في السنوات من ١٩٢٨ إلى ١٩٣٥ كان لى عظيم الشرف أن أشتغل مع أستاذى الدكتور باول كاله فى نشر الأجزاء الثالث والرابع والخامس من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور لمحمد بن أحمد بن إياس الحنفي. وقد تناولت هذه الأجزاء تاريخ مصر من سنة ٨٧٢ (١٤٦٨) إلى سنة ٩٢٨ (١٥٢٢)، على اعتبار أن ابن إياس كان المؤرخ الوحيد تقريبًا الذي كتب عن هذه الفترة الحاسمة من تاريخ مصر.
وقد توخينا في نشر الجزء الثالث أن يبدأ بذكر تولى السلطان الأشرف قايتباي تقاليد الحكم فى شهر رجب سنة ٨٧٢، وهو التاريخ الذى ينتهى فيه كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى، وبذلك تتوالى حلقات تاريخ مصر فى عصر المماليك من كتاب السلوك للمقريزى، إلى التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوى، فالنجوم الزاهرة لأبى المحاسن، وتنتهي ببدائع الزهور لابن إياس. وكان من أثر ذلك أننا بدأنا الجزء الثالث هذا من صفحة ٩٩ آ من مخطوط فاتح رقم ٤١٩٨ دون أن ننشر الثمان والتسعين ورقة الأولى منه، وهى تشمل تاريخ الفترة من شهر ربيع الأول سنة ٨٥٧ (١٤٥٣) إلى شهر رجب سنة ٨٧٢ (١٤٦٨)، أى عصور السلاطين أينال وأحمد بن أينال وخشقدم ويلباى وتمر بغا المنشورة هنا.
ولكنى بعد أن قارنت متن هذا القسم من بدائع الزهور في وقائع الدهور بما أورده أبو المحاسن من أخبار عن نفس هذه الفترة في كتابيه النجوم الزاهرة وحوادث الدهور، لاحظت أن أنباء بعض الشهور ناقصة في هذين الكتابين الأخيرين، وأن أبا المحاسن لم يكتب عن كل الحوادث التي ذكرها ابن إياس في
[ ٩ ]
هذا القسم، فتبينت لى أهمية نشر هذا الجزء من تاريخ ابن إياس، باعتبار أن هذه الكتب الثلاثة تتمم بعضها البعض وأنها في مجموعها تؤلف المراجع الأساسية لتاريخ هذه الفترة.
ومما زاد من أهمية نشر هذا القسم - الذي اعتمدت في نشره على نسخة الأصل بخط المؤلف - أن مثله المنشور في طبعة بولاق (ج ٢ ص ٣٨ - ٨٩) قد اعتمد في طبعة على نسخة اختصر فيها المتن إلى حد أنه صار بعيدًا كل البعد عن متن الأصل الذى كتبه ابن إياس بخطه. ويكفى لكى يظهر لنا مدى الفارق الكبير بين النسختين أن نلاحظ أن تاريخ النسخ التسع سنوات من ٨٦٣ إلى ٨٧١ - المطبوع هنا في الصفحات من ٦٠ إلى ١٧٧ - قد نشر في طبعة بولاق في الصفحات من ٦٣ إلى ٨٠ أى في ثمان عشرة صفحة فقط.
وقد حاولت أن أجعل الرجوع إلى متن هذا الكتاب سهلا ميسورًا للباحث الذى يهمه دراسة التاريخ أو الحياة العامة أو النظم الإدارية أو اللغة في هذا العصر، فكتبت أربعة فهارس، الأول لأسماء الأعلام مع تراجم قصيرة لهم، والثاني لأسماء الوظائف مع بيان من باشروها، والثالث لأسماء الأماكن، والرابع للمصطلحات اللغوية والفنية الواردة فيه، مع ملاحظة أننى تركت أسلوب ابن إياس كما هو في متن الأصل، ولم أحاول تغييرًا أو تصحيح أى شيء فيه - سوى ما أشرت إليه في المقدمة - ليكون نموذجًا للغة ذلك العصر يبحثه المختصون في دراسة هذه الناحية. كما أن فهرس المراجع المطبوع في آخر هذا الكتاب يقتصر على بيان أسماء المراجع الواردة في الحواشي التي توخيت في كتابتها الاختصار ليَبْقى لمتن الأصل المكان الأول بارزًا في صفحات الكتاب.
وإننى أقدم أخلص الشكر لحضرة الأستاذ الدكتور باول كاله الذى تفضل متطوعًا وأرسل إلى نسخة من الصور الفوتوغرافية المأخوذة لنسخة الأصل، كما أشكر حضرات الذين تكرموا بمعاونتى في نشر هذا الكتاب، وأخص بالذكر منهم حضرة الأستاذ جاستون فييت الذي كان دائمًا إلى جانبى بمعلوماته الواسعة والقيمة.
[ ١٠ ]
ولا يسعنى سوى أن أشكر الجمعية الملكية للدراسات التاريخية ممثلة في حضرات أصحاب السعادة رئيسها ونائب رئيسها وأعضاء مجلس إدارتها الذين أتاحوا لهذا الكتاب أن ينشر بين مطبوعات الجمعية.
محمد مصطفى
[ ١١ ]