فيها في المحرم قدم قاصد من عند الأمير إبراهيم بن قرمان أمير التركمان (^٤) وعلى يده مكاتبة مضمونها أنه أرسل يشكو فيها من ملك الروم محمد بن عثمان، فما اكترث السلطان بذلك، ثم أرسل إليه بجواب هين وما أكرم قاصده فمضى غير راض، وكان هذا سببًا لعصيان ابن قرمان كما سيأتى الكلام على ذلك - وفيه (^٥) تغير ماء النيل تغيرًا فاحشًا وغلبت عليه الخضرة جدًا حتى تعجب الناس من ذلك - وفيه (^٦) نودي في القاهرة بخروج
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٤٥١ و٤٥٣ حيث يقول أن السلطان خلع «على شخص من الأقباط يعرف بابن النجار واستقر به ناظر الدوله»، وهو شمس الدين نصر الله بن النجار وسيأتى ذكره هنا فيما بعد (ص (٢٠) عندما يتولى الوزارة في ربيع الأول سنة ٨٥٩.
(٢) في يوم الجمعة ٢٣ منه النجوم الزاهرة ص ٥٧٧، وحوادث الدهور ص ٣٦١/ ٣٦٢.
(٣) في يوم الاثنين ٢٦ منه النجوم الزاهرة ص ٤٥٢.
(٤) في يوم الاثنين ١٧ منه - حوادث الدهور ص ٢٢١. راجع: Weil، Gesch.d.Abbas.Chalifats، II، ٢٧٦; E.J.، Art. "Karamân Oghlû"; Zambaur' Manuel، p. ١٥٨: وانظر أيضا
(٥) انظر حوادث الدهور ص ٢١١/ ٢٢٢
(٦) في يوم الثلاثاء ١٨ منه المرجع السابق ص ٢٢١.
[ ٢٣ ]
المماليك البطالة من القاهرة وهدد من تأخر منهم بعد سماع المناداة. - وفيه (^١) دخل الحاج إلى القاهرة وأخبر بما قاساه من الشدائد من السيول وموت الجمال وقطع الطريق من العربان، وقد أخذ ركب المغاربة، وكانت سنة صعبة مهولة، وقد جاء عليهم سيل فى وادى عفان فاحتمل الجمال بأحمالها وقذفها في البحر المالح. - وفيه توفى الشيخ شرف الدين أبو الفتح محمد الراعي الشافعى المدنى العثمانى (^٢) وكان من أعيان العلماء الشافعية وله سند في الحديث. - وفيه وقع أمر عجيب هو أن جماعة من مماليك الأمير برد بك صهر السلطان ماتوا بالطاعون، وقد ظهر ذلك بداره فقط ولم يظهر ذلك بغير بيت برد بك فقط. - وفيه (^٣) ارتفع سعر الذهب حتى بلغ الدينار الأشرفي ثلثمائة وسبعين درهمًا.
وفي صفر جاءت الأخبار بموت جلبان نائب الشام (^٤)، وكان جلبان هذا دبنا خيرًا، وأصله من أتباع الملك المؤيد شيخ، جركسي الجنس وقيل غير جركسي، ويقال إنه مسلم الأصل، ومات وقد جاوز الثمانين سنة من العمر، وتولى عدة ولايات منها نيابة حماه ونيابة طرابلس ونيابة حلب ونيابة دمشق وقد طالت أيامه فى السعادة، فلما توفى عين السلطان (^٥) نيابة الشام إلى قانى باى الحمزاوى نائب حلب وخرج إلى تقليده يونس العلاى، ثم إن السلطان أخلع على جانم الأشرفي وقرر في نيابة حاب عوضا عن قانى باى الحمزاوى وعين الأمير برد بك الدوادار الثانى صهر السلطان لتقليده ثم يعود إلى دمشق لضبط موجود جلبان نائب الشام. - ثم ان السلطان أنعم على يونس العلاى بتقدمة ألف وهي تقدمة جانم الأشرفى
_________________
(١) في يوم السبت ٢٢ منه - المرجع السابق ص ٢٢٢.
(٢) انظر نظم العقيان ص ١٣٩ - ١٤٠ رقم ١٣٥.
(٣) انظر حوادث الدهور ص ٢٢٢.
(٤) في يوم الثلاثاء ١٦ صفر - النجوم الزاهرة ص ٥٧٨ - ٥٨٠، وحوادث الدهور ص ٣٦٢، والضوء اللامع ج ٣ ص ٧٧/ ٧٨ رقم ٣٠٢، و١٢٣. Wiet، Manhal Safi، p No. ٨٤٥
(٥) في يوم الخميس ٢٥ صفر - النجوم الزاهرة ص ٤٥٢، وحوادث الدهور ص ٢٢٤.
[ ٢٤ ]
بحكم انتقاله إلى نيابة حلب وفيه (^١) توفى يشبك الناصرى رأس نوبة ثان، فلما مات قرر فى الرأس نوبة الثانية سودون قراقاش المؤيدى، وقرر فى أمرة سودون قراقاش مغلبا طاز، وقرر طوخ النوروزي في أمرة عشرة.
وفي ربيع الأول عمل السلطان المولد الشريف على العادة وكان حافلا. وفيه (^٢) حدث زلزلة بالقاهرة وكانت خفيفة واستمرت تعاود الناس أيامًا. وفيه وصلت تقدمة من عند الملك أصلان صاحب الأبلستين وكانت حافلة ما بين خيول وبغال وجمال بخاتي (^٣) وقماش حرير وغير ذلك. - وفيه (^٤) أخلع السلطان على شمس الدين نصر الله بن النجار الكاتب القبطى وقرر في الوزارة عوضًا عن سعد الدين فرج فلم يقم ابن النجار بها إلا قليلا واختفى.
وفي ربيع الآخر (^٥) أخلع السلطان على سعد الدين فرج وأعاده إلى إلى الوزارة كما كان، وقرر (^٦) حمزة بن البشيري في نظر الدولة وصرف ابن كاتب الشعير عنها. - وفيه (^٧) توفى الصاحب أمين الدين بن الهيصم، وهو إبراهيم بن عبد الغنى بن إبراهيم القبطى، وقيل كان ينتسب إلى المقوقس صاحب مصر، وكان حشما رئيسًا يميل إلى أهل العلم وله اشتغال بالعلم على مذهب أبي حنيفة ﵁ ولم يكن شافعيًا، وولى الوزارة غير ما مرة، وكان مولده سنة ثمانمائة، وكان نادرة في أبناء
_________________
(١) فى يوم الأحد ١٨ صفر - النجوم الزاهرة ص ٥٨١/ ٥٨٢، والضوء اللامع ج ١٠ ص ٢٨٠ رقم ١٠٩٩.
(٢) في يوم الأربعاء ١٦ ربيع الأول حوادث الدهور ص ٢٢٥.
(٣) «بخت» والجمع «بخاتى» = الإبل الخراسانية ذات السنامين، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادى ج ١ ص ١٤٣، و٥٤. Dozy Dictionnaire، I، p.
(٤) في النجوم الزاهرة ص ٤٥٣ «في يوم الاثنين تاسع عشرين صفر».
(٥) راجع النجوم الزاهرة ص ٤٥٥.
(٦) في يوم السبت ١٠ من ربيع الآخر - حوادث الدهور ص ٢٢٧، وكان أبو الفضل من كاتب الشعير قد قرر في نظر الدولة فى أوائل ربيع الأول سنة ٨٥٩ نفس المرجع ص ٢٢٦.
(٧) فى ليلة الخميس أول ربيع الآخر - النجوم الزاهرة ص ٥٨١ و٤٥٥، وحوادث الدهور ص ٣٦٢ - ٣٦٤، والضوء اللامع ج ١ ص ٦٧. Wiet، Manhal Safî، p. ٨ No. ٤٩،
[ ٢٥ ]
جنسه، وسد أمر الوزارة في الغلوة التي وقعت في أيام الظاهر جقمق لما شرقت البلاد، وكان لا بأس به في المباشرين. وفيه (^١) خرج جانم - الأشرفى الذى قرر فى نيابة حلب فكان له يوم مشهود وتجمل زائد -. وفيه (^٢) أنزلت خوند زينب الخاصبكية زوجة السلطان إلى بولاق فأقامت في القطينية التى ببولاق، وكان قد حصل لها توعك شديد في جسدها فنزلت لترى البحر حتى يذهب عنها الوخم، فنزل إليها السلطان وعادها، فلما حصل لها الشفاء أحرقوا فى بولاق حراقة نفط حافلة وخرجت البنت في خدرها بسبب الفرجة، وكانت تلك الليلة في بولاق من الليالى المشهودة، فلما عوفيت طلعت إلى القلعة في محفة وحولها الخوندات والستات وأعيان نساء الأمراء والمباشرين حتى طلعت إلى القلعة (^٣) وكان لها مهم حافل بالقلعة. وفيه (^٤) توفى الأمير خاير بك الأجرود المؤيدى أحد الأمراء المقدمين بمصر، فلما مات أنعم السلطان بتقدمته على الأمير قائم التاجر من صفر خجا المؤيدى وهذا أول تقدمته بمصر.
وفي جمادى الأولى تزايد شر المماليك الجلبان وتوجهوا إلى بولاق ونهبوا شون الأمراء لأجل الشعير (^٥) فإنه كان مشحوتًا، وصاروا ينزلون الفقهاء والمباشرين من على خيولهم وبغالهم ويأخذونهم من تحتهم، وحصل منهم في حق الناس غاية الضرر ولا سيما التجار فى الأسواق فكانوا يخطفون القماش من الدكاكين وسائر البضائع، واستمروا على ذلك حتى وقع فيهم الطاعون كما سيأتى ذكر ذلك في موضعه. وفيه (^٦) توفى الأديب
_________________
(١) في يوم الخميس ثامنه - حوادث الدهور ص ٢٢٦.
(٢) انظر حوادث الدهور ص ٢٢٧/ ٢٢٨.
(٣) في يوم السبت أول جمادى الأولى - المرجع السابق ص ٢٢٨/ ٢٢٩.
(٤) فى يوم الخميس ٢٩ من ربيع الآخر - النجوم الزاهرة ص ٥٦٤ و٥٨٢/ ٥٨٣، وحوادث الدهور ص ٤٦٤/ ٤٦٥، والضوء اللامع ج ٣ ص ٢١٠/ ٢٠٩ رقم ٧٨٤، Wiet، Manhal Sâfî، p. ١٤٤، No. ١٠٠١،
(٥) انظر حوادث الدهور ص ٢٣٠/ ٢٣١.
(٦) في يوم الأربعاء ٢٦ جمادى الأولى - النجوم الزاهرة ص ٥٨٣/ ٥٨٤ حيث يقول
[ ٢٦ ]
البارع شاعر العصر شمس الدين محمد بن حسن بن على بن عثمان النواجي الشافعي، ومولده سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وكان عالمًا فاضلا أديبًا بارعًا وله شعر جيد فمن ذلك قوله من نوع الاكتفاء:
خليلي هذا ربع عزة فاسعيا … إليه وإن سالت به أدمعي طوفان
فجفنى جفا طيب المنام وجفنها … جفاني فيا لله من شرك الأجفان
ومثله قوله:
يا ضيف بيت الله نلت المنى … منذ تحصنت بأم القران
لب بحج واعتمار وقل … لله ما أسعد هذا القران
وقوله مضمنًا:
فتنت بحسن عواد بديع … مليح الشكل معشوق الشمايل
يحرك عوده فينا بلطف … فيقتلنا بأطراف الأنامل
وقوله ملغزًا في اسم سعيد:
ما اسم لعبد ان تزل عينه … يعود في الحال لنا سيدا
عليه فرض الصوم لكنه … إذا مضى الربع له عيدا
ومن مصنفاته البديعة وهى حلبة الكميت فى وصف الخمرة وما قيل فيها، وتأهيل الغريب في الأدبيات المطولة، ومراتع الغزلان في أرباب الصنايع والشفا (^١) في بديع الاكتفا، وروضة المجالسة في بديع المجانسة، وله غير ذلك من المصنفات الغريبة، ولما مات رثاه الشهاب المنصوري وهو يقول:
الله رحم النواجي فقد … فقد الدنيا وأبقى ما روى
وانطوى في شقة البين فيا … حسرة العشاق من بعد النواجي
_________________
(١) «وأصله من نواج قرية بالغربية»، انظر أيضا حوادث الدهور ص ٣٦٥ - ٣٦٧، والضوء اللامع ج ٧ ص ٢٢٩ - ٢٣٢ رقم ٥٧١، ونظم العقيان ص ١٤٤ - ١٤٨ رقم ١٤٤، وحسن المحاضرة ج ١ ص ٢٦٢ - ٢٦٣ Brockelmann، II، ٥٦; Wiet، Manhal Safî، p. ٣١٥، no. ٢١١٢،
(٢) في Brockelmann، II، ٥٦ «مرابى الغزلان في الحسان من الجواري والغلمان» مع ذكر مؤلفات أخرى للنواجي، وانظر أيضا المراجع المذكورة في الحاشية السابقة.
[ ٢٧ ]
وفي جمادى الآخرة (^١) توفى الشيخ الصالح سيدى محمد المغربي المجذوب رحمة الله عليه، ولما مات أخذه السلطان أينال ودفنه بجوار تربته تبركا به. - وفيه (^٢) أخلع السلطان على عبد العزيز بن محمد الصغير وقرر في الحسبة مضافًا لما بيده من نقابة الجيش، وكان تغير خاطر السلطان على الشيخ على العجمى وصرفه من الحسبة وقرر بها عبد العزيز بن محمد الصغير. - وفيه (^٣) تغير خاطر السلطان على فخر الدين بن السكر والليمون ناظر الديوان المفرد وضربه بين يديه بسبب تأخر جوامك الجند وكان الديوان في غاية الانشحات. - وفيه (^٤) توفى القاضى صلاح الدين خليل بن السابق كاتب سر دمشق، وكان فاضلا رئيسًا حشما ولى كتابة سر حلب ونظر جيشها وكتابة سر دمشق وغير ذلك من الوظائف وكان حسن السيرة. - وفيه (^٥) ثارت فتنة عظيمة وكان من ملخص خبرها أن طائفة من المماليك الظاهرية استمالوا بعض جلبان السلطان، وكان السلطان عين تجريدة قبل ذلك للبحيرة وكتب غالب الجند فيها من المماليك الظاهرية وعين الباش عليهم الأمير خشقدم أمير سلاح، فلما جرى ذلك وقفوا في الرملة حتى نزل الأمير يونس الدوادار الكبير فلاقوه بالدبابيس وجرح فى ذلك اليوم شخص من المماليك وقطعت أصابعه، ثم إن الأمير يونس الدوادار تحيل في صعوده إلى القلعة وأعلم السلطان بذلك فطلب جانى بك المرتد ومرجان مقدم المماليك وبعث بهما لكشف الأخبار وما سبب وثوب المماليك على الأمير يونس الدوادار، فعاد الجواب من المماليك بأن السلطان يسلمهم
_________________
(١) في يوم الجمعة خامسه - النجوم الزاهرة ص ٥٨٥/ ٥٨٤، والضوء اللامع ج ١٠ ص ١٢٥ رقم ٥٢٣.
(٢) في يوم الاثنين ١٥ منه - حوادث الدهور ص ٢٣١.
(٣) في يوم السبت ٢٨ منه المرجع السابق ص ٢٣٢.
(٤) في يوم الأحد ٢٨ منه - النجوم الزاهرة ص ٥٨٥، وحوادث الدهور ص ٣٦٧.
(٥) انظر تفاصيل أخرى لهذا الحادث فى النجوم الزاهرة ص ٤٥٦ - ٤٦٣، وحوادث الدهور ص ٢٣٢ - ٢٣٨. وراجع أيضا: Weil، Ge seh.d.Abbas.Chalifats، in Egypten، II، ٢٦٢ f.
[ ٢٨ ]
الأمير يونس الدوادار، ثم بعث نوكار الزرد كاش إلى مماليكه الجلبان الذي وثبوا مع طائفة من المماليك الظاهرية ليستميلهم عن ذلك ويسترضيهم، فعاد الجواب مثل الجواب الأول بأن يسلمهم الأمير يونس الدوادار وقد صمموا على ذلك، وكانت هذه الحركة في سلخ جمادى الآخرة.
فلما استهل رجب بدأ السلطان بضرب الكرة (^١) فلم يطلع غالب الأمراء إلى القلعة … . ثم إن المماليك أصبحوا وهم لابسون لامة الحرب ووقفوا بسوق الخيل وقد اشتد الأمر ومنعوا الأمراء من الصعود إلى القلعة، فبعث السلطان يقول للخليفة غيب من بيتك حتى تسكن هذه الفتنة فلم يغيب من بيته، فتوجهوا إليه المماليك وأركبوه من بيته وأتوا به إلى البيت الكبير الذي عند حدرة البقر (^٢) فأقام به فاشتد القتال، فلما بلغ السلطان ذلك نزل إلى باب السلسلة وجلس بالمقعد المطل على الرملة وعلق الصنجق السلطاني على رأسه ودقت الكوسات حربى فوقع في ذلك اليوم قتال هين، فلم تكن إلا ساعة يسيرة وقد انفض ذلك الجمع وفر المماليك شيئًا بعد شيء، فلما رأوا ذلك الظاهرية الذى وثبوا مع المماليك الجلبان تسحبوا من الرملة وقد اشتد الحر وتوجه كل أحد من المماليك إلى داره، وكان رأس الفتنة من المماليك الظاهرية يشبك من مهدى، وكان يومئذ جنديًا من جملة المماليك السلطانية، فلما انفض الجمع قام السلطان من المقعد وطلع إلى القلعة، وقام الخليفة أيضًا وتوجه إلى داره وخمدت الفتنة، وكان الخليفة يظن أن هذه الحركة يحصل له فيها نفع كما حصل له في حركة الملك المنصور مع الأشرف
_________________
(١) لعبة الكرة أو الأكرة أو الجوكان = البولو Polo. وقد شغف بها الكثيرون من سلاطين الماليك وأمرائهم، فأنشأوا لها ميادين اللعب، ووضعوا نظاما خاصا وأوقات وحفلات تلعب فيها، وجهزوا لها الخيول الأصيلة والأدوات اللازمة للعب، وعينوا موظفين من المماليك يشرفون عليها ويسمى الواحد منهم جو كندار أو جوكان دار وهو الذي «يحمل الجوكان وهى عصا مدهونة طولها نحوا من أربعة أذرع وبرأسها خشبة مخروطة محدودية تنيف عن نصف ذراع» انظر ما كتب عن هذه اللعبة وتاريخها والمراجع المذكورة فى: Sultans Mamlouks، I، ٢، p. ١٢١ - ١٣٢.
(٢) أى بيت قوصون.
[ ٢٩ ]
أينال فإنه لما تسلطن أنعم على الخليفة حمزة بإقطاع ثقيل ومال وخلع وخيول وغير ذلك، فظن الخليفة أن هذه الحركة مثل الأولى فجاءه الأمر بخلاف ذلك، وكم من عجلة أعقبت ندامة، وقد قيل في المعنى:
إذا ما أراد الله خيرًا لعبده … ينله وما للعبد ما يتخير
وقد يهلك الإنسان من باب أمنه … وينجو بعون الله من حيث يحذر
وكان الخليفة حمزة قام في سلطنة الأشرف أينال قيامًا عظيما وخلع الملك المنصور من السلطنة قبل أن ينكسر، وأمر بحرق سبيل المؤمنى حتى أخذوا الميدان، فظن الخليفة أن تكون هذه الفتنة يحصل له فيها مثل تلك المرة، فلما توجه الخليفة إلى بيته أرسل السلطان خلفه وقد بقى له ذنب الذي أرسل يقول له السلطان غيب من بيتك حتى تخمد هذه الفتنة فاستمر مقيما في بيته حتى أركبوه المماليك برضاه وجاء إلى البيت الكبير كما تقدم ذكر ذلك، فلما طلبه السلطان وحضر بين يديه وبخه بالكلام فلم ينطق بالجواب وأمسك لسانه عن ذلك، وكان به بعض صمم، فكان كما قيل:
إذا كان وجه العذر ليس بواضح … فإن اطراح العذر خير من العذر
ثم إن السلطان أمر بإدخاله إلى البحرة فدخل إليها وأقام بها أيامًا وهو في الترسيم، ثم إن السلطان رسم بإخراجه إلى السجن بثغر الإسكندرية، فنزل من القلعة بعد المغرب فى سابع رجب وصحبته جانى بك القرماني حاجب الحجاب فأوصله إلى البحر حتى نزل في الحراقة وسار إلى الإسكندرية، فسجن بها إلى أن مات في أواخر دولة الأشرف أينال (^١) ودفن بثغر الإسكندرية على شقيقه العباس الذى ولى السلطنة بعد قتلة الناصر فرج بن برقوق، فكانت مدة الخليفة حمزة فى الخلافة أربع سنين وستة أشهر وأيامًا، وكان رئيسًا حشما كفوا للخلافة، وكان له حرمة وافرة وشهامة زائدة، بايع الملك المنصور عثمان والأشرف أينال، ومن النكت اللطيفة قيل لما
_________________
(١) في ١٧ من شوال سنة ٨٦٢ كما سيأتى ذكر ذلك هنا فى موضعه. انظر أيضا الضوء اللامع ج ٣ ص ١٦٦ رقم ٦٣٩، ونظم العقيان ص ١٠٧ - ١٠٨ رقم ٧٢ • History of the Caliphs، p. ٥٤٢ - ٥٤٣ -
[ ٣٠ ]
أرادوا خلع الخليفة حمزة من الخلافة فقال اشهدوا على أنى قد خلعت نفسى من الخلافة وخلعت السلطان أينال من السلطنة، فاضطرب المجلس لذلك، فقال قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني ان خلعه السلطان لا يصح وقد بدأ بخلع نفسه أولا ثم استثنى بخلع السلطان وهو غير متولى للخلافة فلم يصح منه عزله للسلطان، فعدت هذه من النوادر، فلما عزل الخليفة حمزة من الخلافة تكلموا فيمن يلى بعده الخلافة فوقع الاتفاق على ولاية أخيه الجمالى يوسف بن محمد المتوكل.