كان محمد بن أحمد بن إياس الحنفي (^١) - مؤلف بدائع الزهور في وقائع الدهور - شحيحًا في ذكر الأخبار عن عائلته وعن نفسه، فلم يذكر منها سوى القليل من النُّتف المتواضعة، كتبها في بعض مناسبات مبعثرة في مواضع متفرقة من أجزاء كتابه الكبير هذا. فهو لم يترجم لأحد من أفراد عائلته ترجمة وافية، بل ولم يترجم لنفسه كما فعل غيره من المؤرخين في عصره. والغريب أن أحدًا من هؤلاء المؤرخين، المعاصرين أو المتأخرين، لم يترجم لابن إياس بكثير أو قليل، ولم يذكر اسمه بخير أو شر.
ويدل هذا القليل من النُّتف المتواضعة، التى كتبها ابن إياس عن عائلته، على أنه ينحدر من أصل مملوكي يرجع إلى النصف الأول من القرن الثامن الهجري، فقد كان «الأمير عز الدين أزدمر العمري (^٢) الناصري المعروف بأبي
_________________
(١) هكذا كتب المؤلف اسمه بخطه في النسخ المعروفة من كتابه، ولكن بروكلمان أورد الاسم كما يلى: «أبو البركات محمد بن أحمد بن إياس زين (شهاب) الدين الناصري الجركسي الحنبلي» ولكننا لم نجد ما يبرر نسبته هذه إلى الحنابلة. انظر: Brockeimann، Gesch.d.arab.Litt.، II، ٢٧٥، Suppl.Bd.، II، ٤٠٥ وانظر ما كتب عن ابن إياس في المقدمة الألمانية للجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور والمقدمة العربية للجزء الخامس منه، والدكتور زيادة بك في كتاب المؤرخين في مصر في القرن الخامس عشر ص ٤٦ وما بعدها، وانظر: Hartmann، Das Tuebinger Fragment der Chronik des Ibn Tulun; Margoliouth، Lec- tures on Arabic Historians; Sobernheim، "Ibn Iyàs" in: E.I; Vollers، La chronique Egypt.d'Ibn Iyas.
(٢) «العمري» نسبة إلى تاجر المماليك الخواجا عمر الذي جلبه هو وخشداشه أتابك العساكر الأمير شيخو العمري الناصري (وقد قتل الأخير سنة ٧٥٨ - ١٣٥٧ م) فاشتراهما منه السلطان الناصر محمد بن قلاون وإليه ترجع نسبة «الناصري»، ويتبين هذا من قول ابن إياس أن أزدمر العمري الناصري كان «خشداش شيخو من تاجر واحد، وكان أزدمر هذا يعرف بأبى ذقن، أقول وأزدمر هذا هو جد والد مؤلف هذا التاريخ وكان جد والده لأمه» - انظر مخطوط =
[ ١٣ ]
ذقن والشهير بالخازندار» - جد والدة (^١) الشّهابى أحمد والد المؤلف - من مماليك السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون. ومن البديهي أن أزدمر العمري ترقى في عهد أستاذه النّاصر محمد إلى الوظائف العالية وتدرج فيها حتى بلغ وظيفة أمير سلاح أيام السّلطان النّاصر حسن (^٢). وفى عهد السّلطان الأشرف شعبان ولى أزدمر نيابة طرابلس في سنة ٧٦٤ (١٣٦٣) بعد نيابة صفد (^٣)، وولي أيضًا نيابة حلب، حتى أعاده الأشرف إلى أمرة السّلاح بالديار المصرية (^٤) وأنعم عليه بتقدمة ألف فى سنة ٧٦٨ (١٣٦٦)، وبقى كذلك إلى أن قبض عليه فى صفر سنة ٧٦٩ (١٣٦٧) وأرسل إلى الشام ليسجن بالصبيبة (^٥). وفى سنة ٧٧١ (١٣٦٩) أفرج عنه السّلطان شعبان وأحضره إلى القاهرة ليوليه نيابة الشّام، ولكنه مرض وتوفى في شهر ربيع الأول من هذه السنة، ويقول ابن إياس (^٦) عنه أنه كان «أميرًا جليلا معظمًا مبجلا وله أوقاف على الحرمين الشريفين وأنه لما كان نائب حلب أنشأ خانًا بها يعرف بخان سراقب».
_________________
(١) = فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٣٠ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢٠٢، ٢٢١. ولكن بعض مؤرخى ذلك العصر قد حرفوا فى نسبة «العمرى» فجعلها ابن حجر العسقلاني - فى الدرر الكامنة ص ٣٥٥ رقم ٨٨٢ - «المعزى» وهو خطأ واضح، كما جعلها أبو المحاسن - في النجوم الزاهرة ج ٥ ص ١٩٨، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٠٨، - «العزى» هذا مع أن أبا المحاسن يعرف أزدمر بنسبة «العمرى» التي أوردها فى إحدى النسخ الخطية - نفس المرجع ص ٢١١ في الحاشية.
(٢) نستخلص هذا من أن الشهابى أحمد والد ابن إياس توفى سنة ٩٠٨ وأنه عاش حوالى ٨٤ سنة أى أنه ولد حوالى سنة ٨٢٤ بعد وفاة أزدمر العمرى (في سنة ٧٧١) بنحو ٥٤ سنة.، ولما كان من غير المعقول أن تكون والدة الشهابى أحمد قد أنجبته وهى فى نحو الستين من عمرها، فإننا لذلك نستطيع أن نعتبرها حفيدة أزدمر العمرى لابنه أو لابنته.
(٣) انظر مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٣٠ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢٠٢ و٢٢١.
(٤) مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٤٩ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢١٣، والنجوم الزاهرة ج ٥ ص ١٩١ و١٩٣.
(٥) مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٧٣ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢٢١، والنجوم الزاهرة ج ٥ ص ٣٠٦.
(٦) طبعة بولاق ج ١ ص ٢٢٢، والنجوم الزاهرة ج ٥ ص ٢٠٨، ٢١١.
(٧) مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٧٩ آ، طبعة بولاق ج ١ ص ٢٢٥.
[ ١٤ ]
وكان جد المؤلف الأمير إياس الفخرى الظاهرى من جنيد أحد مماليك السلطان الظاهر برقوق، وترقى في عهد أستاذه هذا إلى أن ولى الدوادارية الثانية أيام ابنه السلطان الناصر فرج (^١). ومن المرجح أن إياس الظاهرى قد توفى بعد سنة ٨٣٠ (١٤٢٧) (^٢)
ويقول المؤلف (^٣) عن والده شهاب الدين أحمد بن إياس أنه كان من مشاهير أبناء الناس، كثير العشرة للأمراء وأرباب الدولة، وأنه بلغ من العمر نحو أربع وثمانين سنة، أنجب فيها خمسة وعشرين ولدًا ما بين ذكور وإناث عاش منهم ثلاثة، المؤلف وأخت له وأخوه الجمالى يوسف الزرد كاش. وتوفى شهاب الدين أحمد بن إياس فى ١٣ من شعبان سنة ٩٠٨ (١٠ من فبراير سنة ١٥٠٣).
ويذكر ابن إياس (^٤) أخاه «على عادته» فى تواضع تام ودون أية مباهاة بما أظهره من خبرة واسعة ومعرفة ودراية بفنه - بين أخبار شهر ذي القعدة سنة ٩١٦ (فبراير سنة ١٥١١) - في حضرة السلطان الأشرف قانصوه الغورى عند ما طلع إليه الأمير أركماس من ولى الدين، الذي كان نائب الشام، وقدم إليه قطعة صلبة أهداها إليه بعض العربان وقال عنها إنها من الفولاذ وأنها صاعقة نزلت ببعض الجبال، ففرح السلطان بذلك وجمع السباكين الذين أجمعوا على صحة ذلك، فنظر إليها «بعض الزرد كاشية» فأنكر ذلك وقال هذه من الحجر الصلب، فلما سمع السلطان ذلك شق عليه ونزل إلى الميدان وجمع السباكين وحضر الأمير أركماس ووضعوا الحجر في النار ولكنه تفتت «فخجل الأمير أركماس من ذلك وانتصف عليه ذلك الزرد كاش وهو الجمالى يوسف أخو مؤلفه وعد ذلك من النوادر».
_________________
(١) ابن إياس (طبعة كاله ومصطفى) ج ٤ ص ٤٧ س ١٢.
(٢) Wiet، Manhal Sàfi، p. ٨١، no. ٥٦٣.
(٣) ج ٤ ص ٤٧.
(٤) ج ٤ ص ٢٠٤.
[ ١٥ ]
كما يذكر المؤلف (^١) صهرًا له - لعله كان زوج أخته - يقال له قرقماس العلاى المصارع، وكان أمير آخور رابع وأحد الأمراء العشرات، قتل في معركة البيرة على نهر الفرات فى سنة ٨٧٧ (١٤٧٣) التي انتصر فيها العسكر المصرى بقيادة الأمير يشبك من مهدى على عسكر حسن بك الطويل (أوزون حسن) ويقول عنه «وهذا كان صهرنا وكان إنسانًا حسنًا دينًا خيرًا موصوفًا بالفروسية والشجاعة علامة في الصراع».
أما ما نعرفه عن محمد بن أحمد بن إياس الحنفى فإنه يتركز فيما كتبه هو عن نفسه، فيقول (^٢) أنه ولد في ٦ من ربيع الآخر سنة ٨٥٢ (٨ من يونيو سنة ١٤٤٨) (^٣). وأنه حج في سنة ٨٨٢ ورجع من الحج في المحرم سنة ٨٨٣ (١٤٧٨) ليدون ما قاساه الحجاج من «شدائد عظيمة من الغلاء وموت الجمال» وما رآه بنفسه من حوادث في مكة، ويؤكد ذلك بقوله «وأنا حججت تلك السنة وشاهدت هذه الوقائع» (^٤).
وكان لابن إياس إقطاع وافر يدر عليه دخلا كافيًا جعله يستطيع أن يتوفر على الكتابة والتأليف فى التاريخ ونظم الشعر في مناسبات مختلفة. نعلم هذا مما
_________________
(١) ج ٣ ص ٨٣.
(٢) طبعة بولاق ج ٢ ص ٣٠ - حيث يقول ابن إياس عن نفسه بين أخبار سنة ٨٥٢ «وفى هذه السنة كان مولدى وذلك فى يوم السبت سادس ربيع الآخر من السنة المذكورة، هكذا نقلته من خط والدى رحمة الله عليه».
(٣) لا نستطيع تحديد تاريخ وفاة ابن إياس، ولكنه من المؤكد أنه بلغ من العمر أكثر من ٧٦ سنة وأنه توفى بعد سنة ٩٢٨ (١٥٢٢) لأن آخر تاريخ كتبه بخط يده هو «يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة الحرام سنة ٩٢٨» ليؤرخ به الفراغ من من كتابة الجزء الحادي عشر من بدائع الزهور في وقائع الدهور) مخطوط فاتح رقم ٤١٩٩) الذي ينتهى فيه المتن في هذا التاريح أيضًا. هذا ولم نعثر بعد على الجزء الثانى عشر الذي أعلن عنه ابن إياس والذى يجب أن يبدأ المتن فيه بذكر أخبار سنة ٩٢٩ مما يرجح أنه توفى قبل الانتهاء من كتابته أو أن مسودات هذا الجزء فقدت لسبب ما.
(٤) ج ٣ ص ١٤٠.
[ ١٦ ]
كتبه (^١) بمناسبة أن السلطان الغورى فى جمادى الآخرة سنة ٩١٤ (١٥٠٨). «شرع يخرج إقطاعات أولاد الناس من أجناد الحلقة وغير ذلك وصار ينعم بها على المماليك بمكاتبات فحصل للناس الضرر الشامل ولا سيما أولاد الناس الذين كان المماليك يهجمون عليهم في بيوتهم ويأخذون منهم مناشيرهم غصبًا ويبهدلونهم بالضرب» ثم يقول ابن إياس عن نفسه «وأنا من جملة من وقع له ذلك وخرج إقطاعى لأربعة من المماليك» ونظم في ذلك هذين البيتين:
يا مالك الملك يا من بالعباد ألطف … دبر عبيدك وأصلح دولة الأشرف
كم من أقاطيع أخرجها وما أنصف … وأطغى المماليك ذا يهجم وذا يخطف
«ولكن أعان الله تعالى» وأعيد إليه إقطاعه فى السنة التالية بعد أن وقف للسلطان بقصة فى الميدان الجديد الذي أنشأه بالقلعة، ويقول ابن إياس «وحصل لى منه (السلطان) غاية الجبر ونصرنى على المماليك الذين كانوا أخذوا إقطاعي، فعند ذلك امتدحته بهذه القصيدة وذكرت فيها أشياء كثيرة مما وقع له من المحاسن وقدمتها إليه على يد شخص من خواصه» ثم أورد قصيدة من ٣٥ بيتًا مطلعها:
بالأشرف الغورى المفدا … أصبح ثغر الزمان باسم
يا قانصوه العلى قدرا … فقت على من مضى وقادم
ويتبين مما تقدم أن ابن إياس كان يعتمد في معيشته على دخله من إقطاعه الوافر، الذي أمكن أن يقتسمه أربعة من المماليك، وأنه حزن لفقد هذا المورد الرئيسي، وأنه كان ينظم الشعر تارة لنقد أعمال السلطان وأخرى ليمدحه به، أي أنه كان حرًا فى كتابته أمينًا فى رسالته، لا تؤثر فيه عوامل الظروف أو المناسبات، صوفى النزعة، يحفظ الجميل ولا يحمل الضغينة لأحد أساء إليه بل يعترف بالحق ويشيد به. وهذا ما نلاحظه في كتابته عن جميع السلاطين الذين عاصرهم والذين توالوا على الحكم فى مصر مدة حياته، فإنه يسجل لهم «محاسنهم» كما يعد عليهم «مساوئهم» فبينما نراه يرثى (^٢) السلطان الناصر محمد بن قايتباى
_________________
(١) ج ٤ ص ١٣٦، ١٥٠، ١٧٣.
(٢) ج ٣ ص ٣٩٣، ٣٩٤.
[ ١٧ ]
بهذين البيتين من شعره:
يا قبر لا تظلم عليه فطالما … جلى بطلعته دجى الإظلام
طوبى لقبر قد حواه كيف لا … يحكى السماء وفيه بدر تمام
نجده يقول عن هذا السلطان «وسار في المملكة أقبح سيرة … وليس له من المحاسن إلا القليل» وينظم فيه هذين البيتين:
سلطاننا الناصر المفدى … أخباره نقلها صحيح
بالجهل أضحى قبيح فعل … فلم يفد شكله المليح
ويدل هذا على أن ابن إياس لم تكن له أية صلة رسمية بالبلاط السلطاني في أى وقت من الأوقات (^١)، وأنه لم يكن من المقربين لأحد من السلاطين يحظى بمقابلته والتحدث إليه (^٢) فيؤثر هذا في شخصيته الحرة وما هو معروف به من الروية والتبصر والاتزان في أحكامه ونقده.
وعلى ذكر نظم ابن إياس للشعر - وهي ظاهرة كانت شائعة بين مؤرخي ذلك العصر (^٣) - نلاحظ أن أول أبيات من نظمه ذكرها في تاريخه «بدائع الزهور» كانت بمناسبة قدوم الأمير جم (الجمجمة) بن عثمان إلى مصر في شهر شعبان سنة ٨٨٦ (١٤٨١) فقال (^٤) «فى المعنى» يمدح السلطان الأشرف قايتباي:
_________________
(١) وهذا ينفي أن ابن إياس تقلد وظيفة مؤرخ الدولة في الحكومة المملوكية (Historiographer) أو أنه كتب تاريخه على نمط مؤرخي الدولة أو بأسلوبهم - انظر: الدكتور زيادة بك، المؤرخون في مصر ص ٥٠؛ Margoliouth، Lectures، p. ١٥٩; Brockelmann، Suppl.Bd.II، ٤٠٥ .
(٢) تقلد بعض المؤرخين المعاصرين لابن إياس وظائف في البلاط السلطاني أتاحت لهم مقابلة السلطان والتحدث إليه، وإننا نذكر هنا على سبيل المثال ما رواه أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي في كتابه حوادث الدهور (ص ٤٧٤ - ٤٧٦) عن تجربة مدفع جديد أجريت أمام السلطان الظاهر خشقدم يوم الثلاثاء ١٤ من شوال سنة ٨٦٨ ويقول أبو المحاسن «وقد سألنى السلطان عن أمره ومسافة سقوط حجر المدفع فعرفته أني لم أحرره فسألنى أن أحرره في المرة الثالثة». وهذا يدل على صلة أبى المحاسن بالسلطان بحكم وظيفته. ولم يذكر ابن إياس أبدًا أن أحدًا من السلاطين تحدث إليه.
(٣) الدكتور زيادة بك، المؤرخون في مصر ص ٨٤.
(٤) ج ٣ ص ١٨٠.
[ ١٨ ]
يا أيها الملك الهمام ومن له … أسد الفلا تأتى إليه ملجمة
قد فاق قدرك في الملوك تعاظما … مذ صح بين يديك نطق الجمجمة
ثم بمناسبة وفاة كاتب السر أبى بكر بن مزهر في رمضان سنة ٨٩٣ (١٤٩٩) فرثاه بقصيدة منها (^١).
صارت مرامله كمثل أرامل … تبكى بأعينها دما وتترب
وكذا الدواة تسودت أقلامها … حزنًا عليه وأقسمت لا تكتب
وبعد سنة ٩٠٢ (١٤٩٧) تتابع ذكره لأشعاره «في المعنى» للمديح أو التهنئة أو النقد أو الرثاء أو غير ذلك من مناسبات عامة وخاصة. والواضح من أشعاره هذه «أنه عاش فردًا متتبعًا عن كتب حوادث المجتمع الذي تقلب فيه، وليس ذلك بصفته مؤرخًا معنيًا بتدوين الحوادث والأخبار، بل لأنه كان رجلا حيًا حساسًا بما يجرى فى دولة بدت عليها مخايل الاحتضار والزوال» (^٢)
وقد كان نظم الشعر في عصر ابن إياس من مستلزمات الأدباء والمتأدبين دليلا على مبلغ ثقافتهم وتأدبهم. ويذكر ابن إياس أسماء الكثيرين من هؤلاء الأدباء والشعراء، أمثال النواجى وابن مبارك شاه وابن النبيه وابن الشاب التايب والشهاب المنصورى وصفى الدين الحلى وبدر الدين الزيتونى والناصري محمد بن قانصوه وابن الحجار والأشمونى وابن الطحان وغيرهم كثيرين. وكان هؤلاء الشعراء يتبارون في نظم الشعر في المناسبات العامة - روى ابن إياس (^٣) واقعة من هذا النوع بمناسبة أن الشاه إسمعيل الصوفى أرسل قاصدًا إلى مصر فى سنة ٩١٧ (١٥١١) وعلى يده رسالة يتهكم فيها على السلطان الغورى لاشتغاله بغرس الأشجار والرياحين فى الميدان الجديد الذي أنشأه بالقلعة ويهدد فيها أهل مصر بهذين البيتين:
_________________
(١) ج ٣ ص ٢٤٩.
(٢) الدكتور زيادة بك، ص ٥٠ - ٥١.
(٣) ج ٤ ص ٢٢١ - ٢٢٧.
[ ١٩ ]
والسيف والخنجر ريحاننا … أف على النرجس والآس
مدامنا من دم أعدائنا … وكأسنا جمجمة الراس
فانبرى «جماعة كثيرة من فضلاء العصر فوق المائتى إنسان» يتبارون فى نظم الرد على هذين البيتين، «وقيل إن السلطان لم يعجبه شيء من هذه الأجوبة التى أجاب بها الشعراء وإنما أعجبه قول صفى الدين الحلى»:
ولى فرس للخير بالخير ملجم … ولي فرس للشر بالشر مسرج
فمن رام تقويمي فإنى مقوم … ومن رام تعويجى فإنى معوج
والواقع أننا نجد فى كتب مؤرخى ذلك العصر نماذج كثيرة من أشعار هؤلاء الأدباء تحتاج إلى عناية خاصة بدراستها لنتعرف على هذه الحلقة الغامضة من تاريخ الأدب العربي فى مصر.
ويذكر ابن إياس من معاصريه، غير هؤلاء الأدباء والشعراء، الكثيرين من الكتاب والمؤرخين الذين عرفهم وترجم لهم فى كتابه «بدائع الزهور» مثل: خليل بن شاهين الصفوى والعينى وأبى المحاسن وابن الصيرفي والسخاوى وابن الطولوني. كما يذكر من شيوخه جلال الدين السيوطى وعبد الباسط بن خليل يستشهد بأقوالهما وأشعارهما ويذكرهما فى كثير من الاحترام والتقدير وعرفان الجميل.
أما فى الأجزاء الغير معاصرة من كتابه فإنه يقول (^١) «وقد طالعت على هذا التاريخ كتبًا شتى نحو سبعة وثلاثين تاريخًا حتى استقام لى ما أريد». ثم ذكر الكثير من أسماء من نقل عنهم من الأولين أمثال: ابن عبد الحكم والكندى وابن وصيف شاه والقضاعي وأبي شامة والمسعودى والذهبي والواقدي والصولى وابن زولاق وابن الداية والحاحظ وابن خلكان وابن عساكر والمسبحي وابن الأثير وابن الجوزى والثعلبي، ثم المقريزى وابن حجر العسقلاني وابن فضل الله العمري وغيرهم من أبناء الجيل السابق لعصره.
_________________
(١) مخطوط فاتح رقم ٤١٩٧ ص ١ ب.
[ ٢٠ ]
وكتب ابن إياس عدة مؤلفات (^١) نعرف منها: كتاب نشق الأزهار في عجائب الأقطار؛ وهو كتاب فى الفلك والهيئة وتركيب الكون وآثار مصر الفرعونية وملوكها - وكتاب نزهة الأمم فى عجائب الحكم، ويبحث في تاريخ العالم - وكتاب منتظم بدع الدنيا وتاريخ الأمم، ويتناول تاريخ الدنيا إلى عصر الخليفة المكتفى - وكتاب عجائب السلوك، وهو ملخص لبدائع الزهور - وكتاب عقود الجمان في وقائع الأزمان، وهو ملخص مستقل في تاريخ مصر يوجد منه مخطوط الجزء الثانى فى مكتبة أيا صوفيا باستانبول رقم ٣٣١١ بخط المؤلف وأتم كتابته يوم الجمعة ١٧ من ربيع الأول سنة ٩٠٥، وهذه النسخة تشمل تاريخ مصر من سنة ٦٥٤ إلى سنة ٩٠٤، ولا علاقة لهذا الكتاب الأخير بكتاب بدائع الزهور أو بمؤلفات ابن إياس الأخرى.
ويشير ابن إياس (^٢) إلى كتاب من مؤلفاته ويرمز إليه بكلمة «التاريخ» وذلك بمناسبة ذكره لحوادث خلع السلطان الظاهر تمر بغا فيصف كيف أن المماليك نزلوا من الطباق ونهبوا الحواصل السلطانية وانتهكوا حرمة دور الحرم، ويقول «وهذا أمر مشهور ولو لم نذكره في التاريخ».
وقد تعودنا أن نقرأ مثل هذه الإشارة إلى مؤلفات أخرى في كتب المؤرخين المعاصرين لأبن إياس، فنجد أبا المحاسن مثلا يقول في النجوم الزاهرة (^٣) «وقد ذكرنا أمره فى تاريخنا الحوادث مفصلا» أو «وقد سقنا حكايته بتطويل في تاريخنا الحوادث» أى أنه يترك ذكر التفاصيل لكتابه حوادث الدهور.
فهل نفهم من هذا أن ابن إياس كتب «تاريخًا» آخر أوسع من «بدائع الزهور في وقائع الدهور»! وأنه اعتاد أن يترك التوسع في ذكر التفاصيل لهذا
_________________
(١) انظر الدكتور زيادة بك - المؤرخون في مصر - ص ٥٣، Brockelmann، Suppl.Bd.، II، ٤٠٥'
(٢) هنا فيما بعد ص ٢٠٢ س ١٢.
(٣) انظر النجوم الزاهرة ج ٧ ص ٤٣٨، ٤٤٥، ٥٠٦، ٦٨٩، ٦٩٤، ٧٠٢، ٧٢٠، ٧٣٠، ٧٤٥، ٨٠٠، ٨١٣ - أو إشارة أبي المحاسن لكتابه «المنهل الصافي» في النجوم الزاهرة ج ٧ ص ٧٩٩.
[ ٢١ ]
«التاريخ» كما كان يفعل أبو المحاسن! وأن عدم ذكره تفاصيل هذه الحادثة في «التاريخ» إنما كان لفداحة أمرها من الناحية الخلقية، ولأنه أسف لانتهاك المماليك حرمة دور الحرم السلطانى، فأثبت ذلك هنا وأشار إليه! ولعلنا نعثر على نسخة من مخطوط هذا «التاريخ» يومًا ما، فنعرف كنه مادته ومحتوياته.
على أننا نعرف ابن إياس بكتابه الأول «بدائع الزهور في وقائع الدهور» الذي كتبه على طريقة الحوليات الشائعة بين مؤرخى ذلك العصر، فكان يدون الحوادث شهرًا بعد شهر فى الأجزاء الغير معاصرة من كتابه، ثم يومًا بعد يوم في الأجزاء الأخيرة منه. ووصف فيه أحوال مصر الداخلية إبان الفترة الأخيرة من الدولة المملوكية، دون أى تمييز لناحية خاصة منها، سواء عنده أن يكتب عن ولاية الحكام والخلفاء ووفاتهم أو خلعهم وما يصحب ذلك من ثورات داخلية وطغيان المماليك، أو عن النظم الإدارية والحربية وما بقى منها من القديم وما تجدد وما ألغى منها أو عدل، أو أن يكتب عن الحياة العامة والحالة الاجتماعية والأعياد والمواسم والحفلات الشعبية ومواكب الخلفاء السلاطين واستقبال سفراء الدول الأخرى وما يرتبط بذلك من خلع وهدايا ورسائل، أو الحالة الاقتصادية وأسعار المحاصيل والمسكوكات من الذهب والفضة والنحاس، أو ما ابتليت به البلاد من أوبئة وأمراض وتعداد من توفى أثناء مثل هذه الفصول، أو الأرصاد الجوية من خسوف القمر وكسوف الشمس وثورة العواصف وسقوط الأمطار والبرد والثلج، أو مناسيب النيل فى زمن الفيضان والتحاريق، أو ما أنشئ من مبان وعمائر ومساجد وربوع وقباب ومدافن، أو أخبار العلماء والأدباء والشعراء والأعيان وتراجم من توفى منهم يوردها فى حينها وفى مكانها بين كل تلك الأخبار يكتب عن كل هذا باختصار وعزوف عن الإطالة والإطناب، ولكن بما يدل على دقة ملاحظته وشدة استقصائه للحقائق وصرامته في الحكم على الناس دون محاباة أو تملق. وقد كان ابن إياس على صلة طيبة بالكثيرين من أعيان الدولة وكتاب السر وخواص السلطان وكان أخوه الجمالى يوسف زرد كاشًا بالقلعة،
[ ٢٢ ]
أى أنه كان يستقى أخبار الحوادث - التي لا يراها بنفسه - من مصادر يوثق بها.
وإذا شك فى خبر أو تاريخ ذكر ذلك، مثل قوله (هنا ص ٨٢ س ٢) «وفيه توفى، أو فى الشهر الذي قبله» أو أن يستدرك نفسه، فى قوله (ص ١٤٧ س ١٤ و١٥) «وقد تقدم القول على ذلك ولكن وقع السهو منى عن إيراده في محله بما تقدم».
وكتب المؤلف في مقدمة الجزء الرابع من كتابه (مخطوط فاتح رقم ٤١٩٧) يفسر الغرض من تأليفه له ويقول (فى صفحتى ١ ب و٢ أ):
«الحمد لله الذى فاوت بين العباد، وفضل بعض خلق على بعض حتى في الأمكنة والبلاد، والصلاة والسلام على سيدنا أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه، وجعلنا ممن يحمد قصده على دفع قضاه، وبعد فهذا جزء من كتابنا المؤلف فى التاريخ الموسوم ببدائع الزهور في وقائع الدهور، وقد أوردت فيه فوائد سنية، وغرائب مستعذبة مرضية تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للمنفرد كالأنيس، وقد طالعت على هذا التاريخ كتبًا شتى نحو سبعة وثلثين تاريخًا حتى استقام لى ما أريد، وجاء بحمد الله كالدر النضيد، وفيه أقول:
طالع كتابي إن أردت مخبرًا … عن مبتدأ خبر الدهور بما جرى
فتراه كالمرآة تنظر فعلما … أبدا الزمان عجائبا بين الورى
«وقد توخيت فيه أخبار مصر وأوردت ذلك شيئًا فشيئًا على الترتيب قاصدًا فيه الاختصار، فجاء بحمد الله ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المحل، وذكرت فيه ما وقع فى القرآن العظيم من الآيات المكرمة فى أخبار مصر كناية أو تصريحًا (٢٢) وما ورد فيها من الأحاديث الشريفة النبوية في ذكرها، وما خصت به من الفضائل، وما فيها من المحاسن دون غيرها من البلاد، وما اشتملت عليه من عجائب وغرائب ووقائع وغير ذلك، ومن نزلها من أولاد آدم ونوح ﵉، ومن دخلها من الأنبياء ﵈، ومن ملكها من
[ ٢٣ ]
مبتدأ الزمان من الجبابرة والعمالقة واليونان والفراعنة والقبط وغير ذلك، ومن وليها في صدر الإسلام من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، ومن وليها من طائفة الأخشيدية والفاطميين العبيدية، ومن وليها من بنى أيوب وهم الأكراد، ومن وليها من ملوك الترك والجراكسة إلى وقتنا هذا وهو افتتاح عام إحدى وتسعمائة، ومن كان بها من الحكماء والعلماء والفقهاء والمحدثين والقراء، ومن كان بها من الصلحاء والزهاد، ومن كان بها من الشعراء وغير ذلك من أعيان الناس، وقد بينت ذلك في تراجمهم من مبتدأ خبرهم وذكر أنسابهم ومدة حياتهم إلى حين وفاتهم، حسبما يأتى ذكر ذلك في مواضعه على التوالى من الشهور والأعوام».
هذا ولم نعثر على نسخ الأجزاء الثلاثة الأولى من بدائع الزهور في وقائع الدهور، ويظهر أن ابن إياس لم يكتبها إطلاقًا، وحتى إذا كان قد كتبها فإننا لا نستطيع أن نتصور مادتها، هل هى تاريخ مصر قبل الإسلام! وهو ما تكلم عنه بإيجاز في بداية الجزء الرابع وقد رأينا أنه أشار إلى ذلك أيضًا في مقدمته له، أم هى ذكر بدء الخليقة وعجائب المخلوقات وقصص الأنبياء وما يشبه ذلك! ولكن هذا كله لا يملأ ثلاثة أجزاء من حجم أجزاء الكتاب.
أو أن ابن إياس ربما كان قد تخيل موضوع هذه الأجزاء الثلاثة الأولى، عند كتابة مقدمته للجزء الرابع، على أمل أن يكتبها بعد الفراغ من تحرير هذا الجزء. والواقع أنه كان واسع الخيال في مضمون هذه المقدمة ولم يقدر ما لديه من مسودات وما فيها من بيانات، بل ولم يفكر عند كتابتها فيما سوف يتضمن هذا الجزء الرابع من محتويات، أو فيما سيكون عليه حجمه، أو في عدد أجزاء الكتاب التالية لهذا الجزء، إذ نراه يقول فى مقدمته «وذكرت فيه (الجزء الرابع) أخبار مصر ومن وليها من ملوك الترك والجراكسة إلى وقتنا هذا وهو افتتاح عام إحدى وتسعمائة» أى أنه كان يتصور أن هذا الجزء سوف يشمل تاريخ كل هذه السنين حتى سنة ٩٠١، ثم تبين له أثناء الكتابة بعد ذلك ما بلغته ضخامة حجمه فتوقف فى الجزء الرابع عند أخبار سنة ٧٤١ (١٣٤١)، وتلاه بأجزاء أخرى أورد بين محتويات الجزء التاسع منها أخبار سنة ٩٠١ هذه.
[ ٢٤ ]
وقد كان أمل المؤلف أن يخرج كتابه هذا فى اثني عشر جزءًا، انتهى الجزء الحادى عشر منها بأخبار سنة ٩٢٨ إلى آخر يوم منها، وكان ابن إياس إذ ذاك في السابعة والسبعين من عمره. ولا ندرى هل عاجلته المنية قبل أن يبدأ في تحرير الجزء الثانى عشر، أو أنه بدأه وكتب قسما منه فقدت مسوداته ولم نعثر عليها.
أما الأجزاء الأخرى لكتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» فإننا نعرف، منها الرابع والخامس والثامن والحادى عشر، وهي التي كتبها المؤلف بخطه، والجزءين التاسع والعاشر. المنقولين طبق الأصل تقريبًا من نسخة المؤلف، وقسم من الجزء السادس في مخطوط فينا الآتى ذكره (رقم ٧). ويوجد غير ذلك ٢٧ نسخة خطية لأجزاء مختلفة من هذا الكتاب، اختصر في بعضها متن الأصل إلى النصف أو إلى أقل من ذلك. وفيما يلى بيان هذه النسخ (^١):
١ - ٤ أربعة نسخ بخط المؤلف، محفوظة فى مكتبة جامع الفاتح باستانبول، وأرقامها ٤١٩٧، ٤٢٠٠، ٤١٩٨، ٤١٩٩. مقاس الصفحة ١٩×٢٥ سم. وبكل صفحة ٢٣ سطرًا.
١ - فاتح ٤١٩٧، الجزء الرابع من الكتاب، يتناول التاريخ إلى سنة ٧٤١، فرغ المؤلف من كتابته يوم الأحد ١٢ من المحرم سنة ٩٠١، وبه ٢٥٥ ورقة.
وكتب المؤلف فى صفحة العنوان «الجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى عامله الله بلطفه الخفى والمسلمين أجمعين آمين»
وجاء في الصفحة الأخيرة (الحرد) «وكان الفراغ من هذه النسخة المباركة على يد كاتبها ومؤلفها فقير رحمة ربه محمد بن أحمد بن إياس الحنفى عامله الله بلطفه الخفى وذلك يوم الأحد ثانى عشر شهر الله المحرم
_________________
(١) سبق أن نشر بيان مفصل لهذا النسخ الخطية في المقدمة الألمانية للجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور، ثم ترجم بعض تفاصيل هذا البيان إلى العربية في مقدمة الجزء الخامس، لذلك فإنني أكتفى هنا بأن ألخص وصف هذه النسخ الخطية.
[ ٢٥ ]
الحرام افتتاح سنة إحدى وتسعمائة من الهجرة النبوية …».
٢ - فاتح ٤٢٠٠، الجزء الخامس، من سنة ٧٤٢ إلى سنة ٧٨٨، تمت كتابته يوم الإثنين ٢ من شوال سنة ٩٠١، وبه ٢٢١ ورقة.
وكتب المؤلف فى صفحة العنوان «الجزء الخامس من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى …».
وفى الصفحة الأخيرة «وكان الفراغ من هذا الجزؤ المبارك على يد كاتبه ومؤلفه فقير رحمة ربه تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى وذلك في يوم الإثنين ثانى شهر شوال من شهور سنة إحدى وتسعمائة من الهجرة النبوية …»
٣ - فاتح ٤١٩٨، الجزء الثامن، من سنة ٨٥٧ إلى سنة ٨٩٠، انتهى من كتابته يوم الأحد ٤ من ربيع الأول سنة ٩١٣، وبه ٢٣١ ورقة.
وكتب المؤلف فى صفحة العنوان «الجزء الثامن من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي …»
وبدأ الصفحة الأولى بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين، أقول:
إذا نظرت لما ألفت فيه فقل … كم أول تارك علمًا لذى خلف
يستخرج الدر قاريه اللبيب … كما يستخرج الغايص الدر من صدف
«ذكر سلطنة الملك الأشرف أبى النصر سيف الدين أينال العلاى الظاهرى …».
وفى الصفحة الأخيرة «وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة وتحريرها على يد كاتبها ومؤلفها العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي وذلك في يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة ثلاثة عشر وتسعمائة وأقول فيه:
[ ٢٦ ]
وتاريخ يفرق كل هم … ويبعث كل بشر بعد غم
إذا سرحت طرفي فيه يوما … رمى شيطان أحزاني بسهم»
٤ - فاتح ٤١٩٩، الجزء الحادى عشر، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، فرغ من كتابته يوم الأربعاء سلخ ذى الحجة سنة ٩٢٨، وبه ٢٦٢ ورقة.
وكتب المؤلف في صفحة العنوان «الجزء الحادي عشر من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي»
وفي الصفحة الأخيرة «يتلوه الجزء الثاني عشر من بدائع الأمور (كذا) في وقائع الدهور وكان الفراغ من هذا الجزؤ في يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة الحرام سنة ثمان وعشرين وتسعمائة وذلك على يد كاتبه ومؤلفه فقير رحمة ربه تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي».
٥ - ٦ - نسختان منقولتان من الأصل:
٥ - باريس ١٨٢٤ بالمكتبة الأهلية (Arabe ٦٨٦)، الجزء التاسع، من سنة ٨٩١ إلى سنة ٩١٢، مؤرخة في ٢٨ من ربيع الأول سنة ١١٢٧ ونقلت من نسخة المؤلف التى فرغ من كتابتها يوم الاثنين ١٥ من المحرم سنة ٩١٤، وبها ١٦٧ ورقة، وفي كل صفحة ٢٩ سطرًا.
٦ - لنينجراد بالمتحف الأسيوى، مخطوط Rosen رقم ٤٦، الجزء العاشر، من سنة ٩١٣ إلى سنة ٩٢١، مؤرخة في شهر رجب سنة ١١٢٧، ونقلت من نسخة المؤلف التى انتهى من كتابتها يوم الاثنين مستهل المحرم سنة ٩٢٢، وبها ٣٠٧ ورقة، وفى كل صفحة ٢٩ سطرًا. وهذه النسخة مكتوبة بخط يخالف خط النسخة السابقة.
٧ - ٣٤ - نسخ أخرى لأجزاء الكتاب اختصر فيها متن الأصل:
٧ - فينا بالمكتبة الأهلية (٤٥٤= A.F. ٢٧٤: Fluegel ٩٢٣) من سنة ٧٨٥ إلى سنة ٨١٠، وبها ٢٠٧ ورقة. والظاهر أن هذه النسخة تؤلف
[ ٢٧ ]
قسما من الجزء السادس للكتاب، ولكن اختصر فيها المتن حتى أخبار سنة ٨٠٠، ثم نسخ بتوسع فيما بعد ذلك أكثر منه في نسخة ليدن (رقم ١٥) والراجح أن الناسخ نقل هذا الجزء الأخير منها طبق الأصل تقريبًا.
٨ - باريس ١٨٢٢ بالمكتبة الأهلية، (Ancien Fonds ٥٩٥ A)، وبها ٣٨٣ ورقة وتتألف من جزأين: الأول (ورقة ١ - ٢١٦، ٢٢٥ - ٢٣٠) من سنة ١ إلى سنة ٧٨٤، والثانى (ورقة ٢١٧ - ٢٢٤، ٢٣١ - ٢٨٣) من سنة ٧٨٥ إلى سنة ٨٥٧.
٩ - باريس ١٨٢٣ بالمكتبة الأهلية (Ancien Fonds ٥٩٥ B)، وبها ٣١٧ ورقة، منها الأوراق من ١ إلى ٨٤ آ تتناول تاريخ السنوات من ٨٥٧ إلى ٩٠٦ والأوراق من ٨٤ آ إلى ٣١٧ السنوات من ٩٢٢ إلى ٩٢٨.
١٠ - باريس ١٨٢٥ بالمكتبة الأهلية (Ancien Fonds ٦٨٩)، الجزء الحادى عشر، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، وبها ٣٤٠ ورقة والأوراق الأولى منها ناقصة.
١١ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ٧٣٢٣)، من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٨٥٧ وبها ٢٥٢ ورقة.
١٢ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ١٨٥١٤)، وبها ٣٨٧ ورقة، وهي من جزءين الأول يتناول التاريخ إلى سنة ٦٤٨ وثانى إلى سنة ٧٨٤.
١٣ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ١٨٥١٥)، من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٩٠٦ وبها ٢٢٧ ورقة.
١٤ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ١٨٥١٦)، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨ وبها ٣٧٧ ورقة.
١٥ - ليدن (Warn; Dozy، Catal. ٨٣٢ = II ١٨٣ - ٣٦٧)، من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٨٥٧، وبها ٢٥١ ورقة.
١٦ - روما بمكتبة الفاتيكان (Arabe ٨٦٩) من سنة ٨٧٤ إلى سنة ٩٠٦،
[ ٢٨ ]
وبها ١٥٢ ورقة.
١٧ - نسخة الأستاذ Nicholson فى كامبردج (J.R.A.S.، ١٨٩٩، P. ٩٠٩) … من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، وبها ٢٥٦ ورقة.
١٨ - استانبول، عاشر أفندى رقم ٢٣٢، من سنة ١ إلى سنة ٧٨١، وبها ٣٣٢ ورقة.
١٩ - استانبول، عاشر أفندى رقم ٢٣٥، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨.
٢٠ - استانبول بمكتبة جور لولى على باشا رقم ٣٤٧، من سنة ٦٧٨ إلى سنة ٨٢٥.
٢١ - استانبول بمكتية جور لولى على باشا رقم ٣٤٨، من سنة ٨٢٥ إلى سنة ٩٠٦.
٢٢ - استانبول بمكتبة جود لولى على باشا رقم ٣٤٩، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨.
٢٣ - استانبول بمكتبة داماد إبراهيم باشا رقم ٨٨٧، من سنة ١ إلى سنة ٨٦٥.
٢٤ - استانبول بمكتبة داماد إبراهيم باشا رقم ٨٨٨، من سنة ٨٦٥ إلى سنة ٩٠٦ ومن سنة ٩٢٢ إلى ٩٢٨.
٢٥ - القاهرة بدار الكتب المصرية (تاريخ رقم ٥٤٥) من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، وبها ٣٠٦ ورقة.
٢٦ - القاهرة بمكتبة المرحوم أحمد تيمور باشا (تاريخ رقم ٩٢) من سنة ٨٢٤ إلى سنة ٩٠٦، ومن ٩٢٢ إلى ٩٢٨.
٢٧ - القاهرة بمكتبة المرحوم أحمد تيمور باشا (تاريخ رقم ٢٣٣٧) من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨.
٢٨ - القاهرة، كانت فى مكتبة سليمان أباظة باشا، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨.
٢٩ - القاهرة، بمكتبة الجامع الأزهر، (وكانت قبل ذلك في مكتبة محمد راتب باشا) من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨.
٣٠ - القاهرة، بمكتبة على رفاعة، من سنة ٧٨٧ إلى سنة ٩٠٦.
٣١ - القاهرة - نسخة في ثلاثة مجلدات كانت فى مكتبة المرحوم على باشا مبارك.
٣٢ - القاهرة، بمكتبة الجمعية الخيرية الإسلامية (كانت أصلا بمكتبة
[ ٢٩ ]
المرحوم الشيخ محمد عبده)، وهي في مجلدين.
٣٣ - القاهرة - نسخة في مجلدين كانت بمكتبة المرحوم رأفت بك.
٣٤ - بانكيبور بالهند (١٠٧٢، Oriental Public Library، no) من سنة ٨٥٧ إلى سنة ٩٠٦، وبها ٢٩٣ ورقة.
ونستخلص من البيان السابق الترتيب الآتى لمخطوطات كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» حسب تاريخ الفترات التي تتناولها كل من هذه النسخ، وأرقام المخطوطات المذكورة فيما يلى هى أرقامها المسلسلة المذكورة في البيان السابق:
من سنة إلى سنة في مخطوط بخط المؤلف أو طبق الأصل منه في مخطوط اختصر فيه المتن ١ ٦٤٨ ١ ١٢ ١ ٧٤١ ١ - ١ ٧٨١ - ١٨ ١ ٧٨٤ - ٨ ١ ٨٦٥ - ٢٣ ٦٤٩ ٧٨٤ - ١٢ ٦٧٨ ٨٢٥ - ٢٠ ٧٤٢ ٧٨٨ ٢ - ٧٨٤ ٨٥٧ - ١٥ ٧٨٤ ٩٠٦ - ١٣ و١٦ ٧٨٥ ٨١٠ - ٧ ٧٨٥ ٨٥٧ - ٨ و١١ ٧٨٧ ٩٠٦ - ٣٠ ٨٢٤ ٩٠٦ - ٢٦ ٨٢٥ ٩٠٦ - ٢١ ٨٥٧ ٨٩٠ ٣ -
[ ٣٠ ]
من سنة إلى سنة في مخطوط بخط المؤلف أو طبق الأصل منه في مخطوط اختصر فيه المتن ٨٥٧ ٩٠٦ - ٩ و٣٤ ٨٦٥ ٩٠٦ - ٢٤ ٨٩١ ٩١٢ ٥ - ٩١٣ ٩٢١ ٦ - ٩٢٢ ٩٢٨ ٤ ٩ و١٠ و١٤ و١٧ و١٩ و٢٢ و٢٤ و٢٥ و٢٦ و٢٧ و٢٨ و٢٩.
بقى أن أذكر شيئًا عن أسلوب ابن إياس ولغة كتابه، فإنه - مثل غيره من مؤرخى ذلك العصر، وعلى الأخص أبى المحاسن - كان يكتب بلغة سهلة بسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى، وتزخر بمصطلحات دخيلة من الإيرانية والتركية واليونانية وغير ذلك من اللغات المجاورة، ولا سيما في كل ما له علاقة بالبلاط السلطانى والجيش والإدارة، وقد أوردت هذه المصطلحات في فهرس خاص بها.
ونلاحظ أن ابن إياس في كتابته لا يعبأ كثيرًا بقواعد الإملاء، فهو ينقط التاء المربوطة في آخر الكلمات مثل الخليفة والقلعة أو يهمل نقطها، وأحيانًا يضع الهمزة اللينة فى أماكنها مثل نائب والمؤمنون وأحيانًا يترك وضعها، أو يكتب تاء التأنيث المفتوحة عوضًا عن المربوطة فى مثل زوجة القاضي أو نفقة البيعة يكتبها زوجت ونفقت، أو يستبدل حرف الدال بالذال كأن يقول حذرة البقر بدلا من حدرة البقر، أو يخلط بين الجمع والمفرد في مثل الذي والذين، أو المذكر والمؤنث في مثل التي والذى، أو الرفع والجر والنصب في كلمات «أخوه وأخيه وأخاه». وقد صححت هذه الهنات دون أن أشير إليها في الحواشي على اعتبار أنها
[ ٣١ ]
وقعت سهوًا من المؤلف عند ما كان يتحمس لخبر يورده فيكتب كما ينطق لا كما يجب أن تكون عليه قواعد اللغة. والواقع أننى حاولت جهدى أن أحافظ على لغة الكتاب، فكان من أثر ذلك أننى تعودتها، وفاتنى أن أصحح بعض هذه الهنات في مثل قوله (هنا ص ١٥٠ س ٧) «في نظر حرمين القدس والخليل» أو (ص ١٥٣ س ١٤) «أحد مقدمين الألوف» كما فاتتنى بعض أغلاط مطبعية ما كان لمصحح المطبعة تداركها لأن الصواب فيها مرهونة معرفته بالبحث العلمي وقد أشرت إليها في الاستدراك.
أما في غير ذلك فإننى تركت لغة الكتاب وما فيها من كلمات وقواعد عامية كما هي دون أي تغيير فيها أو تصحيح، لتكون نموذجًا يبحثه المعنيون بهذه الناحية فلم أغير مثلا قوله (هنا ص ١٣٧ س ٧) «فمن وجده بيسكر» أو قوله (ص ١٨٢ س ٣ و٤) «وكان الأمير تمر بغا بيمهد لنفسه فقصد سلطنة يلباي حتى يشيله من قدامه ويتسلطن من بعده». بل إنى تجاوزت أحيانًا عن بعض غلطات الإملاء في سبيل المحافظة على لغة الكتاب فى مثل قوله (ص ٤٥ س ١٠ - ١٣) «وفى رجب طفش جماعة من فرسان العرب ركاب خيول وشرعوا يعرون الناس وكان ذلك وقت القايلة فخطفوا عمائم الفقهاء وسلبوا قماش الناس من عليهم وكانت هذه أباحة صعدت من ذلك العربان». وإننى أرجو القارئ أيضًا أن يتجاوز عن أمثال هذه الهنات والعبارات، وسوف يرى أن الكثير من كلمات اللغة العامية وقواعدها في وقتنا الحاضر ترجع إلى عصر ابن إياس وربما إلى ما قبل ذلك، مثال ذلك استعمال الباء في أول الفعل المضارع كما في قوله «بيسكر» أو «بيمهد».
محمد مصطفى
حلوان في ١٤ من أغسطس سنة ١٩٥١
[ ٣٢ ]