من عساكره في بحور، ويغوص على أمور، ثم يفور بشرور ومن جملة ذلك غوصه مما وراء النهر وخروجه من بلاد اللور
ثم إنه مع اتساع مملكته وانتشار هيبته وصولته وشيوع أراجيفه في الأقطار، وبلوغ تخاويفه تجاويف الأقاليم والأمصار، وثقل أثقاله، وعدم اختفاء توجهه إلى جهة وانتقاله، كان يجري في جسد العالم، مجرى الشيطان من ابن آدم، ويدب في البلاد، دبيب السم في الأجساد قلت
يصوب يمنة ويصيب يسرة وينوي جبهة والقصد نقره
بينا يكون له في المشارق بيارق فيالق، إذ لمع له في الغرب بوارق
[ ٨٣ ]
بوائق، وبينما نغمات طبوله وضربات أعواده تقرع في حصار العراق وأصبهان وشيراز، وإذا برنات أوتاره وبوقات أبواقه تسمع في مخالف الروم ومقام الرهاوي وركب الحجاز فمن ذلك أنه مكث في سمرقند مشغولًا بإنشاء البساتين وعمارة القصور، وقد أمنت منه البلاد واطمأنت الثغور، فلما انتهت أموره وبلغ الكمال قصوره، أمر بجمع جنده، إلى سمرقنده، ثم أمرهم أن يصنعوا لهم قلانس ابتدعها، وعلى صورة من التركيب والتضريب اخترعها، فيلبسونها ويسيرون، وما بين إلى أين يصيرون، ليكون ذلك لهم شعارًا، وقد كان أرصد له في كل جهة من مماليكه جشارًا، ثم رحل عن سمرقند، وأشاع أنه قاصد خجند، وبلاد الترك وجند ثم إنه اندمس في دردور عسكره وإنقمس، كأنه في لجة بحر انغمس، ولم يشعر أحد أين عطف، ولا أنى قصد المختطف، ولا زال في تأويب وآساد، وجوب بلاد بعد بلاد، يسر سير الكواكب، ويجري جري المراكب ويطرح ما وقفه وكل من نجائب الجنائب، حتى نبع من بلاد اللور، ولم يكن لأحد به شعور، وهي بلاد عامرة، خيراتها
[ ٨٤ ]
متكاثرة وفواكهها وافرة، اسم قلعتها بروجرد وحاكمها عز الدين العباسي، وقلعتها وإن كانت في الحضيض لكن كانت تسامي بمناعتها حصون الجبال الرواسي، وهي مجاورة همذان ومتاخمة عراق العرب كأذربيجان، فأحاط بالقلعة وما حواليها وحاصر ملكها المتولي عليها ولما كان صاحبها بلا عدد ولا عدد ولا أهبة ولا مدد، وكان في صورة المتوكل المحتسب وأتاه البلاء من حيث لا يحتسب، لم يسعه إلا طلب الأمان، والانقياد له والإذعان، فنزل إليه وسلمه قياده فقبض عليه وضبط بلاده، ثم أرسله إلى سمرقند وحبسه، وضيق عليه نفسه ونفسه، ثم بعد ذلك بمدة حلفه ورفع عنه ما نابه وصالحه على جمل من الخيل والبغال، ورده إلى بلاده، واستنابه
ولما استخلص ذلك الكفور ولايات تلك الكفور، واصل السير إلى همذان، في أقرب زمان، فوصل إليها وأهلها غافلون فجاءها البأس بياتًا أو هم قائلون، فخرج إليه منها رجل شريف يقال له " مجتبى " وكان عند الملوك مصطفى ولديهم مرتضى، فشفع فيهم فشفعه على أن يبذلوا مال الأمان، ويشتروا بأموالهم ما من عليهم
[ ٨٥ ]
من الأرواح والأبدان، فامتثلوا أمره وفعلوا، ووزعوا ذلك فجمعوه، وإلى خزائنه نقلوا، فدعته نفسه الجانية أن طرح عليهم المال ثانية، فخرج إليه ذلك الرجل الجليل، ووقف في مقام الشفاعة مقام البائس الذليل، فقبل شفاعته، ووهبه جماعته، ثم إنه سدك بمكانه وجثم، حتى تلاحق به عسكره والتأم