فيها في المحرم طلع قضاة القضاء ومشايخ العلم وهنوا السلطان بالعام الجديد وبعافيته وضربت البشائر في ذلك اليوم بالقلعة وتخلق الطواشية بالزعفران (^٤). وفيه في تاسع عشره دخل الحاج في الركب الأول، ثم في عشرينه دخل المحمل فعد ذلك من النوادر كونه دخل في تاسع عشر المحرم، وسبق أوائل الحاج في ثامن عشره (^٥). وفيه (^٦) نزل السلطان وتوجه إلى المطعم
_________________
(١) في يوم الإثنين ٢٠ منه - النجوم الزاهرة ص ٧١١.
(٢) توفى يوم الخميس مستهل ذى الحجة - حوادث الدهور ص ٤٣٢، والضوء اللامع ج ٧ ص ١٤٨ رقم ٣٦٦.
(٣) انظر النجوم الزاهرة ص ٧١١ - ٧١٢.
(٤) انظر النجوم الزاهرة ص ٧١٣.
(٥) انظر المرجع السابق ص ٧١٣، وحوادث الدهور ص ٤٣٧.
(٦) في يوم الإثنين ٢٤ منه - حوادث الدهور ص ٤٣٧.
[ ١٢٠ ]
وألبس الأمراء الصوف ودخل من باب النصر وشق من القاهرة وكان له يوم مشهود - وفيه رسم السلطان بسجن سنقر قرق شبق الزرد كاش ٣ بقلعة صفد (^١) بعد أن كان قد رسم له بأن يتوجه إلى مكة.
وفى صفر (^٢) قرر مجد الدين بن منقورة الأسلمى في نظر الدولة، فأقام بها ثلاثة أيام وقبض عليه السلطان وضربه بالحوش وقرر عليه ستة آلاف ٦ دينار وسلمه إلى والى الشرطة وهو في الحديد .. وفيه (^٣) أخلع السلطان على الصاحب علاى الدين بن الأهناسى وأعاده إلى الوزارة، عوضًا عن يحيى ابن الصنيعة، وقرره أيضًا في نظر الخاص، عوضًا عن شرف الدين الأنصارى، ٩ فاستقر في الوظيفتين في شهر واحد، وكانت هذه آخر ولاياته ومنتهى سعده، وقرر في وكالة بيت المال ونظر الجوالى علاى الدين بن الصابوني، عوضًا عن شرف الدين الأنصارى وقد رسم السلطان عليه بالبحرة وقرر عليه وفيه قرر في نظر البيمارستان ابن الصابوني أيضًا عوضًا عن ابن مزاحم - وفيه قرر في أمرة هوارة يونس بن إسمعيل بن عمر، وصرف سليمان.
وفى ربيع الأول (^٤) أخلع السلطان على علم الدين أبي الفضل بن جلود القبطى وقرر في كتابة المماليك. وفيه كانت وفاة شيخ الإسلام علامة عصره قاضي القضاة سعد الدين سعد الديرى (^٥) الحنفى رحمة الله عليه، وهو سعد بن محمد بن عبد الله بن مفلح بن أبى بكر بن سعد المقدسي الديرى الحنفى، وكان إمامًا عالمًا فاضلا وارعًا زاهدًا ماهرًا في الفقه والحديث والتفسير وغير ذلك من العلوم، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر وكان
_________________
(١) انظر المرجع السابق ص ٤٣٨.
(٢) في يوم الخميس رابعه - حوادث الدهور ص ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٣) في يوم الخميس ١١ منه - النجوم الزاهرة ص ٧١٣.
(٤) في مستهله - النجوم الزاهرة ص ٧١٣.
(٥) توفى في شهر ربيع الأول كما ورد هنا - نظم العقيان ص ١١٥ - ١١٦ رقم ٨٦، وحسن المحاضرة ج ١ ص ٢١٨، والنجوم الزاهرة ص ٧٧٤ حيث يقول إنه توفى في شهر ربيع الآخر، وهو خطأ كتابى كما يتبين من تاريخ وفاة صاحب الترجمة التي تلى هذه في نفس الصفحة من هذا المرجع.
[ ١٢١ ]
معظمًا عند الملوك والسلاطين، ولى قضاء الحنفية مدة طويلة نحوًا من أربعين سنة، وكذلك مشيخة الجامع المؤيدى، وصنف الكتب الجليلة في العلوم النفيسة، ومولده فى رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة، فمدة حياته مائة سنة إلا عامًا وبعض شهور، ولما مات دفنه السلطان في تربته تبركًا به، ومات وهو منفصل عن القضاء، وقد رثاه الشهاب المنصوري بهذه الأبيات فمنها قوله:
دع الأيام تعجب والليالى … فظل نعيمهن إلى زوال
وقصارى عيشهن إلى فناء … وغاية أهلهن إلى انتقال
تنكرت المعارف في عياني … وتمييزى غدًا في سوء حال
وما عوضت من بدل وعطف … سوى توكيد سقمى واعتلال
ودائى ليس يشفيه دواء … وجرحى لا يؤول إلى اندمال
لفقد السعد قد سهرت عيونى … فوا أسفا على طيف الخيال
به الأيام قد كانت قصارا … فويلي من لياليها الطوال
وكان ذخيرتى فيها وكنزى … وكان هدايتي عند الضلال
لقد درست دروس العلم حزنًا … وقد ضل الجواب عن السؤال
ودق الناس أبواب الفتاوى … وقد وصلوا إلى باب الصيال
بكاك العلم حتى النحو أضحى … مع التصريف بعدك في جدال
وقد أضحى البديع بلا بيان … وقد سفلت معايبه العوال
بكت أوراقه بيض المواضي … دمًا ويراعه سمر العوالى
وعين دواته عمشت وآلت … يمينًا لا تداوى باكتحال
فواعجبا لجوهرة عليها … بكيت من المدامع باللآلى
وقد عظمت رزيتنا فنبه … لها عمرًا ونم جنح الليالى
فلا زالت ذوو الأقدار تلقى … من الأيام أنواع النكال
وكم جنت المنون على كرام … وجندلت الكمي بلا قتال
فيا قبرًا ثوى فيه تهنى … فقد حزت الجميل مع الجمال
[ ١٢٢ ]
وقد غيبت وجهًا كان أشهى … إلى الظامي من الماء الزلال
رعاه الله غصنًا أذكرتنى … شمايله نسمات الشمال
وحيا منزلا فيه اجتمعنا … وبالى من أمان من وبالى
سقاه الله عينًا سلسبيلا … وأسبغ ما عليه من الظلال
وبوأه من الفردوس مثوى … ورقاه إلى الغرف العوال
وفيه (^١) عمل السلطان المولد النبوى وكان مولدًا حافلا. وفيه (^٢) توفى شاد بك الصارمى نائب غزة، وكان أصله من مماليك ابن المؤيد شيخ ورقى حتى بقى نائب غزة وكان لا بأس به. وفيه اختفى زين الدين الاستادار، فأراد السلطان أن يولى منصور بن الصفى فامتنع من ذلك، فأخلع السلطان (^٣) على قاسم الكاشف وقرره فى الاستادارية عوضًا عن زين الدين. وفيه جاءت الأخبار بأن جانم نائب الشام قد قتل بالرها (^٤) على يد بعض مماليكه، وقد تحيل جاني بك التاجى نائب حلب فى قتله حتى قتل بغتة على يد بعض مماليكه. وكان أصل جانم هذا من مماليك الأشرف برسباى وكان يعرف بجانم المكحل، وكان رئيسًا حشمًا دينًا خيرًا شجاعًا بطلا، ولكن كان عنده خفة ورهج وحدة مزاج مع طيش، وولى عدة وظائف جليلة منها الأمير آخورية الكبرى بمصر ونيابة حلب ونيابة دمشق، وكان ترشح أمره إلى السلطنة ولم يتم ذلك وقد تقدمت أخباره بما جرى عليه من عصيانه وما كان سبب ذلك. وفيه جاءت الأخبار بأن عثمان صاحب تونس قد انتصر على محمد بن أبي ثابت صاحب تلمسان وضربت السكة باسمه وأقيمت الخطبة باسمه أيضًا، وقد قبض على محمد بن أبي ثابت صاحب تلمسان بعد ذلك وسجنه. وفيه توفى الشيخ زين الدين ماهر بن عبد الله (^٥) الأنصارى
_________________
(١) في يوم الأحد ١٣ من ربيع الأول - النجوم الزاهرة ص ٧١٤.
(٢) انظر الضوء اللامع ج ٣ ص ٢٩٠ رقم ١١٠٧، والنجوم الزاهرة ص ٧٧٤.
(٣) في يوم السبت ٢٦ منه - النجوم الزاهرة ص ٧١٤
(٤) في ليلة الثلاثاء ٢٩ منه - النجوم الزاهرة ص ٧١٤ و٧٧٣ - ٧٧٤، والضوء اللامع ج ٣ ص ٦٣ - ٦٤ رقم ٢٥٥. Wiet، Manhal Sâfi، p. ١١٧، no. ٨٠٣
(٥) انظر نظم العقيان ص ١٣٥ رقم ١٢٣.
[ ١٢٣ ]
الشافعى وكان من أهل العلم والفضل لا بأس به.
وفى ربيع الآخر خرجت التجريدة المعينة إلى قبرس (^١) وكان باش العسكر الأمير برد بك البجمقدار حاجب الحجاب والأمير جانى بك قلقسيز ومن الأمراء العشرات جماعة كثيرة، فبعث السلطان للأمير برد بك البجمقدار نفقة خمسة آلاف دينار، وللأمير جانى بك قلقسيز ثلاثة آلاف دينار، ولكل أمير عشرة مائتى دينار، ولكل مملوك من مماليك السلطان خمسة عشر دينارًا، وخرجوا من البحر الملح. وفيه قرر في نيابة ملطية يشبك البجاسي أتابك حلب عوضًا عن أينال الأشقر، وقرر فى الأتابكية بحلب أينال الأشقر (^٢). وفيه توفى الشيخ علاى الدين الغزى إمام السلطان وكان لا بأس به. وفيه خرجت خوند الأحمدية زوجة السلطان إلى زيارة سيدى أحمد البدوى (^٣) فخرجت في محفة كما تقدم قبل ذلك. وفيه ظهر زين الدين الأستادار (^٤) فأخلع عليه السلطان وقرره في الأستادارية، وصرف عنها قاسم الكاشف. وفيه ولد للسلطان ولد ذكر من بعض سراريه.
وفي جمادى الأولى قرر فى نيابة صفد بلاط اليشبكي بمال سعى به، وقرر خاير بك القصروى فى تقدمة ألف بدمشق، عوضًا من يشبك المؤيدى، وقرر أوش قلق (^٥) في نيابة غزة، عوضًا عن شاد بك الصارمي بحكم وفاته. وفيه (^٦) توفى الأمير جانى بك البواب المؤيدى أحد الأمراء العشرات وكان دينًا خيرًا لا بأس به. - وفيه مرض الأتابكي جرباش كرت
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٧١٥ حيث يقول إنه عين مع الأمراء نحو «خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية وهذا خلاف المطوعة والخدم وأرباب الصنائع وغيرهم». وانظر أيضًا حوادث الدهور ص ٤٣٥ - ٤٣٧.
(٢) انظر النجوم الزاهرة ص ٧١٤ - ٧١٥.
(٣) المرجع السابق ص ٧١٥
(٤) انظر المرجع السابق ص ٧١٥.
(٥) «يشبك أش قلق». المرجع السابق ص ٧١٤. وأوش قلق «معناه بالعربى ثلاثة آذان» حوادث الدهور ص ٦٦١، والضوء اللامع ج ١٠ ص ٢٧٥ رقم ١٠٨٢.
(٦) فى يوم الجمعة ٢٨ منه المرجع السابق ص ٧٧٥، والضوء اللامع ج ٣ ص ٦٠ رقم ٢٣٩
[ ١٢٤ ]
فنزل السلطان وعاده، فقدم إليه الأتابكى جرباش تقدمة حافلة فقبل منها السلطان بعضها ورد الباقي … وفيه صحت الأخبار بموت جانم نائب الشام كما تقدم فدقت البشائر لذلك بالقلعة وفى بيوت الأمراء، فعد موت جانم من جملة سعد الظاهر خشقدم ولو عاش جانم كدر عيش الظاهر خشقدم وأفسد البلاد الحلبية وخبثها.
وفي جمادى الآخرة توفيت خوند عائشة (^١) ابنة الملك الظاهر جقمق، وهي زوجة الأمير أزبك من ططخ، من خوند مغل بنت البارزي، أخرجت في بشخانة زركش ونزل السلطان وصلى عليها بسبيل المؤمنى وكانت جنازتها حافلة، ودفنت عند أبيها بتربة قانى باى الجركسي.
وفى رجب (^٢) كان دوران المحمل على العادة، ومعلم الرماحة الأمير قايتباي المحمودي شاد الشراب خاناه.- وفيه (^٣) قرر جكم الأشرفى خال العزيز فى نيابة غزة، وبطل أمر شاد بك الجلبانى.- وفيه عجل السلطان بلبس البياض بخلاف العادة لأجل ضرب الكرة، وكان رمضان قد هجم وقرب الصوم.- وفيه وصلت تقدمة من عند تنم نائب الشام وكانت تقدمة حافلة. - وفيه عين السلطان تجريدة إلى البحيرة وكان باش العسكر الأمير جانى بك المرتد أحد المقدمين والأمير قايتباى المحمودي (^٤) شاد الشراب خاناه وجماعة من الأمراء العشرات والجند فتوجهوا إلى هناك وأقاموا به مدة ثم عادوا.- وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان ومنعوا الناس من الطلوع إلى القلعة وضربوا مقدم المماليك وهجموا على نائب القلعة (^٥)، وكان هذا أول فساد الجلبان الخشقدمية.- وفيه جاءت الأخبار من مكة بوقوع سيل عظيم فهدم البيوت ودخل الحرم وأغرق مقام إبراهيم ﵇ ووصل
_________________
(١) في الضوء اللامع ج ١٢ ص ٢٧ رقم ١٥١ «خديجة»، وانظر النجوم الزاهرة ص ٧٧٥.
(٢) في يوم الإثنين ١٥ منه - النجوم الزاهرة ص ٧١٥.
(٣) في يوم الثلاثاء ١٦ منه - المرجع السابق ص ٧١٥.
(٤) في النجوم الزاهرة ص ٧١٥ «قانى بك المحمودي المؤيدى» -والصحيح ما جاء هنا، إذ أن شاد الشراب خاناه كان فى هذا الوقت قايتباى المحمودي.
(٥) انظر النجوم الزاهرة ص ٧١٦.
[ ١٢٥ ]
إلى قريب باب الكعبة وكان أمرًا مهولا. وفيه توفى أزبك المحمودي أحد الأمراء العشرات وكان من مماليك الأشرف برسباى. وفيه (^١) أخلع السلطان على البدرى حسن بن الصواف الحمرى وقرر فى قضاء الحنفية بمصر، عوضًا عن محب الدين بن الشحنة، وقد سعى ابن الصواف بمال جزيل حتى قرر فى قضاء الحنفية. - وفيه توفى الشيخ شمس الدين بن الجلال الشافعي، وكان فاضلًا ذكيًا عارفًا بزمانه، ومولده سنة ست وسبعين وسبعمائة.
وفى شعبان توفى الشيخ برهان الدين بن الميلق الشاذلي الشافعي خطيب جامع ابن طولون، وكان عالمًا فاضلا واعظًا محدثًا دينًا خيرًا، ومولده سنة أربع وثمانين وسبعمائة. وفيه كسفت الشمس كسوفًا تامًا حتى أظلمت الدنيا واستمرت فى الكسوف نحوًا من أربعين درجة.
وفى رمضان توفى المسند عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد الأسيوطى (^٢) الشافعي، وكان عالمًا محدثًا لا بأس به. وفيه قرر في تقدمة الماليك مثقال البرهانى الظاهرى، وصرف عنها صندل (^٣). وفيه توفى الشيخ شمس الدين محمد بن الضياء العجمى الحلبي الشافعي، وكان ينسب إلى الكرابيسي، وكان الكرابيسي من أصحاب الإمام على ﵁، وكان تولى قضاء الشافعية بحلب، ومولده سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
وفى شوال اختفى الصاحب علاى الدين بن الأهناسي (^٤)، وكان عظم أمره في هذه الولاية جدًا ولا سيما جمع بين الوزارة والخاص في وقت واحد. وفيه أخلع السلطان على مجد الدين بن البقرى وقرر في الوزارة عوضًا عن العلاى على بن الأهناس، وقرر تاج الدين بن المقسى في نظر الخاص عوضًا عن ابن الأهناسي أيضًا. - وفيه (^٥) خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير.
_________________
(١) في يوم الإثنين ٢٩ من رجب - المرجع السابق ص ٧١٥.
(٢) في الضوء اللامع ج ٤ ص ١٦٦ - ١٦٧ رقم ٤٣٨ «الأميوطي».
(٣) «صندل الظاهرى» النجوم الزاهرة ص ٧١٦.
(٤) انظر المرجع السابق ص ٧١٦.
(٥) في يوم الإثنين ١٧ منه - المرجع السابق ص ٧١٦.
[ ١٢٦ ]
ركب المحمل برد بك البجمقدار، وأمير ركب الأول الشهابي أحمد بن الأتابكي تاني بك البردبكي. وفيه أخلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني وأعيد إلى قضاء الشافعية وصرف عنها يحيى المناوى (^١)، وهذه آخر ولايات علم الدين البلقيني ومات عقيب ذلك بمدة يسيرة.
وفي ذي القعدة كان وفاء النيل في تاسع مسرى، فلما أوفى رسم السلطان للأمير جانى نائب جدة بأن يكسر السد ومعه الشهابي أحمد بن العيني، فتوجها إلى المقياس وخلقا العمود بحضرتهما ثم نزلا في الحراقة وفتحا السد على العادة وكان لهما يوم مشهود. وفيه قرر في نيابة الكرك حسن بن أيوب وصرف عنها مبارك شاه. وفيه كان نهاية عمارة القبة التي أنشأها الأمير جاني بك نائب جدة في منشية المهراني، فلما كملت عمارتها عمل لها وليمة حافلة فى ليلة الجمعة سادس عشرين هذا الشهر (^٢) وأوقد لها وقدة حافلة على شاطئ النيل ونصب هناك صوارى وعلق بها قناديل، فلما أشيع ذلك بين الناس جاءت الخلائق إلى هناك زمرًا في البر والبحر بسبب الفرجة وتزاحمت هناك المراكب، وكانت ليلة حافلة قل أن يقع مثلها في الفرجة والقصف، ١٥ وكان الأمير جانى بك عزم على السلطان خشقدم بأن ينزل إليه ويبات عنده في القبة، فأجابه السلطان خشقدم إلى ذلك، فلم يمكنه جماعته من ذلك وخيلوه من جاني بك، فأرسل إليه ربيبه الجناب الشهابي أحمد بن العينى ١٨ إلى القبة تلك الليلة، فحضر وحضر جماعة من أعيان الدولة ما عدا الأمراء المقدمين الألوف فإنه لم يعزم عليهم، وقرأ فى تلك الليلة هناك ختمة ومد أسمطة حافلة وحضر قراء البلد جميعًا، وحضر الريس إبراهيم بن الجندى المغنى وعلى بن رحاب المغنى، فتعصب الأمير جانى بك في تلك الليلة لابن رحاب على إبراهيم بن الجندى، وكان هذا أول شهرة ابن رحاب بالغناء من يومئذ، فبات ابن العيني عند الأمير جانى بك تلك الليلة، فلما أراد الانصراف
_________________
(١) انظر المرجع السابق ص ٧١٦.
(٢) راجع النجوم الزاهرة ص ٧١٦ - ٧١٧.
[ ١٢٧ ]
من عنده قدم إليه تقدمة حافلة ما بين خيول وبين قماش وغير ذلك، وهذا أول ظهور ابن العيني في الرئاسة بمصر وأطلق عليه سيدى ابن بنت السلطان، فلما انقضت تلك الليلة لهجوا الناس بأن هذه تمام سعد الأمير جانى بك وكذا جرى، فكان بين تلك الوليمة وقتلته أربعة أيام كما سيأتى ذكر ذلك في موضعه.
فاما كان يوم الثلاثاء أول (^١) ذى الحجة قال السلطان لجاني بك نائب جدة بادر إلى بالطلوع يوم الثلاثاء فإن قصدى أقبض على جماعة من خشداشينى المؤيدية، وكان لأمر بخلاف ذلك، ومن ملخص هذه الواقعة أن الظاهر خشقدم لما ثقل عليه أمر جانى بك نائب جدة، ورأى الظاهرية قد التفوا عليه قاطبة وأشيع عنه الوثوب على السلطان، فاجتمع السلطان بخشداشينه المؤيدية مثل قائم التاجر وقنبك المحمودي وغير ذلك من المؤيدية وضربوا مشورة فى أمر جانى بك، فأشار قائم التاجر على السلطان بأن يجتمع بالأمير جانى بك ويشكو له من قانم التاجر وقنبك المحمودى ومهما قاله له فى حقهم يرد الجواب على الأمير قانم بذلك، فلما طلع الأمير جانى بك إلى القلعة فوجد السلطان كاظم فسأله عن سبب ذلك فأخذ السلطان يشكو له من قائم التاجر ومن بقية خشداشينه بأنهم قد طمعوا في حقه وصاروا يعاكسونه في الأمور، فقال جانى بك: نحن نقبض عليهم بالقصر كما فعلنا بالأشرفية، فقال له السلطان: ما يشكرنى على ذلك أحد كونهم خشداشينى، فقال له جانى بك: سلط عليهم الماليك الجلبان يقتلونهم واعتذر للأمراء عن ذلك أنه لم يكن باختيارك وإذا قتلوهم لم تنتطح في ذلك شاتان، فاتفقا على ذلك، فأرسل السلطان يعلم الأمير قانم بما قاله جانى بك فقال قائم للسلطان الذي أشار به جانى بك في قتلنا أفعله أنت به، فقرر مع جانى بك بأن يطلع يوم الثلاثاء
_________________
(١) في الأصل: ثامن - وراجع أخبار هذا الحادث فى النجوم الزاهرة ص ٧١٧ و٧٧٥ - ٧٨١، وحوادث الدهور ص ٥٦٦ - ٥٦٩، وانظر الضوء اللامع ج ٣ ص ٥٧ - ٥٩، Saracenic Heraldry، p. ١٣١ - ١٣٢، Wiet، Manhal Sâfi، p. ١١٩.no. ٨١٨، رقم ٢٣٥
[ ١٢٨ ]
بدرى حتى يفعل ما وقع عليه الاتفاق، ثم إن السلطان قرر مع مماليكا أن إذا طلع جانى بك يكمنون له فى باب القلة ويخرجون عليه يقتلونه وعرفهم كيف يقتلونه، فلما كان يوم الثلاثاء بادر جانى بك بالطلوع إلى القلعة فطلع وصحبته تنم رصاص المحتسب وجانم دواداره وبعض مماليك، فلما طلع إلى القلعة ودخل من باب القلة فاغلقوا خلفه الباب، ورأى في القلعة بعض اضطراب فظن أن ذلك هو الاتفاق الذي اتفقه مع السلطان كما تقدم، فلما وصل إلى باب الجامع خرج عليه كمين هناك من المماليك فطعنه بعضهم بالرمح في بطنه فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه فأخذ بعض المماليك فص حجر كان هناك وألقاه على رأسه ففششها حتى خرج مخ رأسه، ثم قتلوا تنم رصاص بالسيوف، ثم أرادوا قتل جانم دوادار جانى بك فمنعهم بعض المماليك من ذلك فسجنوه في مكان بالقلعه، ثم جردوا جانى بك من أثوابه وتنم رصاص وألقوهما على حصير في مكان خلف الجامع، وكانت قتلة جانى بك نائب جدة عند الجامع الذى بالقلعة بالقرب من الزردخاناه وذلك في يوم الثلاثاء أول (^١) ذى الحجة سنة سبع وستين وثمانمائة وقد لعبت به المؤيدية وتمت الحيلة عليه، وكان هو سعى في قتل جماعة من المؤيدية، فكان كما قيل في المعنى:
وكم من طالب يسعى لشيء … وفيه هلاكه لو كان يدرى
فلما طلع النهار غسلوا جانى بك وتنم رصاص وكفنوهما وصلوا عليهما بالقلعة ونزلوا بهما، فدفنوا جانى بك فى تربته (^٢) التى بالقرب من باب القرافة، ودفنوا تنم رصاص في تربته التي عند الإمام الليث، وكان جانى بك أصله من مماليك الظاهر جقمق ورقى فى دولة الظاهر خشقدم حتى بقى مدبر المملكة، وكان هو القائم فى سلطنة الظاهر خشقدم وفى مسك الأمراء
_________________
(١) في الأصل: ثامن.
(٢) وهى مسجلة بإدارة حفظ الآثار العربية تحت رقم ١٧١، انظر في ذلك: C.R.، ١٨٩٢١ p. ٦٩; C.I.A.، Egypte، p. ٤١١ - ٤٢١، no. ٢٨٣ - ٢٨٥; Brief Chronology،.p. ١٣٦: Mosquées du Cairel p. ٣١٤، ٣١٧، ٣٣١.
[ ١٢٩ ]
الأشرفية وفي رجوع جانم نائب الشام بعد ما كان ترشح أمره إلى السلطنة، وكان ينزل من القلعة إلى بيته الذى في السبع سقايات في المواكب الحافلة والأمراء والعسكر قدامه مثل المواكب السلطانية، وهو أول من اتخذ السعاة قدامه من الدوادارية، وكان أميرًا جليلا فى سعة من المال، حاكم الحجاز بسبب نيابة جدة، وكان كثير الحيل والخداع دهاء في نفسه سيوسًا في أحكامه كريم النفس سخى اليد، وكان صفته أسمر اللون قصير القامة جدًا شائب اللحية عليه الوقار والسكينة، ومات وله من العمر نحوًا من سبع وخمسين سنة، وكان مولعًا بغرس الأشجار وحب الرياض، وهو الذي أنشأ الزاوية التي في منشية المهراني وقرر بها شيخًا وصوفة من أبناء العجم، وكان له محاسن ومساوئ وأذى وخير، وكانت قتلته من النوادر الغريبة. -- وأما تنم رصاص (^١) أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان ولى حسبة القاهرة، وكان عنده الظلم والعسف الزائد، وهو الذي أنشأ الجامع الذى داخل الدرب بالقرب من بيت جاني بك نائب جدة.
فلما قتل جانى بك وقع في ذلك اليوم بعض اضطراب وكثر القيل والقال في ذلك اليوم، ثم إن مماليك جاني بك لبسوا لامة الحرب وطلعوا إلى الرملة، فما طبوا طبة ونزل إليهم مماليك السلطان فشتتوهم عن آخرهم .. ثم في ذلك اليوم قبض السلطان على جماعة من الأينالية ممن كان قد التف على جاني بك نائب جدة وهم أزدمر الإبراهيمي الطويل وتانى بك قرا وشخص آخر، ثم قبض على جماعة من الظاهرية ممن كان من عصبة جاني بك وهم سودون البرقى وقانصوه اليحياوى وطومان باى ودمرداش (^٢) الطويل وتغرى بردى ططر وكل منهم كان أمير عشرة رأس نوبة، فبعث سودون البرقى إلى السجن بثغر الإسكندرية، وبعث قانصوه اليحياوي وتغرى بردى ططر إلى طرابلس، وبعث تانى بك قرا إلى غزة، وأزدمر الطويل إلى الشام،
_________________
(١) تنم من بخشاش الجركسي الظاهري جقمق ويقال له تم رصاص - الضوء اللامع ج ٣ ص ٤٣ - ٤٤ رقم ١٨١، والنجوم الزاهرة ص ٧٨١.
(٢) في الأصل: ودمراش.
[ ١٣٠ ]
فلما فعل ذلك انخفض أمر الظاهرية وقويت شوكة المؤيدية. ثم عمل الموكب بالقصر (^١) وأخلع على الأمير يشبك الفقيه المؤيدى وقرر في الدوادارية الكبرى عوضًا عن جانى بك نائب جدة، وأخلع على سودون البردبكى المؤيدى وقرر فى الحسبة عوضًا عن تنم رصاص، وقرر في الأمير آخورية الثانية نانق الظاهرى عوضًا عن سودون البرقى. وأخلع على المعلم شمس الدين محمد البباى وقرر فى نظر الدولة (^٢) وهذا أول عظمة البباى في الوظائف السنية وفيه (^٣) توفى الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن شرف القرافي المالكي سبط ابن أبي جمرة، وهو والد القاضي بدر الدين، وكان عالمًا فاضلا في مذهبه وناب في القضاء، وكان عين لقضاء المالكية في أيام الأشرف أينال قبل حسام الدين بن حريز فما تم ذلك، ومولده سنة إحدى ووثمانمائة، وكان من أعيان المالكية.
ثم إن السلطان ما اكتفى بقتلة جاني بك نائب جدة حتى قبض على جماعة من الأمراء الظاهرية (^٤) وهم تمر بغا رأس نوبة النوب وأزبك من ططخ أحد الأمراء المقدمين، ومن الأمراء العشرات برقوق وقان باى الساقي، فقيدوهم ونزلوا بهم على أكاديش تردفهم الأوجاقية بالخناجر، فشقوا بهم من الصليبة، وتوجهوا بهم إلى بولاق، ونزلوا بهم فى الحراقة، وتوجهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان لهم يوم مهول، وسبب ذلك أن السلطان كان له قصد بأن يقبض على جماعة من أعيان الظاهرية فندب إليهم جماعة من مماليكه فقبضوا على من تقدم ذكرهم، فلما جرى ذلك قامت عليه الأشلة، وقصدوا الظاهرية بأن يثبوا عليه، وكادت أن تكون فتنة كبيرة فيها زوال ملكه، فلما تحقق ذلك استدرك فارطه وقصد تخميد هذه الفتنة، فبعث.
_________________
(١) فى يوم الإثنين ٧ من ذى الحجة - النجوم الزاهرة ص ٧١٧.
(٢) في يوم السبت ١٣ منه - المرجع السابق ص ٧١٧.
(٣) في ليلة الإثنين ١٤ منه - النجوم الزاهرة ص ٧٨١ - ٧٨٢، والضوء اللامع ج ٧ ص ٢٧ - ٢٨ رقم ٥٦، ونظم العقيان ص ١٣٦ رقم ١٢٦.
(٤) راجع النجوم الزاهرة ص ٧١٨ - ٧٢٠.
[ ١٣١ ]
خلف قايتباى المحمودى وأزبك اليوسفى وشرع يعتذر لهما بأن الذى جرى من مسك الأمراء لم يكن باختياره ولا بعلمه وإنما هذا فعل المماليك الجلبان، وشرع يحلف عن ذلك الإيمان عظيمة، وكان كاذبًا في إيمانه والذي فعل بالأمراء بعلمه وهو القائم في ذلك، وقرر مع قايتباى وأزبك اليوسفى بأنه في باكر النهار يكتب مراسيم بعود الأمراء الذين سجنوا كما تقدم، ثم إن السلطان ألزم قايتباى وأزبك بأن يطوفوا على جماعة الظاهرية ويخمدوا هذه الفتنة، فدار وا تحت الليل على الظاهرية وخمدوا هذه الفتنة، فلما طلع النهار كتب السلطان مرسومًا إلى نائب ثغر الإسكندرية بإحضار الأمراء الذين توجهوا إلى السجن بها -. وفى هذا الشهر توفى طوخ كسا الأبوبكرى الناصرى أحد العشرات -. وتوفى كمشبغا شبشق المؤيدى أحد العشرات وكان علامة في في رمى النشاب دينا خيرًا كثير البر والصدقات وله اشتغال بالعلم متفقها وكان لا بأس به، انتهى ذلك.