وممالك عراق العرب
ولما بلغ السلطان أحمد بن الشيخ أويس ما فعله بغنم رعايا جيرانه اللور وهمذان ذلك الأويس، وعلم أنه لابد له من قصد مملكته ودياره، لأنه هو بادأه بالشر وطرح على شراره طائر شراره، وإن عسكره وإن كان كالسيل الهامر فإنه لا مقاومة له ببحره وتياره، وأنه إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى، ولا مقابلة لسحرة فرعون مع عصا موسى قلت
السيل يقلع ما يلقاه من شجر بين الجبال ومنه الصخر ينفطر
حتى يوافى عباب البحر تنظره قد اضمحل فلا يبقى له أثر
فاستعد للبلاء قبل نزوله، وتأهب له قبل حلوله فتشمر للهزيمة،
[ ٨٦ ]
وعلم أن إيابه سالمًا نصف الغنيمة، واقتصر من بسيط فقه المقاتلة والمقابلة على الوجيز، وصمم على الخروج من ممالك بغداد والعراق وتبريز وقال لنفسه النجاء النجاء وجهز ما يخاف عليه صحبة ابنه السلطان طاهر إلى قلعة النجا، وأرسل إلى تيمور الأشعار والهجاء، فمن ذلك ما ترجمته فقلت
لئن كانت يدي في الحرب شلا فرجلي في الهزيمة غير عرجا
ثم قصد البلاد الشامية، وذلك في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، في حياة الملك الظاهر أبي سعيد برقوق رحمه الله تعالى فوصل تيمور إلى تبريز ونهب بها الذليل والعزيز، ووجه إلى قلع النجا العساكر لأنه كانت معقل السلطان أحمد وبها ولده وزوجته والذخائر، وتوجه هو إلى بغداد ونهبها ولم يخربها ولكن سلبها سلبها وكان الوالي بالنجا رجلًا شديد البأس يدعى ألتون، عند السلطان أحمد مأمون، وله إليه ركون، ومعه جماعة من أهل النجدة، وأولي البأس والشدة، نحو من ثلاثمائة رجل في العدة وكان ينزل بهم ألتون إذا أخذ الليل في السكون، ويشن الغارة على تلك العساكر
[ ٨٧ ]
والمكان المسكون، فوهن أمر العسكر فأبلغوا تيمور هذا الخبر فأمدهم بأربعين ألف مقاتل مشهور مع أربعة أمراء كبيرهم يدعى قتلغ تيمور، فوصلوا إلى القلعة ولم يكن إذ ذاك ألتون بها، وكان قد خرج للغارة على من في ضواحيها، فبينا هو راجع وإذا بالنقع ساطع فلما اطلع طلع الخبر قال " أين المفر " فقيل كلا " لاوزر " فعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فثبت جأشه وحاشيته وتوكل عليه، وقال إن الرؤوس في مثل هذا المقام إنما يكونون تحت الأعلام، فاحطموا نحو قلب هؤلاء اللئام، فأما أن تبلغوا المرام أو تموتوا على ظهر الخيل وأنتم كرام، إذ لا ينجيكم من هذا الكرب سوى الطعن الصادق والضرب، قلت
كريمًا مت وإلا مت لئيما فما والله بعد الموت موت
فتعاضدوا بهمة صادقة، وعزيمة على حصول الخلاص من الله تعالى واثقة، وقد أحاطوا بهم إحاطة الشبكة بالسمكة، وصاروا في وسطهم كالمغزل في الفلكة، وقصدوا الراية وحامليها، ومن يليها وذويها، فساعدهم ساعد سعد لحيان بنصرته، وحل عنهم القبض الداخل
[ ٨٨ ]
وأنكيس عقلته، فاسالوا على راياتهم ذات البياض من الدماء حمرة، وفتحت لجماعتهم طريق إلى عتبة النصرة، فلاح لهم فلاح وجنح لهم نجاح، فنجوا من الشرور، وحصل لهم السرور، بعد أن قتلوا من العسكر أميرين أحدهما قتلغ تيمور ولما وصل هذا الخبر إليه، اسودت الدنيا في عينيه، بل انقلب الكون والمكان عليه، ثم نهض إليها بنفسه، وربض عليه بحرسه، وأحاط بجوانبها وألقم الحرس أفواه مضاربها