من تحت إبطه حتى دخل إلى دور الحرم، فكانت الخطبة والصلاة في نحو من أربعة درج فكثر القال والقيل بموته، وكان ذلك آخر رؤية العسكر له ولم يخرج من دور الحرم بعد ذلك إلا ميتًا، ثم إن الخدمة بعد ذلك صارت تقام بقاعة البيسرية إلى أن مات كما يأتى الكلام على ذلك في موضعه. - فلما تزايد الأمر بالسلطان ظن أن الحكماء قد قصروا في طبه فتنازق (^٢) عليهم ووعدهم بالتوسيط كما فعل الأشرف برسباي بالريس خضر وابن العفيف، ففي تلك الليلة هرب أحد رؤساء الطب وهو شخص يقال له محب الدين (^٣) فاختفى أيامًا ثم قبض عليه وسجن بالبرج الذى بالقلعة، فأقام أيامًا حتى شفع فيه ابن العيني فأطلق ولزم داره بطالا.
وفي ربيع الأول لم يصعد أحد من القضاة إلى القلعة للتهنئة بالشهر على العادة لانقطاع السلطان عن الناس في أول هذا الشهر، فزاد القال والقيل وتعطلت أحوال الدواوين من قلة الواردين من البلاد الشرقية والغربية، وامتنعت العلامة من ديوان الإنشاء لقلة كتابة السلطان. ثم إن السلطان نزل بفرس من الإسطبل السلطاني وعرضه للبيع على جماعة من الأمراء، فاشتراه المقر الشهابي أحمد بن العيني بخمسمائة دينار وقيل بل اشتراه بألف دينار، فتصدق بها السلطان عنه في هذا المرض. وكانت هذه عادة قديمة عند السلاطين.
_________________
(١) ١١ منه - النجوم الزاهرة ص ٧٥٠ - ٧٠١.
(٢) تنازق من نزق أى طاش وثار.
(٣) انظر حوادث الدهور ص ٥٤٩. ٥٥٠ - .
[ ١٧٩ ]
أنه إذا مرض السلطان ينزل بفرس من الإسطبل ويبتاعه على أحد من أعيان الأمراء ويتصدق بثمنه على الفقراء، وقد فعل ذلك الملك الظاهر برقوق والأشرف برسباى، وكان ينزل أمير آخور رابع من باب السلسلة وهو راكب الفرس فوق الغاشية الحرير الأصفر، ويدخل على الأمراء وهو راكب على الفرس، ويبدأ بأمير كبير أولا ثم ببقية الأمراء، فيشتريه من هو أقرب إلى السلطان من الأمراء. فبينما القاهرة فى اضطراب وإذا بالأخبار قد جاءت من أسيوط بأن يونس بن عمر أمير عربان هوارة قد خرج عن الطاعة وثأر على يشبك من مهدى (^١) كاشف أسيوط ووقع بينهما حروب كثيرة، وقتل من مماليك السلطان الذى مع يشبك جماعة كثيرة، وجرح يشبك في وجهه جرحًا فاحشًا حتى كاد أن يقتل، وقتل من الناس في هذه المعركة نحوًا من سبعين إنسانًا، وكانت هذه المعركة على جرجا فطمت القتلاء في بئر هناك، وانهزم يشبك إلى نحو أسيوط، فأرسل يعرف السلطان بذلك، وأن الرأى يقتضى ولاية سليمان بن عمر، وأن السلطان يبعث تجريدة إلى يونس ابن عمر سريعًا، فلما جاء هذا الخبر كان السلطان مشغولا بنفسه عن كل شيء، وكان المتكلم يومئذ في أمور المملكة الأمير خاير بك الدوادار الثانى وابن العيني، فعين الأمير خاير بك قجماس الإسحاقي أحد الخاصكية، وهو الذى ولى نيابة الشام فيما بعد، وأرسل معه خلعة إلى سليمان بن عمر أمير عربان هوارة بأن يستقر عوضًا عن يونس بن عمر، فخرج على الفور، ثم رسم لنقيب الجيش بأن يتوجه إلى بيت الأمير قرقماس الجلب أمير سلاح والأمير يشبك الفقيه الدوادار الكبير بأن يخرجا نجدة ليشبك من مهدى، ثم عين معهما نحوًا من أربعمائة مملوك كلهم أشرفية وظاهرية، وأمرهم بأن يخرجوا من يومهم فخرجوا على وجوههم مسرعين. هذا كله جرى والسلطان في التلف والإشاعة قائمة بموته والقاهرة فى اضطراب ليلا ونهارًا، وكان ذلك في قوة زيادة النيل فأخلا سكان الجسر وبركة الرطلي في يوم واحد، وكذلك
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٧٥٣ - ٧٥٤.
[ ١٨٠ ]
سكان الجزيرة الوسطى، وصارت الأسواق والحوانيت تقفل من بعد المغرب، وتمر الوالى طائفًا بطول الليل ومعه جماعة من المماليك السلطانية وهم لابسون لامة الحرب، والمشاعلية تنادى بطول الليل بالأمان والاطمئنان، وأن أحدًا لا يخرج من داره من بعد العشاء، وكان كل من رآه يمشى من بعد العشاء يقطع أذنيه ومنخاره أو يضربه بالمقارع. فاستمر الحال على ذلك نحوًا من عشرين يومًا والناس فى اضطراب، وخرج الأمير قرقماس الجلب والأمير يشبك الفقيه على كره منهما، وقد نزل إليهما تانى بك المعلم (^١) رأس نوبة ثانى عن لسان السلطان يحثهما فى سرعة السفر إلى جهة الصعيد فخرجا بسرعة. ثم إن السلطان وجد فى نفسه بعض نشاط فجلس متسندًا بين المخدات وقدمت إليه العلامة فعلم بيده نحو سبعة مراسيم حتى يشاع ذلك بين الناس، فضربت البشائر في ذلك اليوم بالقلعة، وتخلق جماعة السلطان بالزعفران، وكل ذلك إشاعات فاسدة، والموت حايط بالسلطان من كل جانب. فلما بات تلك الليلة تجدد عليه منع الأكل وعجز عن الحركة وصار كالخشبة الملقاة. فلما أصبح نادي بخروج العسكر المعين إلى الصعيد وتهديد من لم يخرج من العسكر بالشنق، وكل ذلك بترتيب الأمير خاير بك الدوادار. ثم قويت الإشاعة بأن السلطان في النزع وقد جد في السياق، وكانت علته حمى كبدية، فلما تحقق الأمراء ذلك اجتمعوا (^٢) في المقعد الذي بباب السلسلة عند المقر الشهابي أحمد بن العينى أمير آخور كبير، فاجتمع الأتابكي يلباى رأس المؤيدية، والمقر السيفى تمر بغا أمير مجلس رأس الظاهرية، وحضر الأمير خاير بك الدوادار الثانى وهو رأس الخشقدمية وقد صار المشار إليه فى المجلس، وحضر جماعة من الأمراء المقدمين، فاشتوروا فيمن يلى السلطنة إذا مات السلطان، فصار جماعة من الخشقدمية مع ابن العيني، وجماعة مع خاير بك، فطال الكلام فى ذلك، فقال الأمير تمر بغا إن
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٧٥٤ - ٧٥٥.
(٢) في يوم السبت عاشره - المرجع السابق ص ٧٥٧ - ٧٥٨.
[ ١٨١ ]
أمير كبير ياباى أحق بالسلطنة من كل أحد، فوافقه سائر الأمراء على ذلك، وقد ترشح أمر الأتابكي يلباى إلى السلطتة، فانفض المجلس على ذلك، وقامت الأمراء وتوجهوا إلى بيوتهم، وكان الأمير تمر بغا بيمهد لنفسه فقصد سلطنة يلباى حتى يشيله من قدامه ويتسلطن من بعده وكذا جرى.
فلما كان يوم السبت بعد الظهر وهو اليوم العاشر من ربيع الأول سنة اثنين وسبعين وثمانمائة، فيه كانت وفاة السلطان الملك الظاهر أبى سعيد خشقدم (^١)، توفى إلى رحمة الله تعالى وزال ملكه كأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير. - فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست سنين وخمسة أشهر وأحد وعشرون يومًا بما فيه من مدة توعكه وانقطاعه … . فلما أشيع موته ماجت القاهرة وبادر الأمراء بالصعود إلى القلعة، وصعد الأتابكى يلباى وهو بتخفيفة صغيرة غير مزرر الطوق وهو يبكى، فلما تكامل صعود الأمراء أخذوا فى أسباب تجهيز السلطان فغسلوه وكفنوه وأخرجوا نعشه، وصلى عليه بباب القلة، ونزلوا به من سلم المدرج في نفر قليل من المماليك والخدام، ولم يكن معه أحد من الأمراء، فتوجهوا به إلى تربته التي أنشأها بالصحراء فدفن بها، وكان دفنه بعد العصر من يوم السبت المذكور، وانقضت أيامه كأنها لم تكن، ومات وله من العمر نحوًا من سبعين سنة، وكان ملكًا جليلا كفوا للسلطنة، أدوبًا حشمًا، عاقلا وقورًا شجاعًا مقدامًا، عارفًا بأنواع الفروسية، وكان إذا ساق الفرس لا ينفرد ذيله من تحت فخذه وهو في قوة سوقه، وكان عنده تواضع، سيوسًا عند المحاكمات من غير حدة ولا بادرة، عارفًا بتدبير أحوال المملكة، ماشيًا على طريقة الملوك السالفة، تابعًا لطريقة أستاذه الملك المؤيد شيخ فى عمل المواكب بالقصر والمبيت به في ليلة الإثنين والخميس، ويصعد العسكر إلى القلعة وهم بالشاش والقماش،
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٧٥٩ - ٧٦٢، وحوادث الدهور ص ٦٥٧ - ٦٥٩، والضوء اللامع ج ٣ ص ١٧٥ - ١٧٦ رقم ٦٨١، ونظم العقيان ص ١٠٩ - ١١٠ رقم ٧٥، وحسن المحاضرة ج ٢ ص ٨٠، وتحفة الناظرين ص ٢٠٠، وأخبار الأول ص ١٩٦، وانظر أيضًا: Weil، Gesch.d.Abbas.Chalifat in Egypten، II، p ٢٩٠ - ٣١٥
[ ١٨٢ ]
وينزل لفتح السد في يوم وفاء النيل بنفسه كعادة المؤيد شيخ، ويلبس الأمراء الصوف بمطعم الطير الذى بالمطرية، ويشق القاهرة في المواكب الحافلة والأمراء قدامه ويكون له يوم مشهود، ويدير في كل سنة المحمل في رجب وتسوق الرماحة على العادة القديمة، ويصرف على ذلك جملة أموال، ويحرق بالرملة النفوط الهائلة الحافلة، وتصرف الناس في تلك الأيام أموالا لها صورة، وتعمل الأسمطة والمدات الحافلة بسبب سوق الرماحة، وكان ينزل إلى الرمايات ببركة الحب ويبات بها ويشق من القاهرة وتزين له، ويرى له المواكب حافلة والأيام المشهودة، وكانت أيامه كلها لهو وانشراح، ولم يقع في أيامه بمصر الطاعون ولا الغلاء، ولا أخرج من مصر تجريدة إلى البلاد الشامية، وكان شهمًا مهابًا، حسن الهيئة، جميل الصورة، أحمر اللون (^١)، مدور الوجه، شائب اللحية، طويل القامة، ضخم الجسد، فصيح اللسان بالعربى، يقرأ القرآن وله بعض اشتغال بالعلم، وكان رومى الجنس من الأرنووط، وكان ترفًا في ملبسه (^٢) صنع له مهاميز وركبًا من الذهب، وكان يلبس الصمور الفاخر والأقبية الصوف الأخضر ويبطنها بالمخمل الأحمر، ويلبس القمصان الحرير فى الشتاء، وكان عنده رقة حاشية ويسمع المغنا، وكان كثير النكاح غير عفيف الذيل، وكان يحب العلماء والفقراء، ويمازح ندماءه غير عبوس، وكان لا يوصف بالكرم الزائد ولا بالبخل المفرط، وهو آخر من مشى من ملوك مصر على النظام القديم وطريقة الملوك السالفة.
وأما ما عد من مساوئه فكان سريعًا لعزل أرباب الدولة ولا سيما لقضاة القضاة والمباشرين يأخذ أموالهم ويعزلهم سريعًا، ومنها قتله الجانى بك نائب جدة وتنم رصاص من غير ذنب ولم يكن جانى بك وثب عليه وكان سببًا
_________________
(١) في النجوم الزاهرة ص ٧٦١ «أبيض اللون تعلوه صفرة ذهبية حسنة».
(٢) يقول في النجوم الزاهرة ص ٧٦٠ أن السلطان خشقدم «كان متجملا في ملبسه ومركبه وشأنه إلى الغاية بحيث أنه كان لا يعجبه من البعلبكي إلا ما يزيد قيمته ثلاثين دينارًا فما بالك بالصوف والسمور وغير ذلك».
[ ١٨٣ ]
لسلطنته، ومنها أنه كان يقرب الأرذال والأوباش ويوليهم الوظائف السنية ويسلطهم على الناس، ومنها أنه قبض على الصاحب علاى الدين بن الأهناسي وصادره وأخذ منه نحوًا من مائة ألف دينار، وما كفاه ذلك حتى فك رخام بيته الذي في بركة الرطلى ونقله إلى تربته التى أنشأها في الصحراء، وغرق يرش مملوك جاني بك نائب جدة من غير ذنب وكان شابًا صغير السن جميل الصورة، ومنها أنه ضيق على الخليفة المستنجد بالله يوسف وأمره بأن يسكن بالقلعة داخل الحوش السلطانى، ومنعه من أن ينزل إلى المدينة بحيث أن أخته الست مريم توفيت فلم ينزل يصلى عليها واستمر بالقلعة إلى أن مات بها.
وفي الجملة أنه كان عنده لين جانب ورفق بالناس عند المصادرات بالنسبة لمن جاء بعده من الملوك، وكان له محاسن ومساوئ من خير وشر. - وهو الذي أثار فتنة شاه سوار وجرى من بعده أمور شتى، ووقع بينه وبين ابن عثمان ملك الروم واستمرت العداوة عمالة بينه وبين سلطان مصر وجرى منه ما يأتى الكلام عليه في موضعه. - وقيل إنه خلف في بيت المال من الذهب النقد سبعمائة ألف دينار، حصلها لغيره، وقد جمعها من حلال وحرام ومصادرات والرشا (^١) على الوظائف وغيرها. - وكانت عدة مماليكه إلى أن مات زيادة على ثلاثة آلاف مملوك من مشتراواته، ولم يجئ على أيامه فصل ولكن قتل منهم فى وقعات سوار ما لا يحصى. - وخلف من الخيول والجمال والبغال أشياء كثيرة. - وحصل للناس من مماليكه الضرر الشامل، وتزايد أذاهم وجورهم فى حق الناس جدًا، وكان الظاهر خشقدم لا بأس به في مواضع. انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك الظاهر خشقدم وذلك على سبيل الاختصار، ولما مات تسلطن بعده الأتابكي يلباى.
_________________
(١) كذا في الأصل: وهو يعنى الرشوة.
[ ١٨٤ ]