في عام ٣٣٤ هـ في عهد الخليفة المستكفي بالله ٣٢٩- ٣٣٤ هـ، خضعت الخلافة العباسية لسيطرة البويهين، الذين اهتموا في تثبيت نفوذهم في العراق، وفارس، ولم يلعبوا دورًا في الجهاد الإسلامي، وأحداث العالم الإسلامي. فيروى أنه كان في اصطبلات معز الدولة أحمد بن بويه: "اثنا عشر ألف فرس، أغلاها ثمنا بمائة ألف درهم، وأدناها ثمنا بعشرد آلاف درهم، لم يطرح قط على فرس منها بسرج في سبيل الله "٥
_________________
(١) ٥ الحياري- نهاية الثغور الشامية- مجلة مجمع اللغة العربية الأردني العدد اا-١٢ ص ٢٣.
[ ١٢٦ ]
وظهرت الدولة الحمدانية، في الجزيرة الفراتية، والإمارة الإخشيدية في مصر، والشام. وتبعت الثغور الجزرية الدولة الحمدانية منذ البداية، في حين أن الثغور الشامية وأهمها طرسوس، تبعت الدولة الإخشيدية أولًا، ثم الحمدانية، وتأثرت بصراع الدولتين. وفي الواقع وقع عبء الجهاد في الثغور على أهلها، وعلى الدولة الحمدانية. وأقامت طرسوس الدعوة لسيف الدولة بن حمدان عام ٣٣٥ هـ، فأنفذ إليها الخلع والذهب، وأنفذ إليهم آلاف الدنانير للفداء١. وقام نصر الثملي أمير الثغور لسيف الدولة، بالفداء، وكان عدة الأسرى ٢٤٨٠ أسيرًا، من ذكر وأنثى، وفضل الروم على المسلمين ٢٣ أسيرا لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم سيف الدولة٢.
ووقع الخلاف بين أهل طرسوس، وتأرجحوا في الولاء بين الدولة الحمدانية، والإخشيدية، والبويهية. فأثر ذلك على قوتها، وعندما دخل سيف الدولة بلاد الروم عام ٣٣٧ هـ، انهزم، وأخذت الروم مرعش، وأوقعوا بأهل طرسوس بأسًا شديدًا٣.
ودخل سيف الدولة عام ٣٣٨ هـ بلاد الروم بنحو ثلاثين. ألفًا، ومعه عسكر طرسوس في أربعة آلاف، وعليهم القاضي أبو حصين٤. فوغل في بلاد الروم، وعاد الطرسوسيون والعربان إلى بلادهم. وكانت الروم قد أخذوا على سيف الدولة الدروب والمضايق، فقتلوا عامة من معه، وأسروا بقيتهم، واستردوا ما كان أخذه، ونجا سيف الدولة في عدد يسير٥. وحاول الطرسوسيون الانتقام لهزيمته، فغزوا في البر والبحر٦.
وحاول سيف الدولة الغزو عام ٠ ٣٤ هـ فحدث له ما حدث عام ٣٣٨ هـ٧. وزاد الأمر سوءًا أن ضربت الزلازل الثغور، فأثر ذلك على طرسوس. وتمكن الروم من انتزاع زمام المبادرة، وسقطت سروج بأيديهم، فسبوا أهلها، وغنموا أموالهم، وأخربوا المساجد٨ في الوقت الذي اتصلوا فيه بالدولة الفاطمية العبيدية المغرب لمفاوضتها٩
_________________
(١) ١ ابن تغري ٣/ ٢٩٤. ٢ الكامل في التاريخ ٦/ ٣٢٤. ٣ الكامل ٦/٣٤١، البداية ١١/ ٢٥٠، ابن تغري ٣/٢٩٧، دول الإسلام ١/٢١٠، العبر ١/٥١ ٤ ابن تغري ٣/٣٠٣. ٥ الكامل ٦/ ٣٣٤، البداية ١١/٢٢٣. ٦ الذهبي دول الإسلام ١/٢١٠. ٧ ابن تغري ٣/ ٣٠٥. ٨ الكامل ٦/ ٣٤٢، البداية ١١/ ٢٢٥، أبو الفداء ٣/ ١٢٥، حول الإسلام ١/ ٢١٢. ٩ العيون والحدائق ٤ ق ٢/ ١٩٥، العبر ٢/ ٢٦٢.
[ ١٢٧ ]
وحاول سيف الدولة استعادة هيبته فَكَرَّ على الروم عام ٣٤٢ هـ١ وعام ٣٤٣ هـ، وحقق بعض الانتصارات، وقتل خلقا من أصحاب الدمستق، وأسر قسطنطين بن الدمستق ملك الروم، وآخرين من رؤساء البطارقة٢.
وفي عام ٣٤٥ هـ، هاجم الروم ميافارقين، وركبوا في البحر إلى طرسوس، فقتلوا من أهلها ١٨٠٠، وحرقوا قرى كثيرة حولها، وسبوا كثيرًا، في الوقت الذي كان رئيس طرسوس فيه في زيارة لسيف الدولة وهو في طريقه إلى حلب٣.
وساءت الأحوال الداخلية في العالم الإسلامي، وامتلأ رفضًا، وسبًا للصحابة، من بني بويه، وبني حمدان، والفاطميين، والقرامطة، فاشتد ساعد الروم، فأغاروا عام ٣٤٧ هـ على الثغور الإسلامية، ووصلوا حلب. وهزموا سيف الدولة هزائم متلاحقة٤. وغزوا طرسوس والرها عام ٣٤٨ هـ، وسبوا، وأخذوا الأموال٥، فاشتد ضغط المسلمين على ولاتهم، ودعوهم للجهاد، وعمل الخطيب عبد الرحيم بن نباتة خطبه الجهاديات، يحرّض الإسلام على الغزاة٦، وكان خطيبًا لسيف الدولة٧. وقام العالم عبد الرحمن بن محمد اللخمي العسقلاني بحثّ سيف الدولة على الجهاد٨. وتحركت العامة في بغداد، وجمعوا الأموال للجهاد، فأخذها معز الدولة البويهي، وأنفقها على لهوه، ولما غضبت العامة عليه، قام بتسكينها، بأن أرسل جيشًا ادّعى أنه تمكن من إحراز بعض الانتصارات. وتحرك سيف الدولة عام ٣٤٩ هـ، ومعه أهل طرسوس، فغزوا الروم من ناحية طرسوس٩، واحرزوا انتصارات، وانتهوا إلى خرشنة. ولما أرادوا العودة، نصح أهل طرسوس سيف الدولة بالعودة معهم، لأنه بلغهم أن الروم ملكوا الدرب خلفه، فرفض وكان معجبًا بنفسه، وبرأيه، فرفض النصيحة فأتى عليه الروم قتلًا، وأسرًا، وتخلص هو في ثلاثمائة رجل من رجاله وغلمانه، بعد جهد ومشقة١٠. وسلم أهل طرسوس وقتل من وجوه قادته حامد بن النمس، وموسى بن سياكان، والقاضي أبو حصين- قاضي طرسوس-.
_________________
(١) ١ البداية ١١/٢٢٧ ٢ الكامل ٦/ ٣٤٦، ابن تغري ٣/ ٣١١، البداية ١١/ ٢٢٧، ٢٢٨. ٣ الكامل ٦/ ٣٥٠، دول الإسلام ١/٢١٣، العبر ٢/ ٦٩، البداية ١١/ ٢٣٠. ٤ ابن تغري ٣/ ٣١٩، العبر ٢/ ٧٥. ٥ ابن تغري ٣/٣٢٢، دول الإسلام ١/ ٢١٥، البداية ١١/ ٢٣٤. ٦ ١لعبر ٢/٧٨. ٧ العبر ٢/١٤٣، البداية ١١/٣٠٣. ٨ الموجز في تاريخ الدول العربية وعهودها في بلادنا فلسطين ص ٢٩٨. ٩ ابن تغري ٣/ ٣٢٤. ١٠ الكامل ٦/ ٣٥٨.
[ ١٢٨ ]
وأخذت قوة طرسوس تسير إلى انحدار سريع، وقطع الروم عن أهلها إمدادات المسلمين، ففي عام ٣٥٠ هـ سار قفل عظيم من أنطاكيا إلى طرسوس، ومعهم صاحب أنطاكيا، فخرج عليهم كمين للروم، فأخذ من كان فيها من المسلمين، وقتل كثيرًا منهم، وأفلت صاحب أنطاكيا، وبه جراحات١.
واتسعت هجمات الروم، وسقطت جزيرة اقريطش (كريت) بأيديهم وقتل ارمانوس بن قسطنطين كثيرا من أهلها، وسبى من بقي، وأخذ الأموال، وأحرق المصاحف، وهدم المساجد٢. فاستنجد أهلها بالمعز الفاطمي فأرسل إليهم جيشًا فانتصروا على الفرنج٣. وهاجموا منبج في الثغور، وأسروا أبا فراس الحمداني وكان متقلدًا لها٤. وسقطت بأيديهم عين زربى٥.
وقد أمن الروم قوة طرسوس التي غرقت في الفوضى من داخلها، إذ تنكرت لسيف الدولة، بسبب ظلمه، وقبضه لوقوف أهل طرسوس، في بلاد حلب، وولاياتها، وكانت موردًا هامًا لأهل الثغر. فقطعوا الدعوة له، وأعلنوها لأنوجور وكافور الإخشيديين، وتزعم ذلك رشيق النسيمي، وضمن لها عمارة الثغر نيابة عنهما.
واتفق أهل المدينة، وعلى رأسهم أبو أحمد الهاشمي، ومحمد بن الزيات، على أن يكون الهاشمي وابن الزيات أميري الثغر، وأن يخطب لهما معا. وأرسلوا رسولا إلى مصر ليعلم أنوجور وكافور بالأمر، ولجلب الميرة والمال، لانفاقهما في الثغر. وكان الخليفة المطيع لله (٢٣٤-٢٦٣ هـ) قد كتب لأنوجور بن الإخشيد على مصر، والاسكندرية، والشام، وقبرص، على أن يحمل إلى حضرته كل سنة مائة ألف دينار، وولاه أمورها سوى الخطابة والحكومة، على أن يحمل إلى طرسوس في كل سنة خمسة وعشرين ألف دينار، وتفرق في المستحقين ببلاده مائتي ألف دينار٦. ولكن أنوجورِ وكافور لم يرسلا شيئًا إلى طرسوس، فقام سيف الدولة بمراسلة الهاشمي وابن الزيات سرا عن رشيق النسيمي، وتم الاتفاق على إعادة الدعوة لسيف الدولة مقابل رد الوقوف المقبوضة، وإرسال مال إليهما لينفقاه بالثغر.
_________________
(١) ١ نفسه ٦/ ٣٦٠. ٢ العيون والحدائق ٤ ق ٢/ ٢٤، ابن تغري ٣/ ٣٢٧. ٣ البداية والنهاية ١١/ ٢٤١، الكامل ٧/٥. ٤ الكامل ٧/ ٥، ابن تغري ٣/٣٣٣، البداية ١١/٢٤١. ٥ العيون والحدائق ٢ ق ٢/٢١٨، حول الإسلام ١/٢١٧، في حين ذكر ابن الأثير سقوطها عام ٣٥١ هـ/ الكامل ٧/ ٢. ٦ أخبار الدول المنقطعة ص ٢٤٨.
[ ١٢٩ ]
واختلف الهاشمي وابن الزيات، فاعتقل الأول، وسجن مع جماعة من أتباعه ولكنه تمكن من الهرب، ولجأ إلى سيف الدولة، ثم عاد إلى طرسوس في غياب ابن الزيات للجهاد، وحاول أن يخلص أصحابه، فهاجمه عامة الناس، وقبضوا عليه، وسلّمه لابن الزيات عندما عاد، فسجنه. ويقال أن صاحب البحر في طرسوس الذي تولى نقله إلى سجنه، قتله.
استغل الروم أحداث طرسوس هذه، ولجأ ملكهم نقفور إلى المكر والخديعة وأظهر لسيف الدولة مقاربته، وراسله لتقرير شروط الهدنة، فركن سيف إلى قوله وراسل أهل طرسوس طالبًا منهم الدخول فيما سيعقد مع الروم من شروط. وكان نقفور يصلح أموره، ويجمع رجاله. وأتت عيون ابن الزيات بأخبار مكر الروم، وأن نقفور يجمع بطارقته ومن أمكنه من نصارى أوربا١، وما تأخره في الهجوم إلا انتظارا لتفرّق من قصد طرسوس من الغزاة، وخروج من كان يريد الحج من أهل الثغور. فجمع ابن الزيات أهل طرسوس وأخبرهم، فاختلفت الآراء في خروجه لمقابلة الروم في عين زربة، وخرج من طرسوس بمن تبعه، وهم ألف فارس، ونفر معه أهل المصيصة وكان عددهم قليلًا، حيث كان فرسانهم استشهدوا مع هرون الثملي في فتح الهارونية. وعند المصيصة وردته أخبار تحرك جيش الروم باتجاهه، فأمر من معه أن يخلفوا أثقالهم، وبغالهم بالمصيصة، وتقدم بعدد قليل من رجاله ومن أهل المصيصة (نحو خمسمائة فارس وثلاثمائة وثمانين راجل) . فتوجه لهم الدمستق بأمر نقفور في جيش كبير، وأشار جماعة على ابن الزيات بعدم مواجهة القوات الرومية الكثيرة، والاعتصام منها ببعض الجبال القريبة، لكنه رفض، وأظهر ومن معه من المسلمين بطولة عظيمة، وسقط من الشهداء خمسمائة بين فارس وراجل، بينهم أخو ابن الزيات. وتراجع الباقون إلى مدن الثغور. في حين تقدم الروم وحاصروا عين زربة التي استسلمت للروم، وكان استسلامها كارثة بالفعل وصفها ابن مسكويه٢، وصاحب العيون والحدائق٣، فقد أطلق نقفور لأصحابه نهب المدينة، ودخل ببطارقته إلى الجامع بخيلهم، ورجاهم، وصعد نقفور على منبرها، وبدل الآذان بضرب الناقوس، ووضعت المصاحف تحت الأقدام، ورفعت فيه الصلبان. وطلب نقفور خمرا في عين زربة، فلم يجد فيها جرعة، لطهارة من حلان يسكنها على حدّ تعبير صاحب العيون والحدائق.
_________________
(١) ١ العيون والحدائق ٤ ق ٢/ ٢١٨، ابن تغري ٣/ ٣٣٢. ٢ تجارب الأمم وانظر دول الإسلام ١/٢١٧، ابن تغري ٣/ ١٣٢. ٣ ج ٤ ق ٢١٨/٢-٢٣٣.
[ ١٣٠ ]
وعاد ابن الزيات إلى طرسوس، وأخبر أهلها بما حدث. فخاطبه ابن بلوطة وكان يتعصب لسيف الدولة قائلًا: "هذا أمر لا يقوم به إلا ملك، مثل الملك الذي قصدنا، فلو كُفينا أمرك، صار إلى بلدنا من يحميه ". ولم يردّ أحد عليه، ولا أنكر. فقام ابن الزيات مغيظًا، وقد طوى يومين لم يطعم فيها طعاما ولا شرابًا، وقال: "أنا أكفيكم نفسي، حتى يجيء ملك يقوم بالأمر لكم". واعتزل، وكتب وصية بما خلفه من مال المسلمين، وفرق دوابه على غلمانه، وأخيه، وأعطى لكل غلام نفقة، وتقدم إلى أخيه، وإلي أبي الحسن بن رشيق النسيمي، أن يطوفوا ليلتهم بالبلد، ودخل بيتًا على نهر بردان، وقد أدركه الليل، وأغلقه عليه، وتهيأ للصلاة، وتطيّب، وقام يصلي ليله، ويدعو، ويستغفر، ولما هدأت العيون، نزل إلى النهر، فرمى نفسه فيه، وعليه سلاحه، فغاص في الماء، ولم يقف أحد على ما فعله، إلى أن رأت امرأة عمامته على رأس الماء، فأنذرت بذلك، فغاصوا، فأخرجوه، وانقلبت طرسوس، ووجدوه على حاله لم يتغير منه شيء، ولا انفتح له جوف، ولا أثر السمك شيء منه، وكثر البكاء والعويل عليه، من الرجال والنساء، وصلي عليه، ودفن في مقابر المسلمي ١.
وجاء رسل المصيصة يدعون ابن الزيات إليهم فوجدوه قد مات. واجتمع أهل طرسوس على تعيين أبي الحسن بن رشيق النسيمي، فأقام الدعوة لسيف الدولة، واستمر في ولاية طرسوس والثغور الشامية إلى أن استسلمت طرسوس للروم٢.
وفي أثناء هذه الأحداث انشغل البويهيون بحرب الحمدانين في الجزيرة الفراتية، وبالخارجين عليهم، وابتعد سيف الدولة إلى ميافارقين هربًا من حلب التي تعرضت لهجمات الروم، واتهم كافور الإخشيدي بالتهاون في أمر الثغور٣. وأرسل أهل طرسوس الوفود إلى مصر، والعراق، وبقية بلدان العالم الإسلامي، يحملون الاستغاثة، وعاد اغلب الرسل دون الحصول على مساعدة تذكر من الجهات الرسمية. وتنادى الناس للجهاد، ووصل المطوعة إلى طرسوس. ولكن الأمر زاد سوءًا بانتشار الوباء والغلاء في طرسوس وبقية الثغور الشامية، حتى اضطر الناس إلى أكل دوابهم، وأكل الميتة٤ وراسل أهل بغراس الدمستق، وبذلوا له
_________________
(١) ١ هذا الوصف لصعب العيون والحدائق ج ٤ ق ٢/٢١٨-٢٢٣. وانظر تجارب الأمم ٢/١٩١، والكامل ٧/ ٢-٣. ٢ العيون والحدائق ص ٢٢٣. ٣ الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ص ١٨٣. ٤ زبدة الحلب ١/ ١٤٢، تاريخ يحي بن سعيد ص ١٢١- ١٢٢، البداية والنهاية ١١/ ٢٥٥، الكامل في التاريخ ٧/١٣
[ ١٣١ ]
الأموال، فأقرهم، وتركهم١. وتوجه الروم في مائتي ألف إلى حلب. وفيهم ثلاثون ألفًا بالجواشن، وثلاثون ألفًا للهدم، وإصلاح الطرق من الثلج، وتمكن الروم من دخولها، وفر سيف الدولة إلى ميافارقين فقد كان قليل الصبر٢. ولم ينجُ إلا قلعه حلب، وبقي فيها الروم تسعة أيام، عاثوا فيها فسادًا، وقتلوا حتى كلّوا، وملّوا، وأحرقوا المساجد، وقتلوا جميع أسرى المسلمين، وقدر عدد القتلى بمائة وخمسين ألفًا بحلب٣ واستنجد سيف بأهل الشام، فسار إليه جيش من دمشق على رأسه ظالم بن السلال العقيلي واليها من جهة الدولة الإخشيدية٤، كما وصل إلى طرسوس كثير من المجاهدين. فانسحب الروم من حلب. وسيّر سيف حاجبه في جيش من أهل طرسوس إلى بلاد الروم، فحققوا بعض لانتصارات٥.
وضعف أمر سيف الدولة بعد كائنة حلب، وأصيب بفالج عام ٣٥٢ هـ في يده، ورجله٦. ولكن أهل طرسوس تابعوا الجهاد، فدخلوا بلاد الروم غازين مرة أخرى، كما دخلها نجا غلام سيف الدولة من درب آخر، وأوغل أهل طرسوس في غزوهم حتى وصلوا إلى قونية، وعادوا٧.
واضطرب أمر بني حمدان، بسبب خلافات هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان مع عمه سيف الدولة٨. وكان الروم يرقبون ذلك فرحين، وهدفهم إضعاف طرسوس واستنزافها، فقاموا بحملات مكثفة على ما تبقى من الثغور الشامية، على رأسهم نقفور نفسه، الذي عسكر على مقربة من إذنة. فخرج أهلِ طرسوس لمساعدة أهلها عام ٣٥٣ هـ، وكانت كارثة فقد قتل من المسلمين خمسة عشر ألفا، وأقام نقفور خمسة عشر يومًا في بلاد الإسلام، لم يقصده أحد لقتاله. وعاد لغلاء الأسعار، وقلة الأقوات. بعد أن أرسل الدمستق إلى أهل المصيصة، وإذنة، وطرسوس قائلا: "إني منصرف عنكم، لا لعجز ولكن لضيق العلوفة، وشدة الغلاء، وأنا عائد إليكم، فمن انتقل منكم نجا، ومن وجدته بعد
_________________
(١) ١ الكامل ٧/٣. ٢ البداية والنهاية ١١/ ٢٣٩، ابن تغري ٣/ ٣٣٢. ٣ ابن تغري ٣/٣٣٢، دول الإسلام ١/٢١٧، العبر ٢/٨٧. ٤ زبدة الحلب ٣٩١. ٥ الكامل ٧/ ٧٠٥، البداية ١١/ ٢٤١، ابن تغري ٣/ ٣٣٥- ٣٣٦. ٦ ابن تغري ٣/ ٣٣٥. ٧ الكامل ٧/ ٧، المنتظم لابن الجوزي حوادث ٣٥٢ هـ. ٨ الكامل ٧/ ٧.
[ ١٣٢ ]
عودي قتلته". ففرّ من أذنة أكثر من خمسين ألفًا من المسلمين، في حين أظهر أهل طرسوس من الشجاعة وشدة البلاء الشيء الكثير، وأسروا بطريقًا كبيرًا من بطارقة الروم١.
وبني نقفور مدينة قيسارية، وعسكر فيها، ليقرب من بلاد الإسلام٢، وقد عزم على أن يستحوذ على البلاد الإسلامية بعد أن طمع فيها لفساد حكامها، وفساد عقائدهم في الصحابة٣.
وأدرك أهل المصيصة وطرسوس عجز البلاد الإسلامية، عن نجدتهم. فأرسلوا إلى نقفور، يبذلون له أتاوة، ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه، يقيم عندهم، ولكنه أدرك عجزهم، واشتداد الغلاء، وقد أكلوا السباع والميتة، وفتك فيهم الوباء، فكان يموت في طرسوس كل يوم نحو ثلاثمائة نفس، فأحضر نقفور الرسول، وأحرق الكتاب على رأسه، واحترقت لحيته، وقال لهم: "أنتم كالحية في الشتاء تخدر، وتذبل، حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان، وأحسن إليها، وأدفأها، انقضّت ونهشته"٤.
وفي ظل هذه الأوضاع المحزنة توجه نقفور بجيوشه الجرارة عام ٣٥٣ هـ، فاحتل إذنة بسهولة، وكان قد هجرها أهلها. ودخل المصيصة عنوة في ١٣ رجب بعد حصار طويل، ووضع السيف في أهلها، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رفع السيف ونقل كل من بها إلى بلد الروم، وكانوا نحو مائتي ألف إنسان٥. واستولى بعد ذلك على كَفَرْبَيّا، وأسر كثيرا من المسلمين. وكَفَرْبَيّا مدينة بإزاء المصيصة على شاطئ جيحان٦.
وجاء دور طرسوس آخر معقل من معاقل الثغور الشامية، وقد نهكتها الحروب، وملاحم الجهاد، وتوجه إليها نقفور بقواته الهائلة، ولما وصل إلى أسوارها، أمر بأن يُساق من أسر من أهل المصيصة وكفربيا أمام أهل طرسوس الذين كانوا ينظرون من فوق الأسوار، وأمر بضرب أعناق مائة من أعيان المدينتن، بهدف إضعاف معنويات أهل طرسوس فكان أن أخرج أهل طرسوس أسرى الروم الذين عندهم، وضربوا أعناقهم على باب المدينة٧.
_________________
(١) ١ الكامل ٧/٩-١١، البداية ١١/٢٥٣، زبدة الحلب ١/ ١٤١ ابن تغري ٣/٣٣٧، تاريخ يحي بن سعيد ص ١٢٢. ٢ مسكويه- تجارب الأمم ٢/ ٢١٠، السيوطي- تاريخ الخلفاء ص ا ٤٠. ٣ البداية ١١/٢٥٣. ٤ البداية ١١/ ٢٥٥، الكامل ٧/١٣. ٥ البداية ١١/ ٢٥٥، الكامل ٧/ ١٤، تجارب الأمم ٢٠٨- ٢١٠. ٦ ياقوت- معجم البلدان ٤/٤٦٨. ٧ تجارب الأمم ٢/ ٢١١، تاريخ يحي بن سعيد ١٢٣.
[ ١٣٣ ]
واشتد حصار الروم لطرسوس، ولم يتحرك أحد من المسلمين لإنقاذها، وكانت تعاني من قلة الأقوات، ومن الغلاء، وانتشار الوباء، فأسقط في أيدي أهلها، وطلبوا من نقفور الأمان، وعرضوا رفع الحصار، مقابل ثلاثمائة ألف دينار، وإطلاق ما عندهم من الأسرى. وأبى نقفور، وخّيرهم بين الخروج من المدينة بالأمان، أو البقاء فيها مع الدخول في طاعة الروم، وتخريب أسوار المدينة١. واستمرت المفاوضات إلى أن تم الاتفاق على تسليم المدينة للروم بالأمان لأهلها، على أن من أراد أن يخرج من المدينة فله أن يحمل من ماله، ورحله، ما يطيق حمله. وأن من أراد البقاء على الذمة، أو الجزية، أو النصرانية، فله ذلك أيضًا. واشترط نقفور تخريب الجامع والمساجد.
ودخل نقفور وعامة عسكره طرسوس في منتصف شهر شعبان عام ٣٥٤ هـ، فأخذ كل واحد من الروم دار رجل من المسلمين بما فيها، ثم يتوكل ببابها، ولا يطلق لصاحبها إلا حمل الخفّ، فإن رآه قد تجاوز منعه، حتى إذا خرج منها صاحبها دخلها النصراني، فاحتوى على ما فيها. ونصب نقفور علمين، علم يشير إلى الإسلام، وعلم يشير إلى النصرانية، وطلب من أهل المدينة أن من أراد الخروج إلى بلاد الإسلام، فليقف تحت العلم الأول، ومن اختار البقاء تحت حكم الروم فليقف تحت الثاني. وقد قدر عدد الذين خرجوا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي. وحدث أثناء الخروج من المواقف المحزنة الكثير. فقد تقاعد بالمسلمين أمهات أولادهم لما رأين أهاليهن، وقالت: أنا الآن حرّة، لا حاجة لي في صحبتك، فمنهن من رمت بولدها على أبيه، ومنهن من منعت الأب من ولده، فنشأ نصرانيا. فكان الإنسان يجيء إلى عسكر الروم، فيودع ولده، ويبكي، ويصرخ، وينصرف على أقبح صورة٢.
وقام نقفور بإحراق المصاحف، وتخريب المساجد، وأخذ من خزائن السلاح ما لم يسمع بمثله، مما كان جُمع من أيام بني أمية إلى هذه الغاية. وصعد نقفور منبر المدينة وخاطب من حوله: "أين أنا؟ " فقالوا: "على منبر طرسوس". فقال: "لا، ولكنني على منبر بيت المقدس، وهذه كانت تمنعكم من تلك"٣. وأمر بنقل أبواب مدينة طرسوس إلى القسطنطينية، كما أمر بنبش قبر المأمون، فأخذ سلاحه، وأعاد القبر كما كان. وجعل المسجد الجامع اصطبلا لدوابه، ثم أحرق البلد.
_________________
(١) ١ تجارب الأمم ٢/ ٢١٣. ٢ ياقوت- معجم البلدان ٤/ ٢٨، الكامل ٧/ ١٣- ٤ ١. ٣ زبدة الحلب ص ١٣٣.
[ ١٣٤ ]
كل ذلك يُشير إلى الروح الصليبية التي كانت تحرّك نقفور، وهذا وسيف الدولة حي يرزق بميافارقين، والملوك من المسلمين كل واحد مشغول بمحاربة جاره من المسلمين، وعطّلوا فرض الجهاد كما قال ياقوت١ وابن كثير٢.
ولم تغب أهمية طرسوس عن نقفور، فعزم على المقام بها وعمرها، ليكون أقرب إلى بلاد المسلمين ثم بدا له فعاد إلى عاصمته القسطنطينية٣. وبقيت طرسوس قاعدة للروم للغارة على بلاد الإسلام برًا وبحرًا.
ولما سقطت طرسوس اضطربت بلاد الشام، وقام أهل أنطاكيا بطرد نائب سيف الدولة، وعينوا مكانه رشيقا النسيمي الذي خرج من طرسوس. وأعلنوا أنه لا مقام لهم بعد طرسوس. فقام الأمير رشيق بمكاتبة الروم، ودفع لهم ٤٠٠ ألف دينار في السنة. واستمرت أنطاكيا تعاني المأساة إلى أن سقطت أيضا في كارثة إسلامية أخرى عام ٣٥٩ هـ بيد الروم٤. وكذلك سقطت في العام نفسه ملازكرد في آسيا الصغرى. وخاف المسلمون الروم في أقطار البلاد، وأصبحت كلها سائبة، لا تمتنع عليهم يقصدون أيها شاءوا٥.
ومن أثر سقوط طرسوس أيضا أن قوي أمر أبي عبد الله بن الداعي ببلاد الديلم.
وكتب إلى الآفاق حتى إلى بغداد، يدعو إلى الجهاد في سبيل الله لمن سبَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم٦. فوجدت دعوته صدىً.
وبسقوط طرسوس انطوت صفحة رائعة من صفحات الجهاد الإسلامي في آسيا الصغرى، وبقيت طرسوس بيد الروم، إلى أن عادت إلى تبعية البلاد الإسلامية علي يد مليح بن ليون الأرمني عام ٥٦٨ هـ الذي خدم نور الدين زنكي٧. ثم أخذت وضعها الإسلامي الصحيح علي يد العثمانيين، الذين أعادوا المدّ الإسلامي إلى بلاد الأناضول. وأصبحت آسيا الصغرى على أيديهم من أهم بلاد الإسلام.
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٤/ ٢٩. ٢ البداية والنهاية ١١/ ٢٥٥. ٣ الكامل ٧/١٣-١٤، البداية ١١/ ٢٥٥. ٤ الكامل ٧/ ٣٦، ٠ ٢. تجارب الأمم ٢/٢١٢. ٥ الكامل ٧/ ٣٧. ٦ البداية ١١/ ٢٦٠. ٧ الكامل ٩/ ١١٩.
[ ١٣٥ ]