وهو الأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية (^١)، وهو الثانى من ملوك الروم بمصر في العدد، أقول: وكان أصله رومى الجنس من مشتراوات الملك الظاهر جقمق، اشتراه ورباه صغيرًا في دور الحرم، فلما تسلطن جعله خاصكيًا، ثم بقى من جملة السلحدارية، ثم بقى خازندارًا، ثم بقى أمير طبلخاناه دوادارًا ثانيا في أثناء دولة الظاهر جقمق، وسافر إلى الحجاز أمير حاج أول فى سنة تسع وأربعين وثمانمائة، ثم بقى مقدم ألف في دولة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، ثم قرر في الدوادارية الكبرى عوضًا عن دولا تباى الدوادار، ثم نفى إلى الإسكندرية في دولة الأشرف أينال فأقام في السجن نحوًا من ست سنين، ثم نقله الأشرف أينال إلى مكة فأقام بها نحو ثلاث سنين، فلما تسلطن الظاهر خشقدم رسم بإحضاره من مكة، فلما حضر استقر به رأس نوبة النوب عوضًا عن قرقماس الجاب، فأقام على ذلك مدة ثم نفاه الظاهر خشقدم إلى الإسكندرية فأقام بالسجن ثلاثة أيام هو والأمير أزبك من ططخ وبرقوق فشفع فيهم الأتابكى قانم التاجر فرسم السلطان بأن يحضروا، فلما حضروا أقام تمر بغا على ذلك مدة ثم بقى أمير مجلس لما نفى الأتابكى جرباش كرت إلى دمياط عندما بقى قائم التاجر أتابك العساكر، ثم بقى أتابك العساكر في دولة الظاهر يلباى عند ما تسلطن، فلما ركب جماعة المؤيدية وانكسر يشبك الفقيه فخلع
_________________
(١) قارن ما يلى هنا بما جاء فى النجوم الزاهرة ص ٨٤٢ - ٨٤٩.
[ ١٩٥ ]
الظاهر يلباى من السلطنة، فلما خلع وقع الاتفاق من الأمراء على سلطنة الأتابكي تمر بغا. فلما كان يوم السبت سابع جمادى الأولى من هذه السنة حضر الأتابكى تمر بغا وسائر الأمراء فى المقعد الذى بباب السلسلة، فلما تكامل المجلس حضر الخليفة والقضاة الأربع، ثم عملت صورة شرعية في خلع الظاهر يلباى وقامت البينة بأنه عاجز عن تدبير المملكة، فخلع الظاهر يلباى من السلطنة وبويع الأتابكى تمريغا بالسلطنة ولقب بالملك الظاهر أيضًا، فعند ذلك أحضر إليه شعار السلطنة وهى الحبة والعمامة السوداء فأفيض عليه ذلك، وتقلد بالسيف، وقدم إليه فرس النوبة فركب من سلم المقعد وركب الخليفة أمامه، ولم تحمل على رأسه القبة والطير فإنها كانت مفقودة من الزردخاناه، فأحضر إليه الصنجق السلطاني فأذن للمقر السيفى قايتباى رأس نوبة النوب بأن يحمل الصنجق على رأسه وقد ترشح أمره للأتابكية، فلما ركب وسار مشت قدامه الأمراء، فطلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على السرير، وباس له الأمراء الأرض، وكنى بأبي سعيد أيضًا، وقد تلقب ثلاثة سلاطين متوالية بالظاهر. فلما جلس على سرير الملك أخلع على الخليفة ونزل إلى داره، ثم ضربت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه في القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وظن كل أحد بقاءه في السلطنة وكان الأمر بخلاف ذلك، قيل لما أن كان الظاهر تمر بغا بمكة بشره بعض الصالحين أنه سيلى السلطنة في سنة اثنين وسبعين وثمانمائة وكان الأمر كذلك. ثم في أواخر هذا اليوم وقع النهب في دور الأمراء المؤيدية الذين وثبوا. ثم ظهر الأمير قانى بك المحمودى (^١) أمير سلاح، فلما طلع إلى القلعة سجن في قاعة البحرة عند الظاهر يلباى. ثم ظهر مغلباى طاز فرسم بإخراجه منفيًا إلى ثغر دمياط (^٢). ثم إن الظاهر تمر بغا رسم بإخراج مراسيم شريفة إلى ثغر الإسكندرية بإطلاق المؤيد أحمد (^٣) بن الأشرف أينال من السجن، وأذن له بالركوب إلى صلاة الجمعة والعيدين، وأن يسكن ف أى دار شاء من دور الإسكندرية وذلك ترضيًا لخاطر طائفة الأينالية. ثم رسم بإطلاق (^٤) الأمير قرقماس الجلب وقلم طاى وأرغون شاه وأن يحضروا إلى
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٤٥.
(٢) المرجع السابق ص ٨٤٥.
(٣) المرجع السابق ص ٨٤٦.
(٤) المرجع السابق ص ٨٤٦.
[ ١٩٦ ]
القاهرة، وكان الظاهر يلباى سجنهم كما تقدم، ثم رسم بإحضار دولاتباي النجمي الأشرفي وتمراز الشمسى من ثغر دمياط وذلك ترضيًا لخاطر الأشرفية البرسبيهية، ثم أعاد ما قطع من جوامك الماليك الأينالية. ثم عمل الموكب بالقصر وأخلع على جماعة من الأمراء وهم المقر السيفى قايتباي المحمودى (^١) وقرره في الأتابكية عوضًا عن نفسه، وأخلع على جانى بك قلة سيز وقرره في أمرة السلاح عوضًا عن قنبك المحمودى المؤيدى، وأخلع على الشهابي أحمد بن العينى وقرر في أمرة مجلس عوضا عن جانى بك قلقسيز، وفي الشهابي أحمد بن العينى يقول الأديب على بن برد بك الحنفي:
يا طاهر الأصل يا سبط الملوك … ومن حاز الطهارة من أصل بوجهين
البحر جدك والإجماع منعقد … على طهارة ماء البحر والعين
ثم أخلع على برد بك هجين وقرر فى الأمير آخورية الكبرى عوضًا عن ابن العيني، وأخلع على خاير بك الظاهرى الخشقدمى وقرر في الدوادارية الكبرى عوضًا عن يشبك الفقيه، ثم قرر في الدوادارية الثانية كسباى عوضًا عن خاير بك، وكسباى هذا كان أخو خوند خمسمائة زوجة الظاهر تمر بغا، ثم أخلع على الأمير خشكلدى البيستى وقرر في رأس نوبة النوب عوضًا عن قايتباى المحمودى بحكم انتقاله للأتابكية، ثم أخلع على قانصوه اليحياوى وقرره في نيابة الإسكندرية. وفيه في ليلة عاشره نزلوا بالظاهر يلباي من القلعة وتوجهوا به إلى السجن بثغر الإسكندرية (^٢)، فنزل بعد العشاء وهو مقيد هو وقنبك المحمودى أمير سلاح، وكان المتسنمر عليهما قانصوه اليحياوي الذي قرر فى نيابة الإسكندرية، فنزلوا بهما فى الحراقة وانحدروا في البحر من وقتهم إلى الإسكندرية، فسجن الظاهر يلباى بها إلى أن توفى في سنة ثلاث وسبعين، وتوفى بعده قنبك المحمودي (^٣)، وزالت دولة المؤيدية كأنها
_________________
(١) عين قايتباى في الأتابكيه يوم السبت ٧ من جمادى الأولى، أما باقى التعيينات المذكورة هنا فيما يلى فكانت يوم الإثنين تاسعه النجوم الزاهرة ص ٨٤٩ و٨٤٣.
(٢) انظر حوادث الدهور ص ٦١٥.
(٣) توفى في شهر ربيع الأول من سنة ٨٧٤ الضوء اللامع ج ٦ ص ١٩٨ رقم ٦٧٥، وابن إياس (طبعة كالا ومصطفى) ج ٣ ص ٣٨، Wiet، Manhal Sâfi، p، ٢٧٠، no، ١٨٢١.
[ ١٩٧ ]
لم تكن. ولما تسلطن الظاهر تمر بغا لم ينفق على العسكر بل أكمل النفقة التي تنفقها الظاهر يلباى على الجند (^١). وفى هذا الشهر (^٢) أنعم الظاهر تمر بغا بتقادم ألوف على ستة من الأمراء وهم لاجين الظاهري الحقيقي وسودون الأفرم الظاهري الخازندار وجاني بك الفقيه أمير آخور ثانى وتمر من محمود شاه الوالى وتانى بك المعلم رأس نوبة ثانى ومغلباى أزن سقل الظاهري الخشقدمى. ثم أخلع على تمر الوالى وقرر فى حجوبية الحجاب عوضًا عن برد بك هجين بحكم انتقاله إلى أمرة السلاح، وأخلع على برقوق الناصري الظاهري الجقمقى وقرر فى شادية الشراب خاناه عوضًا عن مغلمباى الظاهري الخشقدمى، وقرر في نيابة القلعة تغرى بردى ططر الشمسى الظاهرى عوضًا عن سودون المؤيدى بحكم نفيه، وقرر فى ولاية القاهرة أصباى البواب الخشقدمى، ثم قرر في أمرة الحاج تانى بك المعلم عوضًا عن جانى بك كوهيه بحكم القبض عليه. وفيه (^٣) كانت نهاية تفرقة النفقة، ولكن قطع نفقه أولاد الناس والطواشية والمتعممين كما قرر الظاهر يلباى. وفيه (^٤) قرر في الحجوبية الثانية جكم أحد جلبان خشقدم، وهو ابن أخت الأتابكى قايتباى المحمودي، عوضًا عن قنبك الأزدمرى بحكم عجزه وكبر سنه، وقرر في الرأس نوبة الثانية دولاتباى حمام الأشرفى عوضًا عن ثانى بك العلم، وقرر برسباى قرا الظاهرى في الخازندارية عوضًا عن سودون الأفرم، وقرر فارس السيفى دولات با أحد العشرات في الزرد كاشية الكبرى عوضًا عن طوخ المؤيدى بحكم نفيه إلى دمياط. وفيه وصل إلى القاهرة الأمير قرقماس الجلب وقلمطاى وأرغون شاه، فلما طلعوا إلى القلعة أخلع عليهم السلطان كوامل ونزلوا إلى دورهم (^٥). وفيه توجه الأمير يشبك الفقيه الدوادار الكبير الذى ركب وأظهر العصيان، فلما انكسر اختفى، ثم توجه إلى بيت الأتابكى قايتباي فشفع فيه عند
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٥٠.
(٢) في يوم الخميس ١٢ منه - المرجع السابق ص ٨٥١ - ٨٥٢.
(٣) في يوم السبت ١٤ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٥٢، وحوادث الدهور ص ٦١٦.
(٤) في يوم الإثنين ١٦ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٥٣
(٥) انظر المرجع السابق ص ٨٥٣.
[ ١٩٨ ]
السلطان فرسم بإخراجه إلى القدس بطالا (^١) فخرج مبادرًا - وفيه في ليلة سابع عشره وقع بالقاهرة زلزلة خفيفة (^٢) وسقط منها بعض أماكن عتيقة - وفيه فرق السلطان الإقطاعات (^٣) على جماعة من المماليك الخشقدمية فأقطع نحوًا من سبعين مملوكًا - وفيه (^٤) رسم السلطان بنفى جماعة من المؤيدية إلى البلاد الشامية منهم سودون الفقيه وجقمق وجانم كسا وقانى باى ميق وجانى بك البواب وطوغان ميق ودولات با الأبوبكرى فشفع بعض الأمراء في جماعة منهم بأن يقيموا فى دورهم بطالين - وفيه (^٥) وصل تمراز الشمسي ودولات باي النجمى من دمياط، فلما صعدا إلى القلعة طيب السلطان خواطرهما ووعدهما بكل جميل - وفيه رسم السلطان بدوران المحمل الرجبي وأن تسوق الرماحة على العادة - وفيه (^٦) وصلت رأس جهان شاه، وقد قتله حسن الطويل وأرسل رأسه إلى بين يدى السلطان، فرسم بأن تعلق على باب زويلة ثلاثة أيام فعلقت، وكان هذا أول بتع حسن الطويل في ملوك الشرق. وفيه (^٧) أخلع السلطان على أرغون شاه الأشرفي وقرر في نيابة غزة عوضًا عن دمرداش العثماني بحكم صرفه عنها.
وفي جمادى الآخرة نودى من قبل السلطان بأن من له ظلامة أو شكاية فعليه بالوقوف للسلطان بالإسطبل يوم السبت والثلاثاء (^٨)، فكثر الدعاء له بسبب ذلك، وظن أن الوقت قد صفا له فكان الأمر بخلاف ذلك، فكان كما قيل في المعنى:
وسالمتك الليالى فاغتررت بها … وعند صفو الليالى يحدث الكدر
_________________
(١) انظر حوادث الدهور ص ٦١٦.
(٢) انظر المرجع السابق ص ٦١٦.
(٣) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٥٣.
(٤) في يوم الأربعاء ١٨ منه - المرجع السابق ص ٨٥٣ - ٨٥٤.
(٥) في يوم الخميس ١٩ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٥٤.
(٦) في يوم السبت ٢١ منه - المرجع السابق ص ٨٥٤، وحوادث الدهور ص ٦٦٢ - ٦٦٣ والضوء اللامع ج ٣ ص ٨٠ رقم ٣١٤، Wiet، Manhal Safi، p. ١٢٥، no. ٨٥٤،
(٧) في يوم الثلاثاء ٢٤ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٥٥.
(٨) انظر المرجع السابق ص ٨٥٥.
[ ١٩٩ ]
وفيه رسم السلطان للأمير قرقماس الجلب بأن يخرج إلى ثغر دمياط ويقيم بها من غير سجن وهو معزوز مكروم، وقد بلغ السلطان أن قصد الجلبان أن يشوشوا عليه، فخرج وتوجه إلى دمياط (^١) ورتب له ما يكفيه. وفيه أرسل أزبك من ططخ نائب الشام يشفع عند السلطان فى برد بك البجمقدار بأن يعاد إلى نيابة حلب، وكان الظاهر يلباى سجنه بالقدس، فأجابه السلطان إلى ذلك وأعاد برد بك إلى نيابة حلب (^٢)، وصرف عنها يشبك البجاسى وأمر بسجنه فى قلعة دمشق … وفيه (^٣) وصل سودون البرقى إلى الخانكاه، وقد حضر إلى مصر من غير إذن من السلطان، وكان مقدم ألف بدمشق، فلما بلغ السلطان ذلك تغير خاطره على سودون البرقى وأمر بعوده من حيث جاء، ولم يأذن له بالدخول إلى القاهرة، فعاد إلى دمشق كما كان، وبعث إليه السلطان كاملية بصمور وفرس بسرج ذهب وكنبوش، فعاد إلى دمشق من يومه … وفيه جاءت الأخبار بأن حسن الطويل زحف على بلاد السلطان، وقد قصد محاربة سوار، وكان قصد حسن الطويل أن يشيل سوار من طريقه حتى يتمكن هو من الزحف على بلاد السلطان. - وفيه (^٤) تغير خاطر السلطان على القاضى خروف فضربه بين يديه بالإسطبل ضربًا مبرحًا، ثم أشهره بالقاهرة وهو مكشوف الرأس وقطع أكمامه ثم سجنه، ثم أمر بنفيه إلى البلاد الشامية حتى شفع فيه بعض الأمراء، وجرت عليه أمور يطول شرحها … وفيه قبض السلطان على الشرفي يحيى بن يشبك الفقيه الدوادار وصادره، وقرّر عليه مال له صورة، وهذا أول فتك السلطان … وفيه قويت الإشاعة بأن خاير بك الدوادار يقصد أن يوثب على السلطان ويقبض على جماعة من الأمراء (^٥)، وكان كسباى الخشقدمى مع
_________________
(١) فى ليلة السبت سادسه - المرجع السابق ص ٨٥٥.
(٢) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٥٥ - ٨٥٦.
(٣) فى يوم السبت ١٣ منه - المرجع السابق ص ٨٥٦.
(٤) فى يوم السبت ٢٠ منه - المرجع السابق ص ٨٥٦ - ٨٥٧.
(٥) قارن ما جاء هنا فيما يلى حتى عزل السلطان تمربغا، بما جاء فى النجوم الزاهرة ص ٨٥٧ - ٨٦٩.
[ ٢٠٠ ]
طائفة من المماليك الخشقدمية من عصبة الظاهر تمر بغا، لكون أن أخت، كسباى متزوجة بالظاهر تمر بغا، وكان يمنع الجلبان من الوثوب على السلطان، فوقعت العداوة بين كسباى وخاير بك وقد تعمرت القلوب بالتشاحن بينهما فاستمروا على ذلك حتى استهل رجب فامتنع جماعة كثيرة من الأمراء من الطلوع إلى القلعة، حتى الأتابكي قايتباي المحمودي - فاما قويت هذه الإشاعة خرج الأتابكي قايتباى إلى نحو قليوب ليكشف على مربع جماله، وكان أوان الربيع، فأذن له السلطان في ذلك. وكان خاير بك لما تسلطن تمر بغا استمال طائفة الأينالية واتفق معهم بأن يتسلطن وأن يقبض على طائفة الظاهرية قاطبة والأشرفية قاطبة، وأن تكون الخشقدمية والأينالية شيئًا واحدًا ويقتسموا المملكة بينهما ويرضيهم قاطبة بالأمريات والإقطاعات، فاتفقوا على ذلك وأن خاير بك يصعد إلى القلعة ويقبض على السلطان بعد العشاء، ومن عنده من الأمراء، وأن الأينالية تركب من تحت القلعة ويقبضوا على بقية الأمراء الذين لم يصعدوا إلى القلعة، فانخرم منهم ذلك الاتفاق وجاء الأمر بخلاف ذلك على ما يساق. فلما كان يوم الأحد ليلة الإثنين سادس هذا الشهر بات السلطان بالقصر على العادة، وطلع إلى القلعة جماعة من الأمراء المقدمين منهم جانى بك قلقسيز أمير سلاح والمقر الشهابي أحمد بن العينى أمير مجلس وبعض أمراء مقدمين، ولم يطلع الأتابكى قايتباي في تلك الليلة، فلما صلى السلطان المغرب بالقصر ودخل إلى الخرجاة، وقع بين خاير بك الدوادار وبين كسباى الدوادار الثانى بعض تشاجر بالقصر، فلما اتسع الكلام بينهما ثار على كسباى جماعة من الجلبان ممن هو من عصبة خاير بك فقبضوا على كسباى ومن هو من عصبته، وقيل ضربوا كسباى لما قبضوا عليه ثم سجنوه في مكان بالقصر، فلما اتسعت الفتنة لبسوا آلة الحرب، ثم أن خاير بك ندب جماعة من الجلبان وأمرهم أن يهجموا على الظاهر تمر بغا ويقبضوا عليه وعلى من عنده من الأمراء الظاهرية، فهجموا عليه وكسروا باب الخرجاة ودخلوا إليه فأقاموه
[ ٢٠١ ]
من على مرتبته وسجنوه غصبًا وأنزلوه فى المخبأة التى تحت الخرجاة وأنزلوا معه جاني بك قلقسيز وتغرى بردى ططر وتمر حاجب الحجاب. فلما قبضوا على السلطان وسجنوه أحضروا النمجاة والترس الخاير بك، وترشح أمره بأن يلى السلطنة، فتوضأ وجلس على كرسى المملكة بالقصر الكبير، ثم إن جماعة من الخشقدمية قبلوا له الأرض، وتلقب بالملك الظاهر كلقب أستاذه الظاهر خشقدم، وقيل تلقب بالملك العادل، فأول من قبل له الأرض الشهابي أحمد بن العيني فقرره في أمرة السلاح، وقرر جماعة كثيرة من الخشقدمية كل أحد في وظيفة تليق به (^١)، وكل ذلك تحت الليل، فتصرف في تلك الليلة بما اقتضى له الاختيار، ولسان الحال يناديه: كلام الليل يمحوه النهار. ثم إن المماليك الجلبان ثاروا على من بالقلعة، ونزلوا من الطباق ونهبوا الحواصل السلطانية، ثم كسروا باب الستارة ودخلوا دور الحرم ونهبوا كلما كان فيه، وفسقوا في عيال الظاهر تمر بغا، وهذا أمر مشهور ولو لم نذكره في التاريخ. فلما بلغ الأمير برد بك هجين ذلك، وكان يومئذ أمير آخور كبير، فأرسل يعرف الأتابكى قايتباي بما جرى في القلعة، وكان الأتابكي قايتباى قد حضر من الربيع تلك الليلة .. فلما تحقق ما فعله خاير بك، أرسل خلف خشداشينه الظاهرية، فاجتمع عنده الجم الخفير من العسكر، فركب في ذلك الجمع. ثم بلغه أن طائفة الأينالية قد استمالوا مع خاير بك واجتمعوا في مكان بالقرب من سويقة العزى، فهجم عليهم الأتابكي قايتباى فوجد هناك أعيان الأينالية مثل قاني بردى وجانى باى وتانى بك قرا وقانصوه الخسيف وغير ذلك من الأينالية، فلما رأوه قاموا له، فانبطح بين أيديهم وقال اقتلوني أنتم ولا المماليك الجلبان. فقالوا: نعوذ بالله من ذلك يا أمير كبير، ثم اشتوروا الأينالية في بعضهم وقالوا: هذا صهر أستاذنا كون أنه متزوجًا ببنت العلاى على بن خاص بك، فقالوا: لا تمر بغا ولا خاير بك أنت تكون سلطانًا، فتمنع من ذلك غاية الامتناع، فركبوا معه وطلعوا
_________________
(١) راجع فى ذلك. Mostafa، Hairbay Sultan Laila.
[ ٢٠٢ ]
إلى الرملة، فقويت شوكة قايتباي واجتمع معه طائفة الظاهرية والأشرفية والأينالية فراج أمره، فلما طلعوا إلى الرملة برز يشبك من مهدي كاشف الوجه القبلى مع جماعة من العسكر فملكوا باب السلسلة من غير مانع وسلم المدرج وباب الميدان.
فبينما خاير بك في أمره ونهيه فبلغه ما وقع لقايتباي وأن العسكر قد التف عليه وترشح أمره إلى السلطنة، فاضطربت أحواله وضاق الأمر عليه، فعند ذلك أخرج الظاهر تمر بغا من المخبأة التي تحت الخرجاة وأجلسه على مرتبته وأعاد إليه النمجاة والترس، ثم انبطح بين يديه وقال: قم اقتلني بيدك فإنى كنت باغيًا عليك، فقال له الظاهر تمر بغا: طمن خاطرك يا أمير دوادار لا أنا ولا أنت بقى لنا إقامة وإن السلطنة لقايتباي.
فلما طلع النهار وأشرقت شمس يوم الإثنين انكسرت الخشقدمية، فطلع يشبك من مهدى وتمراز الشمسى إلى القلعة، فقبضوا على الظاهر تمر بغا وأدخلوه قاعة البحرة، ثم قبضوا على خاير بك وابن العيني وقيدوهما في الحال وأدخلوهما في الركبخاناه التي تحت القصر وترسم عليهما قرقماس الصغير الأينالى، وأدخلوا معهما عبد الكريم مهتار الطشتخاناه الذي كان تخدمة الظاهر خشقدم، ثم طلع الأتابكى قايتباى إلى باب السلسلة وجلس بالمقعد وأشرف على السلطنة. وانحل أمر الخشقدمية وزالت دولة الظاهر تمر بغا كأنها لم تكن، فكانت مدة إقامته في السلطنة بالديار المصرية ثمانية وخمسون يومًا لا غير إلى يوم خلعه من السلطنة، فكان كما قيل:
لم استتم عناقه لقدومه … حتى ابتدأت عناقه لوداعه
فكان كما يقال في المعنى:
قليل الحظ ليس له دواء … ولو كان المسيح له طبيب
ولم يعلم من ملوك الترك من خلع فى هذه المدة اليسيرة سوى الظاهر يلباى وتمر بغا. - وكان الظاهر تمر بغا وافر العقل، كامل الهيئة، كفوًا للسلطنة، عارفًا بأنواع الفروسية، اجتمع فيه أشياء كثيرة من الفضائل والمحاسن،
[ ٢٠٣ ]
وإلى الآن تنسب إليه أشياء كثيرة من آلة الحرب، وله معرفة تامة باللعب بالرمح ورمى النشاب، وكان عارفًا بصنعة الحساب القبطى والديواني، فصيحًا بقراءة القرآن وله اشتغال بالعلم، وكان يقبن (^١) بيده على التحرير، ويعقد بيده التزكاوات الحرير، وله غير ذلك أشياء كثيرة من المحاسن، ولكن لما تسلطن لم يساعده الزمان مع عرفانه بأحوال المملكة وثبات جنانه، فلم يتم أمره في السلطنة وغدره خاير بك كما تقدم بما جرى له من شدائد ومحن، وهجم المماليك الجلبان على حرمه، وقلة إنصافه وسرعة زوال ملكه، وقد قيل في المعنى:
إني تأملت الزمان وفعله … في خفض ذي شرف ورفع الأرذلي
كطبايع الميزان في أفعاله … تضع الرواجح والنواقص تعتلى
وكان من ملخص أخبار الظاهر تمر بغا أن لما انكسرت الخشقدمية وقع الاتفاق من العسكر على خلع الظاهر تمر بغا وسلطنة الأتابكى قايتباى قال أمر تمر بغا إلى أن خلع من السلطنة وتسلطن قايتباى، فلما تسلطن رفق بالظاهر تمر بغا ورسم بإخراجه إلى ثغر دمياط من غير تقييد ولا سجنه، واستمر بدمياط إلى أن كان من أمره ما سنذكره في موضعه بما وقع له (^٢). انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الظاهر تمر بغا وذلك على سبيل الاختصار.
_________________
(١) كذا فى الأصل، ولعله يقصد: يقبل بنفسه على التحرير.
(٢) وتوفى الظاهر تمربغا بثغر الإسكندرية فى شهر ذى الحجة سنة ٨٧٩ - ابن إياس (طبعة كالا ومصطفى) ج ٣ ص ١٠١، وانظر أيضًا: نظم العقيان ص ١٠٢ رقم ٦١، Weil، gesch.d، abbas، chalifats in Egypten، II، p. ٣٢١ - ٣٢٥
[ ٢٠٤ ]