وهو التاسع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الرابع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم في العدد ممن تسلطن بمصر. أقول وكان أصل الظاهر يلباي جركسي الجنس، جلبه الأمير أينال ضُضُع من بلاد الجراكسة، فاشتراه منه الملك المؤيد شيخ في سنة عشرين وثمانمائة، فأقام فى الطبقة مدة، ثم أعتقه وأخرج له خيلا وقماشًا وصار من جملة الجمدارية، ثم بقى خاصكيا، ثم بقى ساقيا في دولة الملك الظاهر جقمق، ثم أنعم عليه بأمرة عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناه، ثم بقى مقدم ألف في دولة الأشرف أينال، ثم بقى حاجب الحجاب في دولة الظاهر خشقدم، ثم بقى أمير آخور كبير، ثم بقى أتابك العساكر بمصر بعد موت الأتابكي قائم التاجر في سنة سبعين وثمانمائة، واستمر على ذلك حتى توفى الملك الظاهر خشقدم فتسلطن بعده.
وكان من ملخص أخبار سلطنته (^١) أن لما توفى الظاهر خشقدم اجتمع الأمراء بباب السلسلة عند المقر الشهابي أحمد بن العيني أمير آخور كبير، فتكلم الأمراء فيمن يلى السلطنة بعد الظاهر خشقدم فوقع الاختيار من الأمراء على سلطنة الأتابكي يلباى فترشح أمره إلى السلطنة، وكان القائم في ذلك المقر السيفى تمر بغا أمير مجلس وكان يمهد لنفسه فى الباطن، وكان الماليك الجلبان الخشقدمية فئتين، فئة مع الأمير خاير بك الدوادار، وفئة مع
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٢١ - ٨٢٥، وحوادث الدهور ص ٦٠٢.
[ ١٨٥ ]
ابن العيني، فلما تعصب الأمراء للأتابكي يلباى فما وسع خاير بك إلا الموافقة على ذلك .. فأحضر الخليفة والقضاة الأربع، وأحضروا إليه شعار السلطنة وهي الجبة والعمامة السوداء والسيف البداوى، فبايعه الخليفة وتلقب بأبي سعيد الظاهر كخشقدم، فلما تمت بيعته أفيض عليه شعار الملك، وكانت مبايعته بالقصر الكبير فما ركب فرس النوبة ولا حمل القبة والطير على رأسه ولا مشت قدامه الأمراء، فجلس على سرير الملك والباقي للغروب نحوًا من خمس درج - وفى ذلك اليوم سقط باب القصر الكبير فما أمكن الدخول إلى القصر إلا من الإيوان، فتفاعل الناس بسرعة زوال ملكه عن قريب وكذا كان - فلما جلس على سرير الملك باس له الأمراء الأرض، وضربت له البشائر بالقلعة، ونودى بسلطنته في القاهرة فلم يدعو له أحد من الناس. - ثم أخلع على المقر السيفي تمر بغا أمير مجلس وأقره في الأتابكية عوضًا عن نفسه (^١)، وأخلع على الخليفة ونزل إلى داره. ثم إن الظاهر يلباى بات تلك الليلة بالقصر، فلما أصبح يوم الأحد حادي عشره أشار عليه خاير بك الدوادار بأن يرسل بالقبض على الأمير قرقماس الجلب وأرغون شاه أستادار الصحبة (^٢)، فإن خاير بك خشى من قرقماس الجلب أن تقوم معه الأشرفية فإنه كان رأس الأشرفية وترشح أمره إلى السلطنة غير ما مرة، فأرسل الظاهر يلباى مراسيم بالقبض عليه، وكان قد توجه إلى جهة الصعيد هو والأمير يشبك الفقيه الدوادار بسبب ما وقع بين يشبك من مهدى كاشف الوجهه القبلى وبين يونس بن عمر أمير عربان هوارة وقد تقدم ذكر ذلك، فكان هذا أول مساوئ الظاهر يلباى. ثم في يوم الإثنين (^٣) عمل الموكب وهو أول مواكبه، فأخلع على الأمير قانى باى المحمودي (^٤) وقرر في أمرة مجلس عوضًا عن تمر بغا بحكم تقرره في الأتابكية -
_________________
(١) أخلع عليه بالأتابكة في اليوم نفسه، ثم فى يوم الإثنين ١٢ منه أخلع عليه بنظر البيمارستان المنصوري - النجوم الزاهرة ص ٨٢٦.
(٢) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٢٧.
(٣) ١٢ من ربيع الأول - المرجع السابق ص ٨٢٦.
(٤) في الأصل: المحمدى
[ ١٨٦ ]
وفى هذا الشهر جاءت الأخبار من حلب بأن شاه سوار قد قويت شوكته والتف عليه جماعة كثيرة من التركمان، فكسر العسكر الشامى والحلبي (^١) وقتل جماعة كثيرة من الأعيان واستولى على عدة مدن وقلاع، وأسر برد بك البجمقدار نائب الشام، وقتل قاني باى الحسنى المؤيدي (^٢) نائب طرابلس وكان إنسانًا حسنًا لا بأس به مات وله من العمر زيادة على سبعين سنة، وقتل قراجا الظاهري (^٣) الخازندار أتابك دمشق وكان أميرًا دينًا خيرًا رومى، الجنس حشمًا رئيسًا كان حاجب الحجاب بمصر ثم نفى إلى القدس بطالا ثم أفرج عنه وقرر في الأتابكية بدمشق وخرج مع نائب الشام فقتل فى المعركة، وقتل أيضًا نوروز المحمدى أحد مقدمى الألوف بحلب، وقتل كرتباى الأشرفي (^٤) أحد أمراء طرابلس، وقتل مامش من قصروه الأشرفي أحد أمراء طرابلس أيضًا، وقتل أيضًا شاد بك فرفور الأشرفى (^٥) أتابك حماه، وقتل أيضًا بكبلاط الأينالى (^٦) أحد أمراء طرابلس وكان شابًا جميل الصورة، وقتل أيضًا ألماس الأشرفي (^٧) أتابك حلب، وقتل محمد غريب الأستادار بحلب، ومحمد بن جلبان (^٨) أحد أمراء دمشق، وقتل من العسكر ما لا يحصى وإنما ذكرنا هنا أعيان من قتل في المعركة، وهذا أول استظهار شاه سوار على العسكر السلطاني وأول فتكه بهم، واستمرت هذه الفتنة تتزايد حتى صار من أمرها ما سيأتى الكلام على ذلك.
_________________
(١) انظر تفاصيل أخرى في النجوم الزاهرة ص ٨٢٨ - ٨٢٩، وحوادث الدهور ص
(٢) ٦٠٥.
(٣) قتل فى المعركة مع سوار فى ليلة الثلاثاء سادس ربيع الأول - حوادث الدهور ص ٦٦٠، والضوء اللامع ج ٦ ص ١٩٥ رقم ٦٦٠، Wiet، Manhal Safi، p، ٢٦٩، no. ١٨١٨
(٤) انظر حوادث الدهور ص ٦٦٠ - ٦٦١، والضوء اللامع ج ٦ ص ٢١٥ رقم ٧١٧، Wiet، Manhal Sâfi، p. ٢٧٣، no. ١٨٤٢
(٥) انظر حوادث الدهور ص ٦٦٢، والضوء اللامع ج ١ ص ٢٢٧ رقم ٧٧١.
(٦) انظر الضوء اللامع ج ٣ ص ٢٨٩ رقم ١١٠٢.
(٧) انظر حوادث الدهور ٦٦٢، والضوء اللامع ج ٣ ص ١٧ رقم ٧٦.
(٨) انظر حوادث الدهور ص ٦٦١، والضوء اللامع ج ٢ ص ٣٢١ رقم ١٠٣٦، Saracenic Heraldry، p. ٢٤٢ - ٢٤٣
(٩) انظر حوادث الدهور ص ٦٦٢، والضوء اللامع ج ٧ ص ٢١٣ رقم ٥٢٥.
[ ١٨٧ ]
وفيه عمل السلطان المولد النبوى (^١) وكان غير حافل. وفيه نودى للعسكر بأن نفقة البيعة يكون فى أول الشهر الجديد (^٢). وفيه عين السلطان جماعة من أعيان الخشقدمية منهم برسباى قرا وحكم قرا وطومان باى بأن يتوجهوا إلى الوجه القبلى بالقبض على قرقماس الجلب أمير سلاح وقلمطاى الاسحاقى وأرغون شاه أستادار الصحبة وكلهم أشرفية برسبيهية، فتوجهوا هؤلاء وقبضوا على الأمراء المذكورين وتوجهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية (^٣) وفيه (^٤) رجع إلى القاهرة الأمير أزبك من ططخ رأس نوبة النوب والأمير جاني بك قلقسيز حاجب الحجاب، وقد تقدم أنهما توجها إلى العقبة بسبب فساد عربان بني عقبة، فوصل العسكر إلى الأزنم ولاقاهم أينال الأشقر نائب غزة، فقبضوا على شيخ بني عقبة وجماعة من العربان نحوًا من ستين إنسانًا، فلما طلع أزبك وجانى بك قلقسيز، فباسا الأرض للظاهر يلباى، فأخلع عليهما ونزلا إلى دورهما، ثم إن الظاهر يلباى رسم بتوسيط العربان الذي أحضروا هم وشيخهم مبارك، وكان في العربان من هو صغير السن دون البلوغ، فوسطهم أجمعين ولم يعرف الظالم من المظلوم فعد ذلك من مساوئه أيضًا. فلما حضر أزبك من ططخ أشار خاير بك الدوادار على الظاهر يلباي بأن يولى أزبك نيابة الشام عوضًا عن برد بك البجمقدار بحكم أسره عند سوار، وكان الظاهر يلباى مع خاير بك الدوادار مسلوب الاختيار لا يقضى أمرًا دونه، فكان إذا سئل في شيء يقول: إيش كنت أنا قل له (^٥)، يعنى قل لخاير بك، حتى سموه العوام: قل له. فلما كان يوم الجمعة أواخر هذا الشهر طلع الأمير أزبك إلى القلعة وصلى الجمعة مع السلطان، فلما انقضت الصلاة جلس السلطان على باب
_________________
(١) راجع النجوم الزاهرة ص ٨٢٧.
(٢) راجع المرجع السابق ص ٨٢٦.
(٣) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٢٧، وحوادث الدهور ص ٦٠٥ - ٦٠٦.
(٤) في يوم الإثنين ١٩ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٢٧.
(٥) انظر المرجع السابق ص ٨٢٨.
[ ١٨٨ ]
الستارة وأحضر خلعة وألبسها للأمير أزبك من ططخ وقرره في نيابة الشام (^١) عوضًا عن برد بك البجمقدار، ثم قرر مع الأمير أزبك أن يخرج بعد ثلاثة أيام .. ثم عمل الموكب وأخلع على خشداشه قنبك المحمودى وقرر في أمرة السلاح عوضًا عن قرقماس الجلب بحكم سجنه بثغر الإسكندرية، ثم إن الظاهر يلباى أرسل خلعة إلى أينال الأشقر نائب غزة ونقله إلى نيابة حماه عوضًا عن تنم خونى الحسنى بحكم وفاته، وعين نيابة غزة إلى محمد بن مبارك فامتنع من ذلك .. وفي أواخر هذا الشهر توفى قتيلا ببلاد الشرق يشبك أوش قلق المؤيدى (^٢)، قتل بيد حسن الطويل صاحب ديار بكر، وكان موصوفًا بالشجاعة جدًا .. وفيه جاءت الأخبار بوفاة سنقر العايق، وكان من أعيان الظاهرية، وكان موصوفًا بالشجاعة وأنواع الفروسية، وكان كثير الانهماك في اللذات وشرب الراح وحب الملاح، وكان تنقل في وظائف كثيرة آخرها أتابكية طرابلس، وكان لا بأس به.
وفي ربيع الآخر (^٣) ابتدأ السلطان بتفرقة النفقة على الجند، ولكن قطع نفقة أولاد الناس قاطبة وكذلك الخدام ومن كان غائبًا من المماليك، ولم ينفق على الأمراء أيضًا، وكان هذا من مساوئه أيضًا. - وفيه (^٤) عمل السلطان الموكب وأخلع على جماعة من الأمراء منهم جاني بك قلقسيز وقرر في أمرة مجلس عوضًا عن قانى باى المحمودى (^٥)، وقرر فى حجوبية الحجاب برد بك هجين عوضًا عن جانى بك قلقسيز، وقرر في رأس نوبة النوب قايتباى المحمودي عوضًا عن أزبك من ططخ بحكم انتقاله إلى نيابة الشام، وقرر فى تقدمة قايتباى سودون القصر وى نائب القلعة، وقرر خشكلدى البيستى في تقدمة ألف، وأرسل خلعة إلى أينال الأشقر وقرر في نيابة طرابلس بعد
_________________
(١) قرر في نيابة الشام في يوم الإثنين ٢٦ من ربيع الأول - النجوم الزاهرة ص ٨٢٩.
(٢) يقول في حوادث الدهور ص ٦٦١ أنه توفى بدمشق بعد عودته من المعركة مع سوار، انظر أيضًا الضوء اللامع ج ١٠ ص ٢٧٥ رقم ١٠٨٢.
(٣) في يوم السبت ثانيه - النجوم الزاهرة ص ٨٣٠ - ٨٣١، وحوادث الدهور ص ٦٠٦.
(٤) في يوم الإثنين ١١ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٣١ - ٨٣٢.
(٥) في الأصل: المحمدى.
[ ١٨٩ ]
أن عين إلى نيابة حماه، وتقرر محمد بن مبارك فى نيابة حماه (^١)، وكانت نيابة طرابلس شاغرة من حين قتل قانى باى الحسنى في وقعة سوار. ثم إن السلطان أخلع (^٢) على طرا باى الظاهرى خشقدم وقرر في الحسبة، وقرر مغلباى أزن سقل في شادية الشراب خاناه عوضًا عن خشكلدى البيستى، وقرر في أستادارية الصحبة سودون البهاى عوضًا عن أرغون شاه الأشرفى. ثم إن السلطان شرع ينعم (^٣) على أعيان الخشقدمية بأمريات عشرات منهم أركماس وقايت البواب وطرا باي وأصباى واصطمر وجانم ومغلباى، ثم أنعم على جماعة من الظاهرية الحقيقية بأمريات عشرات منهم أزبك اليوسفي وقانم قشير وقائم أمير شكار وحكم قرا وقرقماس أمير آخور، وأنعم على جماعة من المماليك السيفية بأمريات عشرات منهم تمر باى التمرازى المهمندار وبرسباي الشرفي وغير ذلك من الخشقدمية والحقمقية والسيفية. وفيه جاءت الأخبار بأن برد بك البجمقدار نائب الشام قد خلص من أسر سوار وقد وصل إلى غزة طالبًا للقاهرة، فلما بلغ السلطان ذلك استشار الأمير خاير بك الدوادار في ذلك، فأشار عليه بأن يرسل بالقبض عليه وأن يحمل إلى القدس بطالا (^٤)، فتوجه إليه أزدمر تمساح وقبض عليه وتوجه به إلى القدس، وقيل إنه دخل إلى القاهرة واختفى بها في مكان حتى قبض عليه وخرج إلى القدس، وكان برد بك البجمقدار سببا لكسر العسكر الذي توجه إلى سوار، فإنه كان متواطئًا مع سوار فى الباطن، فأخنى (^٥) بالعسكر حتى انكسر وقتل من قتل منهم، وكان برد بك مخامرًا على الظاهر خشقدم في الباطن، فلما خرج إلى التجريدة وانكسر العسكر التف برد بك على سوار وأقام عنده،
_________________
(١) انظر حوادث الدهور ص ٦٠٣، والنجوم الزاهرة ص ٨٣٢ حيث يقول إنه عين في نيابة حماه في يوم الخميس ١٤ منه.
(٢) في يوم الخميس ١٤ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٣٢
(٣) انظر المرجع السابق ص ٨٣٢ - ٨٣٣.
(٤) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٣٣ و٨٣٤، وحوادث الدهور ص ٦٠٩.
(٥) بمعنى: غدر بهم.
[ ١٩٠ ]
فلما بلغه موت الظاهر خشقدم أطلقه سوار فقصد المجيء إلى مصر عند خشداشينه جماعة الظاهرية الحقيقية، فوجد الأمر والنهى للأمير خاير بك الدوادار، فقبض عليه وأرسله إلى القدس بطالا وقال: عدو أستاذى عدوى -. وفيه سافر (^١) الأمير أزبك من ططخ إلى الشام، وقد تقدم أنه قرر في نيابة الشام. فخرج إليها في تجمل زائد وكان له يوم مشهود. وفيه جاءت الأخبار بوفاة جهان كير (^٢) أخى حسن الطويل، وكان من محاسن بني قرا يلك، وكان متوليا على ماردين، وأنعم عليه الظاهر جقمق بتقدمة ألف بحلب، وملك ديار بكر بعد عمه حمزة، فلما مات استقل حسن الطويل بعده بملك ماردين وديار بكر جميعه واشتهر صايح (^٣) حسن الطويل وذكره من يومئذ وعظم قدره جدًا.
وفي جمادى الأولى ظهر العجز على السلطان يلباي وقصرت كلمته، وحار في رضى المماليك الخشقدمية، وصار فى يدهم مثل اللولب يديرونه حيث شاؤوا، فكثرت الإشاعة بأن الجلبان الخشقدمية قصدهم إثارة فتنة وأن يقبضوا على جماعة من الأمراء المؤيدية، فامتنعت الأمراء من الصعود إلى القلعة (^٤) مثل قنبك المحمودى أمير سلاح وجانى بك كوهيه ومغلباى طاز، فبينما هم على ذلك إذ حضر الأمير يشبك الفقيه أمير دوادار كبير، وكان خرج صحبة الأمير قرقماس الجلب إلى جهة الصعيد كما تقدم، فلما حضر إلى القاهرة قصد بأن يثير فتنة ويقبض على جماعة من الخشقدمية لكى يصفو لهم الوقت فجاء الأمر بخلاف ذلك. فلما كان يوم الخميس خامس هذا الشهر وثب الأمير يشبك الفقيه (^٥) ولبس لامة الحرب واجتمع عنده
_________________
(١) في يوم الإثنين ١٨ منه - النجوم الزاهرة ص ٨٣٣ حيث يقول إن السلطان خلع عليه في اليوم السابق «كاملية بفرو وسمور بمقلب سمور وهي خلعة السفر».
(٢) انظر الضوء اللامع ج ٣ ص ٨٠ - ٨١ رقم ٣١٥، Wiet، Manhal Sâfi، p. ١٢٥، no. ٨٥٥
(٣) بمعنى: صيت وشهرة.
(٤) انظر النجوم الزاهرة ص ٨٣٤ - ٨٣٥
(٥) قارن ما يلى هنا عما حدث إلى أن عزل السلطان يلباى بما جاء في النجوم الزاهرة ص ٨٣٥ - ٨٤١، وحوادث الدهور ص ٦٠٩ - ٦١٥
[ ١٩١ ]
سائر خشداشينه المؤيدية، فلما سمع بذلك الأشرفية والأينالية جاءوا إلى يشبك الفقيه أفواجًا أفواجًا، والتف عليهم جماعة كثيرة من المماليك السيفية فتكامل عنده عدة وافرة من هذه الطوائف، وأتى إليه الجمّ الخفير من الزّعر والعوام، ثم إن خشداشه طوخ الزردكاش نقل إليه من الزردخاناه أشياء كثيرة من قسى ونشاب وسبقيات وغير ذلك من آلات الحرب، فلما تكامل هذا الجمع خرج الأمير يشبك الفقيه من داره وطلع في المدرسة الجاولية التي بجوار بيته فجلس بها ونصب هناك مكحلة، وحفر أربعة خنادق: واحد عند مدرسة لاجين التي في الجسر الأعظم، وواحد عند المدرسة الصرغتمشية، وواحد عند رأس حدرة الكبش، وواحد عند باب جامع ابن طولون، فعند ذلك كثر الهرج والاضطراب وكان يشبك الفقيه قرر مع الظاهر يلباى بأن ينزل إليه ويعلق الصنجق السلطانى فى المدرسة الجاولية وتجتمع عنده العساكر، فلم ينزل السلطان إليه، فلما بلغ الخشقدمية أن الأينالية والأشرفية قد التفوا على الأمير يشبك الفقيه فقلقوا من ذلك واستمالوا معهم الظاهرية الجقمقية، فلما تزايدت الفتنة وقع القتال بين الفريقين واستمر في ذلك اليوم عمالا، ونزل جماعة من المماليك الخشقدمية وتحاربوا مع الأينالية والأشرفية. فلما كان يوم الجمعة سادسه نزل من القلعة بعد صلاة الجمعة السواد الأعظم من العسكر، ونزل معهم الأمير قايتباى المحمودى رأس نوبة النوب، فتوجهوا إلى عند الأمير يشبك الفقيه وتحاربوا معه، ووقع في ذلك اليوم أمور يطول شرحها، وقتل في ذلك اليوم ثلاثة أنفار من المماليك السلطانية، فلما حال بينهما الليل ففى تلك الليلة دار جماعة من الظاهرية الجقمقية على الأشرفية والأينالية واستمالوا أعيانهم، واتفقوا معهم تحت الليل بأن يكونوا هم وإياهم شيئا واحدًا، ويشيلوا المؤيدية قاطبة، ويعزلوا الظاهر يلباى ويسلطنوا الأتابكي تمر بغا، فاتفقوا على ذلك. فلما أصبح اليوم يوم السبت سابعه تسحب سائر العسكر الذي كان عند يشبك الفقيه، فلما تلاشى أمره هرب واختفى هو وخشداشينه المؤيدية قاطبة وانكسروا كسرة قوية، فعند
[ ١٩٢ ]
ذلك نهب العوام بيوتهم، ولا سيما بيت قنبك المحمودي أمير سلاح فلم يتركوا في بيته شيئًا قلَّ وجلَّ، وكان تدبيرهم في تدميرهم كما قيل في المعنى:
إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول من يجنى عليه اجتهاده
فلما كان يوم السبت دخل جماعة من فجار الخشقدمية على الظاهر يلباى وأقاموه من على مرتبته وأدخلوه في سجن المخبأة التي تحت الحراقة، وقد وقع الاتفاق على سلطنة الأتابكى تمر بغا الظاهري وقد ترشح أمره إلى السلطنة، وأشرف الظاهر يلباى على خلعه من السلطنة، فكان مدة سلطنته بالديار المصرية شهرين إلا أربعة أيام، فكأنها سنة من النوم أو يوم أو بعض يوم كما قيل في المعنى:
ركب الأهوال في زورقه … ثم ما سلم حتى ودَّعا
ثم في أثناء ذلك اليوم قبض على قنبك المحمودي أمير سلاح، فلما طلعوا به إلى القلعة نقلوا الظاهر يلباى إلى قاعة البحرة وأدخلوا عنده قاني بك المذكور وقيدوهما، واستمرا مقيمين في البحرة هو وقاني بك ثلاثة أيام ثم توجهوا بهما إلى السجن بثغر الإسكندرية. وكان الظاهر يلباى آخر سعد المؤيدية وبه زالت دولتهم كأنها لم تكن، فما كان أغنى الظاهر لبا عن هذه السلطنة، وكان يلباى عمره أرشل قليل المعرفة وعجز عن تدبير الملك، وكان يعرف بيلباي المجنون، وكان من مبتدأ أمره إلى أن بقى سلطانًا وهو في غلاسة هو ومماليكه، وكان ملبسه غلس، وسماطه غلس، وشكله سمج، سييء الأخلاق، سُوء الطباع، مقت اللسان، وكان عنده شح زائد وبخل كثير، وكانت سلطنته غلظ، وزال سعده جملة واحدة، وخرج ماله على أنحس وحه وقد نفقه على العسكر، فلما تشحطت النفقة فحسن له خاير بك الدوادار أن يكمل النفقة من ماله، وإذا جاء من المال يستعيد الذي أنفقه، فانصاغ له وأخرج ما عنده من المال الذي حصله من حين كان جنديًا فنفقه جملة واحدة وضاع عليه ذلك، وكان سيء التدبير في سائر أفعاله كما قيل في المعنى:
[ ١٩٣ ]
وفظ غليظ الطبع لا ود عنده … وليس لديه للأخلاء تأنيس
تواضعه كبر وتقريبه جفًا … وترحيبه مقت وبشراه تعبيس
وكانت أيام سلطنته شر أيام مع قصرها، وكان مع خاير بك الدوادار في غاية الضنك، ليس له فى السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، ولا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا يشور خاير بك حتى سمته العوام: أيش كنت أنا قل له، وآخر الأمر خلع من السلطنة وقيد وسجن بثغر الإسكندرية حتى مات بالسجن (^١) وقد كبر سنه وقاسى شدائدا ومحنًا، وكان عمره كله أرشل. ولما خلع من السلطنة تولى بعده تمر بغا الظاهرى كما سيأنى الكلام على ذلك. انتهى ما قد أوردناه من أخبار دولة الظاهر يلباى وذلك على سبيل الاختصار، تمت. .
_________________
(١) توفى ليلة الإثنين مستهل ربيع الأول سنة ٨٧٣ الضوء اللامع ج ١٠ ص ٢٨٧ - ٢٨٩ رقم ١١٣١، وابن إياس (طبعة كالا ومصطفى) ج ٣ ص ١٩، وحوادث الدهور ص ٧١٨ Wiet، Manhal Sâfi، p. ٤٠٣، no. ٢٦٧٤ Weil، Gesch.d.، ٧١٩، والنجوم الزاهرة ص ٨٤١ Abbas Chalifats in Egypten، II، p. ٣١٦ - ٣٠٢
[ ١٩٤ ]