تمكن المسلمون في عهد عمر بن الخطاب (١٣-٢٣ هـ) من تحرير بلاد الشام من الحكم الروماني الييزنطي، وبلغ أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁ قائد الجبهة الشامية أقصى شمال الشام عندما فتح قنسرين ثم أنطاكيا، وأسلم بعض أهلها، ورابط فيها المسلمون من أهل النيات والحسبة. وأصبحت أنطاكيا قاعدة التحرك الإسلامي إلى آسيا الصغرى قبل تمصير طرسوس١.
وكان فيما بين الاسكندرونة وطرسوس حصون ومسالح للروم٢، وعندما غادر هرقل الشام إلى غير رجعة عام ١٦هـ أخذ هرقل أهل هذه المدن والحصون معه٣، وشعث الحصون٤، في خطة تعرقل سير المسلمين إلى آسيا الصغرى. بحيث لا يسيرون في عمارة متصلة ما بين أنطاكيا وبلاد الروم٥. فكان المسلمون إذا توغلوا في بلاد الروم لا يجدون أحدا، وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين، فاحتاط المسلمون لذلك٦.
وكان أول القادة المسلمين وصولا إلى طرسوس أبو عبيدة ﵁، غزا الصائفة فمرّ بالمصيصة، وطرسوس، وقد جلا أهلهما، وأهل الحصون التي تليها، فأدرب وبلغ في غزاته زندة، وقيل إنما وجه ميسرة بن مسروق العبسي٧.
وفي عام ٢٥ هـ غزا معاوية والي الشام الروم، فبلغ عمورية، ووجد الحصون التي بين أنطاكيا وطرسوس خالية، فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة وقنسرين، حتى انصرف من غزاته٨. ولما أغزى يزيد بن الحرّ العبسي الصائفة أمره بمثل ذلك. ولما خرج هدم الحصون إلى أنطاكيا٩، وأَتمّ معاوية عملية الهدم هذه في غزوته من ناحية المصيصة عام ٣١ هـ١٠.
_________________
(١) ١ البلاذري- فتوح البلدان ص ١٥٠- ١٥٣. ٢ فتوح البلدان ص ١٦٨، قدامة بن جعفر- الخراج ص ٣٠٧. ٣ فتوح البلدان ص ١٦٨. الكامل في التاريخ ٢/ ٣٤٤. ٤ الكامل في التاريخ ٢/ ٣٤٤. ٥ فتوح البلدان ص ١٦٩. ٦ الكامل في التاريخ ٢/٣٤٤. ٧ فتوح البلدان ص١٦٨. ٨ فتوح البلدان ص ١٦٩، قدامة ص ٣٠٧. ٩ الكامل في التاريخ ٣/ ٤٤. ١٠ قدامة بن جعفر ص ٣٠٧.
[ ١٠٦ ]
وفتح جنادة بن أبي أمية الازدي طرسوس عام ٥٣ هـ في غزو المسلمين القسطنطينية زمن معاوية رضي الله عنه١.
وبقيت طرسوسِ قاعدة لانطلاق القوات الإسلامية إلى بلاد الروم، وقاعدة لانطلاق القوات البيزنطية إلى بلاد الإسلام، طيلة عهد بنى أمية، فكانت تنطلق منها قوات الجهاد الإسلامي إلى القسطنطينية، وإلى بلاد الروم سنويا على نظام الصوائف والشواتي التي استنها معاوية في حرب الروم. وعندما كان الروم يغتنمون غرّه من المسلمين أو ضعفا كانوا ينطلقون من طرسوس كما فعلوا عندما هاجموا أنطاكيا عام ٧٩ هـ٢.
وتقدم الأمويون خطوة بعد انطاكيا، حينما مصّروا مدينة المصيصة عام ٧٤ هـ في عهد عبد الملك بن مروان، ومصّرها ابنه عبد الله وبنى مسجَدها، وشحنت بالجند عام ٨٥ هـ٣. وقام الوليد بن عبد الملك (٨٦ ٩٦هـ) بتعمير ما بين أنطاكيا والمصيصة٤، فأصبحت من ديار الإسلام. وفي عام ٩٣ هـ غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سبسطية، والمرزبانين وطرسوس٥.
وعلى العموم فإن المسلمين في عهد بني أمية كانوا يغزون الروم بأهل الشام والجزيرة صائفة وشاتية مما يلي ثغور الشام والجزيرة، وتقيم الدولة للراكب الغزو، وترتب الحفظة في السواحل٦، دون أن تجعل من هذه الأماكن المتقدمة قاعدة دائمة من القواعد الإسلامية، وهي خطة تقوم على التريث، وعدم الاندفاع في مغامرات غير مضمونة النتائج، وعندما كانت الدولة تحسّ بالوقت الملائم للتقدم، تتقدم كما فعلت في تمصير أنطاكيا وقنسرين، والمصيصة. ويظهر أن الأوضاع المناسبة لم تظهر لتمصير طرسوس في العهد الأموي. واحتاج الأمر لسنين طويلة من العهد العباسي حتى تمّ تمصيرها. وبقيت خلال هذه الفترة تقوم بالدور المناط بها كقاعدة لانطلاق القوات فقط.
_________________
(١) ١ اليعقوبي: تاريخ ٢/ ٢٤٠. ٢ ابن كثير- البداية والنهاية ٩/ ٣٠. ٣ فتوح البلدان ص ١٦٩، قدامة بن جعفر ص ٣٠٧. ٤ فتوح البلدان ص ١٧٢. ٥ الكامل في التاريخ ٤/ ١٢٩. ٦ فتوح البلدان ص ١٦٧، ووردت تقيم بدلا من تقيم. وهو خطأ.
[ ١٠٧ ]